الشيخ القاضي معتصم بالله البنغلاديشي نابغة عصره وعبقرية دهره

من أبرز علماء بنغلاديش ودعاتها ومفكريها الذين يعيشون هموم الأمة والدعوة

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم : مولانا محمد نعيم حسن (إلياس) .

أستاذ الأدب العربي بجامعة الشيخ زكريا، كاسكورا، أترا، دكا.

۞ مولـــــده ونشــــأتـــه :

قد طلع هذا النجم المتألّق في حضن " قرّة النّساء " و"مولانا سخاوت حسين " قبل مئة سنة في أسرةٍ نبيلةٍ معروفةٍ بـــــــ " أسرة القاضي" ثمَّ نشأ وترعرع في بيئةٍ دينيةٍ علميةٍ حتى أصبح علماً من الأعلام البارزين ، وأحداً من الشخصيّات الأفذاذ النابغين مما لم يكن في حسبان الحاسبين ، وبلغ قمّة النجاح والشهرة مبلغاً لا تُدانيه آمال الطامحين ، بعلمه الغزير وخلقه النبيل وسلوكه الراقي ورئاســـــــة العلم والدين وخدمة الإســــلام والمسلمين مما قدر له في لوح مقاديره من الفضل المبين ، فلا يمكن التغاضي والإغفال عن أمثال هذه الشخصية العظيمة الشأن ، فلنطلع على نتفٍ من سيرته العطرة خلال السطور التالية ...

۞ حياتــــــه الــــــدراســـــــية :

إنــــه رضع بلبان العلم من والديـــه بادئَ بدءٍ من حيــــــــاته التعليمية ، ثم التحق بعد أعوامٍ بالمدرسة الابتدائية في قريته ، ثم لم يلبث أنْ التحق بالمدرسة العالية الواقعة في " لاوري " ( إحدى مناطق منيرامبور ، جسر ) وركّز عنايته البالغة نحو طلب العلم والتحصيل إلى أن نجح بدرجةٍ فائقةٍ في مرحلة الفضيــــــلة نجاحاً باهراً ، ثم شدّ الرحال إلى دار العلوم ديوبند بالهند سنة (۱۹۵۳) للتضلع من العلوم الدينية ، والتحق بقسم الفنونات ، وقضى فيه عامين كاملين حتى ضمَّ إلى برديه ما تيسّرله من المعلومات ، ثم تخرج منها في تكميل الحديث الشريف ثمَّ لازم شيخ الإسلام حسين أحمد المدني رحمه الله وبايع على يده ، وأقبل على تزكية النفس عنده إلى أن لفظ شيخه نفَسه الأخير ، فعاد إلى وطنه وجاء إلى خليفةٍ لشيخه " مولانا تجمل على رحمه الله " ، فتوّجه بتاج الخلافة ، فقد جمع فضيلة الشيخ بين العلم والعمل معاً كما هو دأب السلف الصالحين .

۞ حيـــــــاته التـــــــــدريســـــــية :

انخرط فضيلته في سلك التدريس بالمدرسة العالية ــــ التي نشأ فيها في صباه ـــــ إثر عودته من الهند سنـــــة (۱۹۵۷) الميلادية ثم عمل مدرّساً في مدرسة بروكاترا ، داكا سنة (۱۹۵۹ ) ثم عين محدثاً في الجامعة الإمدادية كيشورغنج سنة( ۱۹٦٢ ) فقام فيها بتدريس مختلف الفنون من التفسير والحديث والفقه والعقائد والكلام وغيرها طيلة أربع سنوات مما يدل على علوّ كعبه فيها ، ثم ساهم في تأسيس الجامعة المدنية جاتراباري ، داكا مع عديدٍ من العلماء المعروفين على ما اشار عليه المحدث الجليل في الهند العلامة عبد الله الدرخستي رحمه الله .

