حديثُ النفسِ : محادثة عالم متفكر وباحث علمي مع نفسه يناقشها، أبدى الكاتب خلالها ومشاعره، وأحزانه تجاه الأمة

حديثُ النفسِ : من يوميات الأستاذ صفي الله فؤاد من كتابه نظارة معلم ونظراته

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

الحلقة الثانية                           بقلم الأستاذ صفي لله فؤاد

أربابٌ من دون الله([1])

أنا الداخلِ : أخبَرَ الله سبحانه وتعالى في الآية 31 (الحاديةِ والثلاثين) من سورة التوبة : ﴿اتَّخَذُوا اَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ اَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا اُمِرُوا اِلَّا لِيَعْبُدُوا اِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا اِلَٰهَ اِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقد جاء في تفسير «مَعَالم التنزيل في تفسير القرآن» المعروف بـ«تفسير البغويّ» للإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البَغَوِيِّ المتوفى 510هـ، جاء فيه ما يلي :

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أَيْ : عُلَمَاءَهُمْ وَقُرَّاءَهُمْ، وَالْأَحْبَارُ : الْعُلَمَاءُ، وَاحِدُهَا حِبْرٌ وَحَبْرٌ، بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوا الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ، قُلْنَا : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ الله، وَاسْتَحَلُّوا مَا أَحَلُّوا وَحَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا، فَاتَّخَذُوهُمْ كَالْأَرْبَابِ.

رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لِي : «يَا عَدِيُّ! اِطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ : ﴿اتَّخَذُوا اَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ اَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، قُلْتُ لَه : إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ، فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟»، قَالَ : قُلْتُ : بَلَى، قَالَ : «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». انتَهَى النقل عن تفسير البَغَوِيّ.

قُلْ لي بعد هذا : إن الممثِّلين والنُّوَّابَ الذين يُحِلِّون ويحرِّمون في البرلمان بخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لِمَ لا يُعَدُّونَ أربابًا من دون الله؟ وإن امتثال الشعبِ تشريعاتِهم لِمَ لا يُعَدُّ عبادةً لهم؟ ولِمَ لا يُعَدُّ الشعبُ في هذه الحال مشركين؟ ثم ما حكم المصوِّتين الذين تَمَكَّنَ بتصويتهم أعضاءُ البرلمان من أن يذهبوا إلى البرلمان، وتَمَكَّنُوا به من أن يُحِلُّوا ما حرَّمه الله ورسوله وأن يحرِّموا ما أحلَّه الله ورسولُه؟

لِمَ كانت مُطَالَباتُ «صيانة الإسلام» غيرَ دُستوريَّةٍ؟

ثم إنك سألتَنِي «هل هناك شيءٌ آخَرُ؟». نَعَمْ، هناك بجَنْبِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ (أَيْ بجَنْبِ «الشعبُ مصدرُ السلطات جميعًا») شيءٌ آخَرُ، هو أن الاختيار المذكور لشعب بنغلاديشَ ليس مُطْلَقا، بل اختيارُهم مقيَّدٌ بقيدِ عدمِ مطالَبَة إقامة الدين على المُسْتَوَى الحكوميّ. ومن هنا كانت مطالَبَاتُ مسلِمِي البلاد بقيادةِ الشيخ أحمد شفيع حفظه الله وتحت لِوَاء جمعيّةِ «صيانة الإسلام» ذاتُ 13 (ثلاثَ عشرةَ) نُقْطَةً في ساحة الزَّنْبَق، كانت غيرَ دُستورية، إذ طالَبُوا إقامةَ بعض تعزيرات الإسلام وحدوده.

أنا الخارجِ : كيف لم يكن لهم حقُّ تلك المطالَبَاتِ وهم عدد هائل من الشعب؟ فإنْ رَغِب مثلُ هذا العددِ الهائل من الشعب في إقامة حدود الإسلام وتعزيراته، لِمَ لا يستطيعون أن يطالبوها فضلًا عن إقامتها؟

أنا الداخلِ : جاء في الفَقْرَة 7 (السابعة) للدُّستور ما يلي : «الشعبُ مالِكُ جميعِ سلطات الجُمْهُورِيّة، و(لكنْ) لا يُنَفَّذ تطبيقُ تلك السلطات للشعب إلا إذا كان تابعا لهذا الدُّستور».

أنا الخارجِ : أَوضِحِ الأمرَ من فضلك.

