في ظلّ الكعبة المشرفة

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم/ أبو هشام

كان الوقت فجرا،وكنت في المسجد الحرام...

بعد الصلاة جلست في الدور الثاني أتلو القرآن الكريم وأنظر إلى بيت الله العتيق. تصافح عيني الكعبة المشرفة، وتدور حولها حتى استقرت على الركن: الحجر الأسود، وتعلقت بالجموع المحشودة المكثّفة الملتفَّة التي تقف عنده، وتتسابق إليه تمسه وتقبله، فيزيدها إيمانا ويثيرها عشقا ومحبة لله...

هنالك أرى عيني تسيل من الدمع، وتلتقط صورا تؤثر في القلب تأثيرا بليغا، فالقلب يلين ويذوب، واللسان طاب له أن ينطق: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما وهيبة... اللهم زدني إيمانا وعشقا ومحبة لك ولرسولك واجعلني من هؤلاء العشاق العابدين، اللهم فلك الحمد ولك الشكر...

طلعت الشمس ويأخذ ضوءها يشرق، وأشعتها تنتشر في الحرم. رفعت بصري وصوَّبته نحو الشمس وضوءها وأشعتها، حتى غبت في دنيا الأوهام... كم سعدت شمس البلد الحرام!! تطلع كل صباح على أرض الحرم: على الأرض التي فضلها الله بإقلال خير الخلق أفضل البشر، والتي من أرضها سطع نور الله، فانتشر شرقا وغربا...

فيالكِ من حظ سعيد!! تنتشر أشعتك في الحرم وأرجائه، فتشمّين –رغم أنك على بعد كبير– روائح هذه الأرض المقدسة التي اغبرت فيها أقدام رسل وأنبياء وأولياء بعدد لا يحصى، وتقتبسين منها نور الله، فتتطهّرين وتتنوّرين...

فيا مَنْ حظكِ سعيد! امنحيني قبسا من ذلك النور، فيسعد به حظي وضاءت حياتي ويتزود روحي، حين لا أكون في محتضن الحرم، ولا يكون بين عيني هذا البيت وهذه الوجوه الخاشعة التي ترجو رحمة الله... غبر ما غبر من الزمن، ونزلت إلى المطاف، ولجأت في ظل بيت الله فجلست تجاه الركن اليماني لأنظر إلى بيت الله من أقرب مكان.

نظرت مرة، ثم أخرى، ثم بقيت أنظر إلى هذا البيت العظيم بدون لَفْت ولا غموض... النظر لا يشبع والقلب لا يروى، بل ويزداد ظمؤه، وتشتعل فيه شعلة الوجد والهُيام، فتحترق سوداءه.

بينما أنا جالس وأفكر وأرمق من نحو إلى نحو، إذ تصادم أذنيّ صوت بكاء، فتنبهت وصرفت من ساعتي العناية إليه، فإذا أنا بشيخ ينهار بالبكاء، يعلو من صدره الرنين كغلي الماء، ولم تزل تقطر من عينيه قطرات الدمع، هذه هي قطرات العشق والغرام، وليست إلا.

يدعو ربه تضرعا وساجدا وقائلا: " رب اغفر وارحم"...

هذا والشيخ (لن أنساه ما دمت حيا) قد أثر في قلبي بكاءه وتضرعه وخشوعه تأثيرا بليغا، فألانه وأذابه، فلم أُملِك عليّ حتى خررت ساجدا وأنا أقول: رب أسألك خير ما سألك عبدك هذا... تقبل مني ومنه...

انسلخ منا النهار وجن علينا الليل وجنح الظلام فأقيمت صلاة العشاء وأنا على المطاف فصليت بجوار بيت الله – فحمدا له وشكرا له- ثم لم ألبث إلا ريثما أؤدي الركعتين ولجت في صفوف الطائفين كقبسة العجلان، بِتُّ أطوف وأرى هل من طائف يطوف بأدب وسكينة وهدوء، وينفجر من خشية الله، فأصاحبه وأقتبس منه الخشوع والخشية...

هؤلاء ضيوف الرحمن، دعاهم ربهم إلى بيته، فهبوا يخرجون تلبية لدعوته، تاركين الأهل والديار، حاملين أنواعا مختلفة من المشاق، جمعهم الإيمان بقوته إلى ظل بيت ربهم من أطراف قاصبة، ترى فيهم قول الله –عز وجل- : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾.

كنت أحمل في قلبي رغبة جامحة وشوقا دافعا إلى الأخذ بعتبة الباب والعلاقة بها، ففي نهاية الأشواط وقفت قرب الباب، ورأيت هناك جمعا مزدحما ملتفا : يزاحم بعضهم بعضا يتسابق إليه، فمن قدر له أن يأخذ ويعلق بها يأخذ ويعلق.

وها أنا ذا ضغيف البدن كيف أتشجّع وأتجرّأ أن أتقدم على هذا الجمع الشديد القوة؟! نعم! أتجرأ إن كانت معي نصرة من الله، فسألته النصرة والتيسير وهو الميسر لكل عسير.

أتقدم نحوه خطوة فخطوة، وأترجح من شدة الزحام يَمْنة ويَسْرة،حتى غبت في هذا التزاحم والتراك... تركت نفسي في تيّار الزحام وعلِقت أنجرف، حتى دُفعت إلى الباب حتى لم يحل بيني وبين الباب إلا رجل عاشق يدعو الله بصوت باك، ويتضرع إليه بالعشق والمحبة رافعا يديه عالقا بالعتبة.

وقفت وراءه ملصقا بظهره، أنتظر متى يتخلف...

بعد جهود جبّارة ومشاق قاضّة وفقت أن أخذت بالباب وعلقت بعتبته، - فلله الحمد والشكر-.

هنالك حاقت بي حيرة ودهشة: ما أدعو وما أسأل؟ أي دعاء هنا أفضل؟ وأي سؤال خير...؟ تحريت فاندفعت أنطق عفويا: اللهم إني أسألك علما نافعا... أسألك من خير ما سألك نبيك ... اللهم ارزقني حجّا مبرورا مرارا، واجعلني على الدين وذريتي... إلا أني على أي هيئة كنت آنذاك؟ والقلب واللسان والعين كيف كانت حينذاك؟ لا أقدر أن أصف ذاك.

رجل أسير الوجد والهيام يصبح ينتظر منذ أيام طوال محبوبه الذي يحبه حبا جما، ويعلق بسواد من قلبه، ولم يكن يجري بينهما لقاء ولا كلام، فيصبر نفسه على آلام من الانتظار إلى شتى الكُلَف من طويل الفراق ... ينتظر محبوبه، فذات يوم فاجأه أن لقيه، فمسته دهشة ونسي ما يفعل...؟ القلب كأنه لا يلين، واللسان لا ينطق، والعين لا تبكي...

بذلت أقصى الجهود في أن تذرف عيني ولو دمعة، ولكن – يا أسفاه! لم يقدر لها ذلك، فتطيب وتسعد، ويا ليتها لو كانت دامعة...!

كلمت نفسي تأسية: كل من عند الله الذي قال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾. إن كان ذلك خيرا فمن الله – وله المن والفضل –، وإلا فهو من الشيطان...

اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي فاغفر لي وارحمني وأنت أرحم الراحمين.

اترك تعليقاً