ثم لم يزل مديراً وشيخ الحديث بها طوال ثمان سنوات متتابعات منذ تأسيسها ، ثم تولّى رئاسة تدريس الحديث بالمدرسة العالية بمومنشاهي في غرّة سنة( ۱۹۷۷ ) فقام بمسئوله الذي وسد إليه خير قيام منذ ثلاث سنين ، ثم عمل محدثا بالجامعة الحسينية أرزاباد ، داكا سنة . ثم عيّن مديراً بالجامعة الشرعية مالي باغ ، داكا . فبذل جهوده الجبارة وراء تنميتها وتطويرها حتى أصبحت جامعةً مكتملةً فائقةً ثم كلِّف فضيلته بتدريس صحيح البخاري فيها فقام بواجبه أحسن القيام ، وقد عيِّن فضيلته بعد هذا كمدرس الحديث ومديرٍ لعديدٍ من المدارس الأخرى التي يطول بذكرها البيان . وفي الختام عاد إلى الجامعة الشرعية مالي باغ وتصدى للتدريس وتولى زمام الاهتمام كمرةٍ ثانيةٍ واشتغل بشئونها عن حبٍ واخلاصٍ إلى أنْ وافاه الأجل المحتوم ...

هكذا قام فضيلته بجلائل الخدمات في عديدٍ من المدارس الدينية الشهيرة .. وبثَّ ماعنده من العلوم بين الظماء من الطلاب .. وخلَّف وراءه من الأجيال الناشئين الأكفاء الذين حولوا الأرض الجدباء إلى جنّةٍ خضراء .. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً .

۞ حياته السياسية

  كان والده المرحوم مولانا سخاوت حسين عاملاً نشيطاً لجمعية علماء الهند ومجلس الكونغرس ، فكان يذهب بولده إلى مختلف المجالس والمؤتمرات التي تقيمهما جمعية علماء الهند كحركةٍ فعّاليةٍ لعدم انقسام الهند قبل سنة 1947

بل كان آباءه وأجداده بقضهم وقضيضهم يؤيدون جمعية العلماء ومجلس الكونغرس تأييدا بالغاً ، فتمكنتْ الأفكار السياسية لقائدها المطاع مولانا حسين أحمد المدني من قلب العلامة القاضي معتصم بالله منذ صباه ، بل خالطت بلحمه ودمه وتغلغلت بأحشائه ، ثم لما حظي بصحته تأثر بأفكاره وآرائه للغاية ، فكان لا يدعم انقسام الهند ...

عني العلامة القاضي بالعمليات السياسية للجمعية مباشراً في بداية حياته العلمية

ثم عين عضواً مركزياً لجمعية آل باكستان سنة 1966 ، وانتخب عضواً للجنة الفرعية المكونة للتنظيم والتشكيل ، فرحل فضيلته من مشارق باكستان إلى مغاربها ومن اقضا البلاد إلى أقصاها لتبليغ دعوة الجمعية وتكوين كيانها في كل طور من الأطوار ...

بيد أنه أضرب عن عملية السياسة بعد استقلال بنغلاديش سنة 1971

ولكن دوره الفعالي عندما تورّط المسلمون البنغاليون في ظروفٍ قاسيةٍ ونصره المؤزر للعلماء والمشايخ إبان استقلال البلاد لا يزال أثراً خالداً وتاريخاً شاهداً بلا شك ولاريب ...

فإن العلماء لما فترت هممهم وتفتتت عزائمهم وامتلكهم الخوف والذعر في هذه الأيام العصيبة لم يلبث فضيلته أن شدَّ مئزره وطاف القرى والأرياف وجال البلدان والأقاليم وأعلن على رؤوس الأشهاد بصوتٍ جهوريٍ : أيها المسلم ! " إن كنت كسلما صادقاً لن يضرك الحكومة كنظرول تاج الدين " فما هو غير قليل حتى نشطوا ونهضوا من جديدٍ ...

ولما تولى الشيخ مجيب الرحمن رئاسة الدولة زاره فضيلته مع فداء الملة مولانا أسعد المدني ومولانا عبد الرشيد التركبغيش ، فقال المدني لرئيس الدولة أثناء الحوار :" أنك تعلم أن كثيرًا من المدارس والمساجد قد عطلت ، فعسى أن يبلغ البلاد الإسلامية أن موقفك خلاف الإسلام والمسلمين وهذا عار عليك ، فافتح من فضلك تلك المدارس والمساجد عاجلاً غير آجلٍ " فقبل عريضته وفتح ...

وقال له القاضي : أن علماء هذه البلاد لم يخالفوا الحرية والاستقلال بصفةٍ عامةٍ فأمر أتباعك أن يقلعوا من إزعاجهم وتشويشهم فأكد له أن يفعل .

