أمّا بنعمة ربّي فأُحدِّث

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

توحيد حبيب

كان الوقت مساء أوّل أمس وقد خلت من ليالي ذي الحجة ثلاثة عشَر. قضى الناس صلاة المغرب آنفاً، وانتشروا في الأرض يبتغون من فضل الله، ونحن جماعةً من أبناء المدارس الأهلية والمنتمين إليها اجتمعنا في بيت أحد منا - هو رقيب الإسلام - بمناسبة دعوته إيانا إلى شرب القهوة.

وبينما كنا في الطريق إلى بيته قبل الاجتماع إذْ أثار إعجابي أخ لي كبير -هو شبير أحمد- بخبر سارّ : وضع أخونا فضيلة الشيخ حسين أحمد خطةً للاستجمام بالزورق والنزهة في بعض الأماكن يومَ الإثنين التالي، ونساهم في هذا الاستجمام نحن جميعا برغبة ونشاط، فنتمنى عِشرَتك.

يا سلام! قد ابتسم لي الحظُّ، فأجبتُ على دعوته مع غاية اشتياق قائلا : يطيب لي أن أكون في جماعة يحبّهم الله ورسوله والملائكة أجمعون. سُرَّ أخي غاية السرور بعد أن سمع رَدِّي، وأخبرني عن اكتراء زورق محرِّكيّ وما إلى ذلك من التهيأ للنّزهة والاستجمام.

ها هو ذا قد بزغ فجر اليوم الأغرُّ، فأتممتُ إعدادات السفر بسكينة ووقار. وبعد صلاة الظهر بساعة اجتمعتُ والنفَرَ عند الزورق في المورد المحدَّد، يتلألأ البِشْر في وجوهنا، كلّ في نَشاط وفرَح، فركبنا عليه. وبعد هنيئة شغّل الملّاح المُحرِّك، فإذَا الزورق يندفع إلى الأمام بسرعة، وقلنا : «بسم الله مَجريها ومُرساها إن ربي لغفور رحيم».

أولًا اتجهنا إلى إحدى الجزائر الخضراء البهيجة في وسَط النهر، الزورق يمخُر النهر الفيّاض، والطبيعة في هُدُوْءٍ واطْمِئْنان، إلا أنّ السماء كانت عَبوسة، ورغمَ ذلك نحنُ في فرح وسرور. وفي الطريق إلى الجزيرة كنا في النهر حَوَالَيْ ساعة ونصْف، حتى وصلنا إليها، فنزلنا وتجوّلنا نمتّع أنفسنا بمناظرها : هذه أشجار خضراء كثيرة، وتلك مناظر غابيّة خلابة، وهنالك أرياف شاطئية بعيدة، ثم عُدْنا إلى الزورق في الجانب الآخر للجزيرة.

ومن ثمّةَ تمّ نقلنا إلى مورد يسمى "مورد ميغنا" وقد تناولنا الغَداء على سطح النهر قاصدين إليه، متمتّعين بجمال النهر وبيئته وطقسه، ومستنشقين النسيم العليل. فلما وصل الزورق إلى الشاطئ رأيناه مزدحما بالناس المترفين، إذَ قرَع أسماعنا نداءُ العصر، فأدينا الصلاة في مسجدٍ هناك في الجماعة يؤمّنا الشيخ حسين أحمد. ووقتَ قيامنا بالوضوء على الشاطئ وقعت حادثة : كان صغير عالم معنا يتوضأ، ونحن نُحذّره من زلق الشاطئ، فلم يتنبّه، فسقط في النهر على حين غفلة منه، وأيقن بالشّرّ، فبادر أخونا الأكبر فضيلة الشيخ طيّب الرحمن إلى الماء وأنقذه من الغرق، فاستحق منا خالص الشكر و الامتنان، وأما أنا فكنت بمرأى من هذا المنظر، فشاهدت في عينيه خوف الغرق وخوف الموت.

ثم توجَّهنا إلى مصيرنا الأخير، وهو الجسر بين القُرى ومدينة "نرسندي"، قد تمّ بناؤه في أمدٍ قريب، وما هو إلا وقت يسير حتى وقع من الشعب موقعا حسَنا، قدمنا هناك والشمس تستعدّ لتُقَبِّل مغربها، فكان منظرا رائعا لا سبيل للاستغناء عنه، وأنا أردّد في نفسي : «فتبارك الله أحسن الخالقين». وبعد أن رسَا الزورق نزلنا، فوجدنا الجسر يُشاهِد صامتًا صورا مؤسفة : يخالط الذكور الإناث، ويجرون من هنا إلى هناك والأيادي مصافحات، ويلتقِطون معا صورا بأشكال بدنِيّة مختلفة، وفي بعض الأماكن يسبَح صوت الغناء من الحوانيت المتنقلة، وما إلى ذلك من السيئات التي أعوذ بالله منها ومن الشيطان الرجيم، وأدركتُ "إلى أين تسعى بنغلاديش؟".

هنا أنى وقت المغرب، فطفق المنادي ينادي للصلاة، فجمعَتنا في الزورق مطالبة الرجوع إلى المنزل، فتيمّمنا الدار والشمس بأشعتها الحمراء معها الطبيعة ببهائها وروائها ومُناخها والكائنات بمناظرها البهيجة الرائعة تودّعنا وداعَ الأهل العروسَ. أدينا المغرب على الزورق وهو يشُقّ المياه بقوة في الليل المُقمر، وكنا في السفر ذهابا وإيابا أينما نُوَلِّ فثمّ روعة أرض الله تعالى، حتى وصلنا إلى المنزل قُبيل أن أُذّن للعشاء.

من صفَحات اليوميات

لـ١٥ خلون من ذي الحجة سنة ١٤٣٩هـ

الموافق ٢٧ من ( آب ) أغسطس عام ٢٠١٨م

يوم الإثنين

اترك تعليقاً