أنا الداخلِ : إنّ بنغلاديش تُدَارُ بأربعة مبادئَ أساسِيّةٍ، وهي : القَوْمِيّةُ والاشتراكيّة والعَلْمَانِيّة والدِّيمُقْرَاطِيّة، ومَبْدَأٌ من هذه المبادئ كما عرفتَ العَلْمَانِيَّةُ، وهي عبارة عن فَصْل الدِّين عن الدولة.([2]) وغَنِيٌّ عن البيان أن ثبوت حقِّ إقامة حدود الإسلام وتعزيراته معناه بقاءُ الدين في الدولة، ومِن هنا كانت مطالبة إقامة الدين في المحاكم غيرَ دُستورِيّة،([3]) أَ فَهِمتَ الآنَ؟

حذفُ «الثِّقَةُ الكاملة والإيمانُ بالله القادرِ المُطْلَق» من الدُّستور 

وأَحْكِي لك بهذه المناسَبة كيف أُدْخِلَت «العَلمانية» في دُستور بنغلاديشَ. إن الفَقْرَةَ الثامنة من الدُّستور (1-أ) كانت مشتمِلةً على عبارةِ «الثِّقَةُ الكاملة والإيمانُ بالله القادرِ المُطْلَق» وعبارةِ «الاشتراكيةُ بمعنى العدالة الاجتماعية والاقتصادية». أُزِيلَتْ هاتان العبارتان من الدُّستور في تعديله الخامسَ عشرَ، الكائنِ في 30 (الثلاثين) من شهر يُوْنِيُوْ (حَزِيران) سنة 2011م، وأُحِلَّتِ «العَلْمانِيَّةُ» مَحَلَّ الأُوْلى و«الاشتِرَاكِيَّةُ» بالمعنى الأصلِ (راجِعْ آخِرَ يومية 8 من المحرَّم) مَحَلَّ الثانيةِ. علمًا بأن العلمانية عبارة عن فَصْل الدين عن الدولة.

أنا الخارجِ : مَنْ قام بهذا التعديل؟

أنا الداخلِ : كانت في هذا العامِ (2011م) في عَرْش البلاد حكومةُ «رابِطَةِ العَوَامّ».

أنا الخارجِ : هل في كتاب الله تعالى مسؤوليةٌ لنا في هذه الحال؟

لا تَقبَلْ شيئًا لِمُجَرَّدِ قولي

أنا الداخلِ : انظُرْ مَثَلًا الآيةَ 29 (التاسعةَ والعشرين) من سورة التوبة، واستَخْرِجْ من هذه الآية وأمثالها الجوابَ أنت بنفسك، ولا تَقبل شيئًا لِمُجَرَّدِ قولي.

أنا الخارجِ : إِذَنْ كيف وَعَدَتْ رئيسة الوزراءِ الشيخة حسينة أنها لا تُعطِي فرصةَ نُفوذِ قانونٍ مخالِف للقرآن والحديث في البلاد؟ وهل بإمكانها الوَفَاءُ بمثلِ هذا الوعدِ؟

الشريعة التي يُحكَمُ بها في مَحَاكِمِ بنغلاديشَ

أنا الداخلِ : سَبَق في يومية الأربعاء 25 من ذي القعدة أن المَوْقِعَ الرَّسْمِيَّ لحكومة بنغلاديشَ ومَوْسُوعةَ «وُيْكِيبِيدِيَا» صَرِيحان كلَّ الصَّرَاحةِ بأن الشريعة التي يَحكُم بها قُضَاةُ اليومِ في محاكم بنغلاديش مُعْظَمُها نفسُ الشريعةِ التي حَكَمَ بها القُضَاةُ البِرِيطَانِيُّونَ هذه البلادَ في عَهْدِهم؛ وأن شريعة الإسلامِ، أَيْ : ما أنزَله الله تعالى من الأحكام، كما كانت مرفوضةً في عهد البِرِيطانِيِّين، هي مرفوضة في هذا العهد أيضا، والفرق إنما هو فقط في أنّ قُضَاةَ البلادِ في هذا العصر بنغلادِيشِيُّونَ، وكان قُضَاة البلاد في ذلك العصر بِرِيطانِيِّينَ. ففي بِيئة امتلاءِ محاكم بنغلاديشَ بهذا القدر من الأحكام المُخَالِفة للقرآن والحديث، كيف أمْكَنَ لرئسية الوزراء أن تقول ما قالت؟ أرى أنها لا تستطيع أن تقول مثل هذا القولِ إلا إذا اعتَبَرناها جاهِلةً بقوانينِ بنغلاديشَ، وهَيْهاتَ!

مَهْزَلَةٌ انتخابية

أنا الخارجِ : فَهِمتُ أن البلاد ما دامت عَلْمانِيَّةً، يستحيل وفاءُ رئيسةِ الوزراءِ بوعدها المذكور حتى يَلِج الجَمَلُ في سَمِّ الخِيَاط، فهل كان وَعْدُها الوعدَ المذكورَ مَهْزَلَةً انتخابية؟

أنا الداخلِ : اِستَخرِج الجوابَ أنت بنفسكَ.