۞ دوره في مجال الخطابة والوعظ والارشاد

وكان رحمه الله خطيباً بارعاً مع رسوخ قدمه في اللغة الوطنية ، فكان آحاد الناس يرشفون من سحر بيانه ، وينهلون من معين علومه إذ كان خطيباً في شتى المساجد الكبار بداكا ، كما كان له يد طولى في الخطابة في المجالات السياسية وفي المناسبات الأخرى . فقد روي على ألسن الكبار أنه خطب بمحضر من العلماء الأعلام والمشايخ العظام في ساحة تاريخية بفيني خطبةً لم يشهد لها تاريخ البنغال نظيراً ... وكذلك خطب في حفلةٍ بمومن شاهي حطبةً طويلةً تستغرق ست ساعات مما يأسر القلوب ويأخذ الألباب ...

۞ دوره في الكتابة والتأليف

إن الله سبحانه وتعالى حباه قلماً سيالاً ويراعةً حاذقةً ، فقد كتب به من التآليف الإسلامية الجمة ما بين مؤلف ومترجم ومعلق ومصحح ، وقام بتحرير طائفةٍ كبيرةٍ من الكتب الإسلامية المؤلفة في التفسير والحديث وغيرهما تحت رعاية المؤسس الإسلامي بنغلاديش

، وكان يقطر العسل من آدابه البنغالية العتيقة ، وكان حافظاً لمآتٍ من الأشعار البنغالية للقاضي" نظرول" ، " وروبندرونت " ، وله في اللغة البنغالية مؤلفات عديدة ما بين مؤلف ومترجم ..

§أما المؤلفات فمنها : • ضبط التوليد في المنظور الإسلامي • هتاف الاتحاد بين الاختلاف

• تعارف الجمعية .

وأما المترجمات فمنها : • تنوير المشكاة (وهو ترجمة كتاب الآداب من مشكاة المصابيح) ،

• ترجمة كتاب الوصايا من الهداية والتعليق عليه • أسرار المساجد .

ومن الجدير بالذكر أنه كان له براعة وافرة في اللغة الأردية بجانب المهارة في البنغالية ، فقد كسب سمعةً عظيمةً في ريعان شبابه بالخطابة والكتابة بالأردية ، فقد روي أنه كتب مقالاً حول " قضية العالم الحالية وحلولها " عندما كان يدرس في أم المدارس دار العلوم ديوبند الهند ، فأشاد بمقاله مديرها السابق قاري طيب الموقر وغيره من العلماءــ رحمهم الله ــ إشادةً بالغةً وأعطوه جائزةً فرحاً بنبوغه الباهر ...

كما أحرز صيتاً بعيداً لما خطب في حفلةٍ تابعةٍ للجمعية بلاهور خطبةً أرديةً طوال ساعةٍ إلا الربع مما أدهشت الفحول وأذهلت العقول ... وكفي بهذا فضلاً ونبلاً .

۞ أوصافه وسجاياه

مما لا يعزب عن أحد أن وراء تكوين كل شخثصيةٍ عظيمةٍ تكون من خلال جميلة وأخلاق نبيلة ، فقد كانت لهذه الشخصية الفذة أيضاً أوصاف حميدة وسجايا فاضلة مما يطول بذكرها البيان ، فنلخصها في سطور دونما أيجاز مخل وإطناب ممل :

۞ كان رحمه الله صادق اللسان بعيدا عن النفاق

۞ وكان يميل إلى السذاجة العادية

۞ وكان زاهدا في الدنيا ؛ فلا يغــــريه شيئ من زخا رفها وملذاتها

۞ وكان متصفاً بالثبات الشديد على المسلك الديـــوبندي كالطودالراسخ

۞ وكان متبعا للسنة النـــــووية ومتأسياً بالأســــــــوة الحسنة

۞ وكان عاشقاً لمــــــولانا حسين أحمد المدني بكل معنى للغاية . وكل من هذه الأوصاف يتطلب أن يكتب فيه مقال مستقل ...

۞ أســــاتـــذه

الأستاذ جوهرٌ غالٍ في حياة الإنسان وعاملٌ هامٌّ لسعادته ، فقد تلمَّذ الموصوف على أساتذة هم نوابغ الدهر وحلى العصر منهم :

• شيخ العرب والعجم شيخ الإسلام حسين أحمد المدني رحمه الله .

