أفكارنا مع قضايا معاصرة

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم : عبد العزيز

طالب التخصص في اللغة العربية وآدابها بمركز اللغة العربية بنغلاديش

نعمة لا تعادلها نعمة، ثروة لا توازيها ثروة، أجل ما منح الله الناس من مواهب كامنة وكفاءات قادرة، مامنحت إلا من يرد الله به خيرا ويغدق عليه فضلا، وما هي إلا نعمة الفكرة، وقوة الرَوِيَّة، وصلاحية التأمل، وموهبة التدبر.

والفكرة هي التي تجري على خطها عجلة الدولة، والمفكرون بالنسبة لها ثروة أغلى من الفضة والذهب، لذا تحافظ عليهم، وتهتم بشئونهم، ويقوم رجال الدولة بتنفيذ ما يصدرون من آراء و ملاحظات في جميع القضايا التي تخص بها من الإيجابيات والسلبيات، وينصب باسمهم منارة تذكارية في منعطفات الشوارع وأماكن تهم الناس والبلاد.

والفكرة هي القوة ، ربما تخضع لها قنبلة نووية، بينما تدمر على صاحبها لتعطلها خطوات مهمة، والفرق لا يتبين إلا بالإعمال والاستخدام، فاستخدام الفكرة وإعمالها أهم شيء لمن منحت له، إن كانت طرقه التي يستخدم الأفكار من خلالها خيرا فبها، وإلا فلتترقب منه الأمة سوءا يكفي بتحطيم دعائمها، و تقطيع جذورها وصلتها التي تتقدم بها إلى الأمام.

هنا أقف لحظة لفئتين متضادين في بنغلاديش، يبديان الرأي من ناحيتن مختلفتين في الصحف والمجلات أو التواصل الإجتماعي و منصات الخطب في كل من قضايا اجتماعية ودولية أو دينية و سياسية، منذ أمد بعيد، حتى أصبح ذلك ثقافة لاتفارقهما.

فئة من العلماء المتدينين وفئة من عامة المثقفين أو الذين يدعى بالتقدميين،

أما الفئة الأولى فآراؤهم تطرح من منظور شرعي أغلب الأحيان في أمرما، فمثلا يدعى أحدهم إلى المشاركة في حفل الحوار من قبل أحد وسائل الإعلام المرئية؛ ليناقش عن موضوع الاغتصاب الجنسي المنتشر في البلاد كالفيروس مؤخرا، فيشرح الأمر هو من القرآن والسنة فحسب، ولايلتفت – ولو لمرة واحدة - إلى أن العوامل الأخرى المادية أيضا يمكن أن تعود إليه مثل العوامل الدينية، حتى يجعل حديثه ذا أثر متصف بالدقة والشمولة، و يجعل من يقابله في الحوار يقبل الرأي بسهولة.

وأما الفئة الثانية فترجع الأبصار إلى كل قضية يواجهها الجمهور من منظور مادي فحسب، فلا شيء لديها يختص بالقضاء والقدر، حتى الآفات السماوية المباشرة فيما لا يد لأحد فيها، كالموت وهطول الأمطار والعواصف العاتية، ولا تعمل الفكرة في أنه لا تقع حادثة على سطح الأرض إلا وراءها عوامل مادية، وهذا حقيقة على ما يعتقدون، ولكن الحقيقة التي أكبر منها وأجلى هي: أن لاتسقط ورقة من الشجر ولاتنبت حبة في ظلمات الأرض إلا من أمرالله العلي القدير.

أود هنا أن أضرب مثالا يوضح الأمر بجلاء و هو: قبل أيام بقريب شارك أحد العلماء في حفلة الحوار، ممثلا فئة العلماء والشعب المسلمين ببنغلاديش، في حين يقذفون المسلمين بالتهم بالتطرف والتعصب والتحيز للدين، وكان عنوان الحوار"التعصب الديني وبنغلاديش". ومن الطبيعي أن المقدم في القنوات دوما بالمرصاد، يبتغي فرصة ليجرح الإسلام بالسهام النافذة، فيرمي بسؤال يشق على مسئوله الإجابة، ويتطلب ذاك السؤال جوابا إستراتيجيا ودبلوماسيا، ولكنه لم يعمل فكرته في ذلك ، بل اتخذ له سبيلا كعادته إلى القرآن والسنة والأمور الشرعية، ولم يستطع إجابة ما يقنع السائل و يشفي غلة الشعب المتدينين.

وعلى صعيد آخر قرأت في صحيفة "شوموكال اليومية" للجمعة مقابلة أجري فيها الحوار حول الجرائم السائدة في البلاد مؤخرا، فسأله المقابل عن أوجه تلك الجرائم والحوادث، فعلل الضيف المقابل لها وجوها شتى، أظنها معقولة وحقيقة، فسررت به كثيرا لبصيرته على الظروف، ولكني تألمت في نفسي قائلا: هلا أوسعت النظر إلى غير البيئة التي تعيش فيها؟ هلا أعملت فكرك في "هل هناك أي دوافع دينية"؟ مالك تنظر الأمر دائما من منظور واحد وهو العقل؟

فالتطرف الفكري يوجد في كلا الفئتين، ولا يتأتى أي حل شاف لمشكلة ما من كلا الجانبين، لذا لابد من النظر في كل شيء من حيث المادي والروحي، لأن الإسلام يقتضي ذلك؛ فإن الله تعالى رحمن في الدنيا ورحيم في الآخرة، ورحمته تعم الأرض قاطبة، وما على وجهها ينبعث منه الخير كما يتولد منه الشر، وكما أنهما من الله كذلك مما كسبت أيدي الناس أيضا، فلا مجال للإعراض عن واحد دون آخر. وكذالك علق الله تعالى العمل الصالح بالمصالح الدنيوية، والأجرة الأخروية، قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾.

أما الرسول صلى الله عليه وسلم فما بين فوائد شيء إلا جمع بين الأولى والآخرة، كما قال في السواك: "السواك مطهرة للفم و مرضاة للرب"، وقال في الصدقة: "إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء". والله تعالى جعل التفكر في خلقه صفة لأولي الألباب، قال تعالى: "ويتفكرون في خلق السموات والأرض..." ولا شك أن التفكر فيهما يقتضي أكمل التحقيق والتكشيف والتحليل، ولا يتم ذلك إلا إذا اجتمع بين المنظورين: المادي والشرعي.

فكل الحوادث والنوازل وكل القضايا والمشاكل يمكن أن يخرج لها حل كاف وشاف من خلال نظرين متكاملين وإعمال الفكر في كلا الجانبين، وهو الأجدر بالمفكر الحقيقي، وإلا سينجم عنه التطرف والتعصب لرأي النفس ممالا مراء فيه.

18/11/2020م


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •