ليلة القدر فضلها وأعمالها

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

إنّ من سنن الله -تعالى- في الكون أن يختار ما يُريد، ومن ذلك أنّه اختار من الأشهر كلّها شهر رمضان المبارك، ومن بين أيّامه العشر الأواخر منه، وخصّ ليلةً منه بفضلٍ ومنزلةٍ عظيمةٍ، وهي ليلة القدر، ومن الجدير بالذكر أنّه لم يُعلم وقتها بالتحديد.

وقد كان للعلماء في ذلك أكثر من أربعين قولٍ مختلفٍ، ويُعزى ذلك إلى اختلاف الأحاديث الواردة عن الرسول محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- حول وقتها، وكذلك تباين آثار الصحابة -رضي الله عنها- حول موعدها على وجه التحديد، وإنّ الخير يكمن في عدم معرفة وقتها بالتحديد؛ فذلك مدعاةٌ للإنسان بأن يجتهد في العشر الأوخر كلّها، فالصادق هو الذي يتعب في عشر ليالٍ ليُدرك فضل وأجر ليلةٍ واحدةٍ، والمُتقاعس هو من يتثاقل عن ذلك، ويرغب في معرفة اليوم الوحيد الذي يجدر به الاجتهاد فيه في أداء العبادة، وعليه فإنّ من يجتهد في العشر كاملةً ينال الأجر العظيم، فالأجر يزداد بزيادة العمل.

أمّا بالنسبة لتسميتها بليلة القدر فيرجع ذلك إلى عدّة أسباب، أولها أنّ الله -عزّ وجلّ- قدّر فيها أرزاق العباد وأقدارهم لعامٍ قادمٍ، وممّا يدلّ على ذلك قول الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).

وثانيها أنّ الله -عزّ وجلّ- أنزل فيها القرآن العظيم، وهو أعظم الكتب منزلةً وقدراً، وثالثها أنّ الله -تعالى- أعدّ لمُحييها على الوجه الذي يرضاه رفعة القدر والسعادة.

ومن أفضال هذه الليلة:

1- ليلة نزول القرآن

أنزل الله تعالى القرآن ليلة القدر، فهي الليلة المباركة التي قال الله عز وجل عنها : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة } (الدخان : 3 ) وهي ليلة القدر ، وهي من شهر رمضان ، كما قال تعالى : {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ( البقرة : 185)، وفقا لما جاء في تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

قال ابن عباس وغيره : أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- ليلة خير من ألف شهر

هذه اللية العظيمة هي ليلة خير من ألف شهر، يقول الله تعالى في سورة القدر (أية: 3): {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وبخصوص هذه الأية قال ابن جرير: "قال بعضهم معنى ذلك العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير من العمل في غيرها ألف شهر"، وعن مجاهد قال: "عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر"، وقال عمرو بن قيس الملائي: "عمل فيها خير من عمل ألف شهر".

3- ليلة تتنزل فيها الملائكة

يقول الله تعالى في سورة القدر (أية: 4 ): {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}، أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها – وفقا لما ذكره ابن كثير في تفسيره- فالملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة ، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له ، وأما الروح فقيل : المراد به هاهنا جبريل عليه السلام.

4- ليلة سلام وخير وبركة

يقول الله تعالى في نفس السورة السابق ذكرها (أية: 5): {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، عن مجاهد في قوله: "سَلامٌ هِيَ"، قال: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى. قال ابن الجوزي: وفي معنى السلام قولان: أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء ولا يُرسَل فيها شيطان، قاله مجاهد، والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة، وكان بعض العلماء يقول: الوقف على "سَلامٌ"، على معنى تنزُّل الملائكة بالسلام.

5- ليلة يُغفر فيها الذنوب

من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه". قال النووي: معنى (إيمانا): تصديقا بأنّه حق، مقتصد فضيلته، ومعنى (احتسابا): أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص، والمراد بالقيام: صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها.

6- ليلة يكتب فيها الأقدار والآجال والأرزاق

هي ليلة يكتب فيها الأقدار والآجال والأرزاق لذلك سميت ليلة القدر، قال الإمام النووي : " قال العلماء: وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة كقوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم}، وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ}، ومعناه: يظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعاطيه وتقديره له، وفقل لما جاء في (شرح مسلم للنووي - كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر ).

ما يُستحبّ فعله ليلة القدر

يجدر بالمسلم الحرص على تحرّي ليلة القدر، والقيام بما سُنّ فيها من أعمالٍ ابتغاء وجه الله تعالى؛ حتى ينال الأجر العظيم، ومن الأمور التي يُستحبّ فعلها ليلة القدر:
الأول: القيامُ
يُشرَعُ في هذه الليلةِ الشَّريفةِ قيامُ لَيلِها بالصَّلاةِ.
الدَّليل منَ السُّنَّة:
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ومن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقَدَّمَ مِن ذَنبِه)).

الثاني : الاعتكاف
يُشرَعُ في ليلةِ القَدرِ الاعتكافُ؛ فقد كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعتَكِفُ في العَشْرِ الأواخِرِ؛ التماسًا لِلَيلةِ القَدْرِ.
الدَّليل منَ السُّنَّة:
عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من كان اعتكَفَ معي، فلْيعتكِفِ العَشرَ الأواخِرَ، وقد أُريتُ هذه الليلةَ ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ مِن صَبيحَتِها فالتَمِسوها في العَشرِ الأواخِرِ، والتَمِسوها في كُلِّ وِترٍ)).

الثالث : الدُّعاء
يُشرَعُ الدُّعاءُ فيها والتقَرُّبُ به إلى اللهِ تبارك وتعالى.
الدَّليل منَ السُّنَّة:
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القَدرِ، ما أقولُ فيها؟ قال: قُولي: اللَّهُمَّ، إنِكَّ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي)).

الرابع : العَمَلُ الصَّالِحُ
قال الله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
قال كثيرٌ مِنَ المُفَسِّرينَ: أي: العَمَلُ فيها خيرٌ مِنَ العَمَلِ في ألفِ شَهرٍ، ليس فيها ليلةُ القَدْرِ؛ ففي تلك الليلةِ يُقسَمُ الخيرُ الكثيرُ الذي لا يُوجَدُ مِثلُه في ألفِ شَهرٍ.

إيقاظ الأهل للصلاة :

فقد صحّ عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان يجتهد في أداء العبادات، ويسهر للطاعة، ويُوقظ أهله للصلاة، وقد رغّب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يُوقظ أحد الزوجين الآخر للصلاة والتهجّد، حتى وإن لزم الأمر نضح الماء على الوجه.

أداء الصلوات المفروضة في المساجد :

وإنّ أقلّ ما في ذلك أداء صلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الفجر في المساجد جماعةً.



اترك تعليقاً