هل مِنَ الممكِن الموافقةُ على أحكام الإسلام في البَرلَمَان؟

أنا الخارجِ : إِذَنْ ما مَصِيرُ الحركاتِ التي يَقودها قادَتُنا الإسلامِيُّون في هذه البلاد ليذهبوا بها إلى البَرْلَمان ويجعلوا البرلمانَ مُضْطَرًّا للموافقة على أحكام القرآن والحديث؟ أَ يَسَعُهم يومًا مّا تحقيقُ أحلامِهم في البرلمان؟

أنا الداخلِ : الفَقْرَة 148 (الثامنةُ والأربعون والمائة) للدُّستور نَصٌّ على أنه لابد لكلّ عُضْوٍ من أعضاء البرلمان بالإضافة إلى رئيس الجهمورية ورئيس الوزراء والوزراء الآخَرِين ... أن يَحلِف قبل تَوَلِّي مسؤولِيَّتِه بأنه يحافظ على هذا الدستور ويَدعَمُه ويُعطِيه الأمان.

فَقْرَاتٌ قَطْعِيَّةُ الثبوتِ وقطعيةُ الدلالةِ للدُّستور

وقد تَضَمَّنَ الدُّستور من الفَقْرَات ما يأتي (الفَقْرَة الثانيةَ عشرةَ 🙂 تنفيذًا لقانون العَلْمانية يُدفَع كلُّ أنواعِ الطائفية، وإعطاءُ دِينٍ من قِبَلِ الدولة مكانةً سياسية، وسوءُ استخدامِ الدين لغرضٍ سياسيّ، والتفاوُتُ في المعامَلة مع معتنِقِ دِينٍ خاصّ والاعتداءُ عليه.

(الفَقْرَة الثانية 🙂 «دِينُ الدولةِ للجُهورية الإسلامُ، ولكنّ الدولة تؤكِّد المرتبةَ المُسَاوِية والحقَّ المساوِيَ في امتثال الهِنْدُوسِيَّة والبُوذِيَّة والنصرانِية وغيرها من الديانات».([4]) ولا يخفى أن هذه الفَقْرَة تدل دلالةً صارخةً على أن الدُّستور لا يَرَى الإسلامَ دينًا حقًّا وحيدًا، كما لا يَرَى الهندوسِيةَ والبوذيةَ والنصرانية وغيرها من الديانات غيرَ الإسلام، لا يَرَاها باطلةً مردودة. (نعوذ بالله)

وجاء في الدُّستور كذلك في الفَقْرَة 41 (الحادية والأربعين) : «يتمتع كلُّ مُوَاطِنٍ بحقِّ اختيارِ أيِّ ديانةٍ وامتثالها ونَشْرها». ولا يخفى أن الدستور أعطى ههنا مُسْلِمي البلاد حقَّ الارتدادِ عن الإسلام، وأعطى كلَّ مُوَاطِنٍ حقَّ قبولِ أيِّ دينٍ شاؤُوه وحقَّ الدعوةِ إلى أيِّ دينٍ أرادوه. (نعوذ بالله)

الخَوْفُ على حالِف المحافَظةِ على الدستور

أنا الخارجِ : أخشَى أن يَرتَدَّ عن الإسلام مَنْ يَحلِفُ أن يحافظ على مثل هذا الدستور المتضمِّنِ فَقْرَاتٍ كفريةً([5]) صريحةً، مثلَ «العَلْمَانِيَّة» التي أُثْبِتَتْ بعد حذف عبارة «الثقةُ الكاملة والإيمانُ بالله القادرِ المُطْلَق».

أنا الداخلِ : نقلتُ في يومية الجمعة 26 من ذي الحجة أن الإمام الشيخ محمد زاهد الكوثريَّ وأمثاله من علماء الأمة رحمهم الله تعالى أَفْتَوْا بارتداد القائلين بفَصْل الدين عن الدولة الذي هي العلمانية.

نظارة معلم ونظراته للاستاذ صفي الله فؤاد


[1]. انظُرْ لِزَامًا ما في آخِر هذه اليومية تحت عنوان : «تنبيهٌ مُهِمّ» من قولنا : «وأما إن رأوا شيئا أَضَفتُه من عندي فليَحذَرُوه ولْيَحتَرِسُوا منه».

[2]. راجِعْ يومية الأربعاء 25 من ذي القعدة ويوميةَ الجمعة 26 من ذي الحجة.

[3]. للتفكُّرِ في أنّ بنغلاديشَ وأمثالَها من البُلدَان دارُ الإسلامِ أم دارُ الحرب راجِع يوميةَ الأحد 14 من ذي الحِجَّة؛ ويومية الثلاثاء 26 من صفر.

[4]. راجع يوميةَ الثلاثاء 26 من صفر.

[5]. وهي قَطْعِيَّة ثبوتًا ودلالةً كما رأيتَ.

اترك تعليقاً