• شيخ الأدب والفقه العلامة إعزاز علي رحمه الله .

• شيخ المعقول والمنقول العلامة إبراهيم البلياوي رحمه الله .

• العلامة قاري طيب طيب الله ثراه .

• العلامة بشير أحمد خان رحمه الله .

• العلامة جليل أحمد الكيرانوي رحمه الله .

• فضيلة الشيخ العلامة تجمل علي رحمه الله .

• فضيلة الشيخ العلامة قمر الدين السلهتي ، وغيرهم من الأعلام الأفاضل ...

۞ تـــلامــذتـــه

وقــد تـلمَّذ عليه خلائق لايحصون منهم :

• العلامة محمود الحسن (مدير الجامعة الإسلامية دار العلوم المدنية جاتراباري داكا ) أطال الله بقاءه .

• المفتي محمد وقاص (عضوبرلمان سابقاً) متعنا الله بطول حياته .

• المفتي نور الدين (إمام وخطيب الجامع بيت المكرم سابقاً) رحمه الله .

• مولانا عبد الجبار الجهانبادي (الأمين العام لهيئة وفاق المدارس العربية بنغلاديش سابقاً) سقى الله ثراه وجعل الجنة مثواه .

• مولانا إسحاق الفريدي (مدير وشيخ الحديث بالجامعة جوهدري بارا داكا سابقاً) رحمه الله رحمةً واسعةً .

• مولانا عطاء الرحمن خان (الوزيرالسابق بـــ كيشورغنج) .

• مولانا أبو الفتح محمد يحي (المحدث المفضال بالجامعة الشرعية مالي باغ داكا ) تغمده الله بغفرانه وأسكنه بحبوحة جنانه .

• مولانا عبد المتين بن حسين الموقر (المحدث الفاضل والمرشد الكامل بالجامعة بيت العلوم دالكانغر داكا) ورّف الله علينا ظلاله .

• مولانا عبد الغفار الموقر ( شيخ الحديث بالجامعة بيت العلوم دالكا نغر داكا) أطال الله عمره .

• مولانا حمايت الدين ( الكاتب النبيل والمحدث الألمعي بالجامعة دار العلوم المدنية جاتراباري داكا) مد ظله العالي . وغيرهم من الأعلام العظام والعباقرة الأماثل ...

۞ من مــواعـــظــه

۝ لا تغتروا بمباهج الدنيا فتشتروها بالعلم والدين ..

۝ إن في تراجم الأسلاف حلولاً للقضايا التي نتعرض لها اليوم ..

۝ من ميزات الأمة الإسلامية : أنهم إذا كانت همتهم الآخرة أتتهم الدنيا راغمةً ، وإذا أقبلوا عليها تبعاً للغربين تخرج من متناول أيديهم نافرةً ، وإن ألعاقبة الوخيمة تحل بهم لزاما .

۞ من وصــايــاه

أنا ــ القاضي معتصم بالله بن سخاوت حسين الجسري ــ أوصي جميع تلامذتي ومريدي ومحبيي والمسلمين المتدينين قاطبةً ــ وأنا على يقظةٍ تامةٍ ووعيٍ صحيحٍ ــ بأنه لا يسوغ لأحد بعد مماتي أن يفسر قولي أومقالتي خلاف ما ذهب أهل السنة والجماعة أعني خلاف أفكار وعقائد المسلك الديوبندي .

وأنا أعتقد في الفرق الباطلة ــ لا سيما المودودية ــ والمبتدعين والمشركين بعين ما يعتقده العلماء الديوبندون .

وأنا محتذٍ في الفكرة السياسية والمعتقدات الأخلاقية حذو شيخ الإسلام حسين أحمد المدني رحمه الله ولا أخاف في ذلك لومة لائم ولا شتائم حاسد .

فمن نسبني إلى غير ما ذكرته فهو مردود ومرفوض ، أخيرًأ أوصي جميع تلامذتي وأحبائي والمسلمين كافةً باتباع عقائد أهل السنة والجماعة أينما كانوا وحيثما باتوا ...

تحريراً من مساء يوم السبت

25 | 6 |2020 الميلادية

4 |12 | 1441


  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •