من تعاليم العيد…استئصال الخصومة وتوطيد العيد وعدم موافقة غير المسليمن

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

يعتبر العيد يوم من الفرح والسرور الذي يعم على الصغار والكبار على حد سواء فإنّ الله تعالى يحبّ أن تظهر نعمته على العبد عن طريق اللباس الجديد الأنيق، وتناول ألذّ المؤكولات دون التبذير، فقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: "(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)

وشرعت الأعياد في الإسلام لحكم سامية ولمقاصد عالية، فالعيد شرع لشكر الله تعالى على نعمه التي ينعم بها على الناس، وهو فرصة للفرح ولتقوية الروابط الاجتماعية، وهناك سنن وآداب وصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاحتفال بالأعياد.

فالأعياد في الإسلام شرعت لحكم سامية ولأغراض نبيلة منها:

أن تكون فرصة للترويج عن النفس من هموم الحياة.

وشرعت الأعياد أيضا لتكون فرصة لتوطيد العلاقات الاجتماعية ونشر المودة والرحمة بين المسلمين.

وشرعت الأعياد لكي نشكر الله تعالى على تمام نعمته وفضله وتوفيقه لنا على إتمام العبادات.

وتختلف عن الأعياد في غير الإسلام، ففي الإسلام ارتبطت الأعياد بأداء الفرائض وتكون فرحة العيد بالتوفيق في أداء الفريضة فالذين يصومون لهم الحق أن يفرحوا بالعيد لأنهم أدوا فريضة الصوم والذين يحجون لهم أيضا أن يفرحوا لأنهم أدوا فريضة الحج.

وربط العيد بأداء الواجب هو معنى سام يختلف عن المناسبات الدنيوية، فالإسلام ربط فرحة العيد بالتوفيق في أداء الفرائض؛ ولذلك فإن العيد يعتبر من شعائر العبادة في الإسلام، والتمسك بصحيح الدين والاهتمام بالمعنى الجوهري للإسلام والبعد عن السطحية وتدعيم أواصر التعاون والتكافل بين أبناء المجتمع الواحد حتى نستطيع الخروج من المأزق الذي نمر به ويتحقق ذلك بالعودة إلى الإسلامالصحيح والتصالح مع الله سبحانه وتعالى.

لم تشرع الأعياد في الإسلام من أجل الفرح المجرد وإنما شرعت لكي تستكمل حلقة البر في المجتمع الإسلامي، فإذا كان البر في الأيام العادية عادة فردية ففي أيام الأعياد يصبح البر قضية اجتماعية لقول النبي صلى الله عليه وسلم مطالباً الأغنياء بألا يتركوا الفقراء لفقرهم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» [انظر إرواء الغليل 3/ 334].

ويحمل العيد هدايا المحبة والتسامح والتصافح، ليطرق بتلك القيم أبواب القلوب والعقول ويقف مع كل روح، ويهمس في طياتها بما يسر لتهدأ به كل نفس، ففي هذه الأيام تتسع روح الجوار بالحوار، وتتآلف القلوب بالسؤال عن الحال والأحوال، ويتجدد فيه الاتصال بالتواصل، فهي فرصة للمتخاصمين والمتنازعين لقلب صفحة المشاحنات.

يعد العيد فرصة لعودة المياه إلى مجاريها بين الأهل والأصحاب والأقارب، إلى ذلك، تقول أمل النعيمي «لا أعتقد أن الإنسان المسلم بحاجة إلى انتظار العيد ليجدد علاقاته بين الجميع، فالمحبة يجب أن تكون بوصلتنا دائما لاستمرار حياتنا مع الآخرين. في الوقت الحالي وضمن واقع الحال الذي يعلق الجميع عليه شماعة التقصير مع الآخرين، مثل الوقت والانشغالات والكثير، وما هي إلا أعذار واهية للهروب من المحاسبة الذاتية».

تجديد العلاقات

تقول ابتسام الحداد «العيد فرصة يجب أن ننتهزها لتجديد علاقاتنا الاجتماعية للتواصل مع الأصدقاء والأقارب وصلة الرحم بالمصافحة أو المعانقة وتبادل التهاني والوقوف مع الذات لترميم الأخطاء، وأن نفتح صفحة جديده مع النفس أولا والعزم على عدم الوقوع في نفس الأخطاء ثانيا».

وتضيف «يجب أن نتسامح مع الآخرين ونستقبل العيد بقلوب عامرة بحب الناس وحب الخير لهم فيجب أن نبادر بسلوك إيجابي لكسر الحواجز بكلمة طيبة نهنئ بها من نحب بالعيد السعيد أو ابتسامة ننقي بها ما علق في نفوسنا من عتب أو غضب جراء موقف جرح مشاعرنا صدر من صديق أو قريب وفي كثير من الأحيان تكون بدون قصد الإساءة، فبسبب سوء التفاهم قد تحصل القطيعة والهجر فلا تكلمه ولا تصافحه فيأتي العيد كمناسبة للاتصال واستدراك ما حصل من جفاء وقسوة فحلاوة العيد هي بتجمع القلوب، وفرصة للشعور بالسلام الداخلي».

فرحة العيد

وتؤكد أمينة إبراهيم «فرحة العيد تتسلل إلى قلب كل صغير وكبير، فتنزاح تلك الجبال الجاثمة على الصدور، ما إن يطرق العيد الباب حتى يستقبل بكل حفاوة وترحيب، ونجد أثره واضحا على الوجوه؛ فالعلاقات الأسرية تذيب الخلافات بين الناس، وتبددها بحيث تتعاضد فيه النفوس». وتضيف «العيد ينشر التسامح بين المسلمين، ففيه تعقد المؤتمرات الأسرية لأن الكل يجتمع تحت مظلة واحدة وعلى تبادل الأحاديث الودية وإثراء المناقشة بين الأفراد، فتنجلي تلك المنغصات فيكون للتواصل، إنما هو طريق لرضا الخالق جل جلاله».

يقول أحمد العناب «في عيد الأضحى فرص عظيمة يجب أن يستثمرها المسلم في بر الوالدين وصلة الأرحام ورأب صدع الأسر وإصلاح ذات البين، وإعادة معنى السكن للحياة الزوجية المتعثرة، وإزالة كل وساوس الشيطان وتصفية القلوب المتخاصمة، كما أن فيه فرصة لتوطيد العلاقات بين المسلمين، حيث يزرع في قلوبهم المودة والرحمة، ويربيها على حب الخير للآخرين، ويدرّبها على معالجة المشكلات الاجتماعية». وتتابع «لا ينبغي أن تمر أيام العيد كما تمر غيرها من الأيام، وإنما ينبغي أن نقف عندها وقفة صادقة متأملة، نراجع فيها أنفسنا وضمائرنا وتصرفاتنا. ولعيد الأضحى مذاق خاص فلا يكتمل هذا المذاق إلا بالتسامح والرحمة والإحساس الراقي ببعضنا البعض وبث روح المؤازرة، والاستعداد للخير وطيبة العمل؛ فأيام العيد ليس فيها مكان للشحناء والبغضاء، بل هي أيام ود وحب وعفو وصفح، وهو ليس احتفالا فرديا، بل هو فرح الأمة جميعا».

وتبين العناب «جاءت الشريعة مؤكدة أن يكون الفرح والابتهاج للجميع، بداية بأحق الناس وهما الوالدان، وانتهاءً بغيرهما ممن تربطنا بهم علاقة رحم أو صداقة أو جيرة، والدليل على ذلك ما جاء به الهدي النبوي من توزيع لحم الأضاحي على الفقراء والمساكين يوم العيد؛ وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث كيما تسعكم، فقد جاء الله تعالى بالخير فكلوا، وادخروا، واتجروا، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى»، مؤكدة أنه «لن يتمكن أيُّ نظام في العالم من توفير الطعام بهذا الشمول والتكامل للفقراء كما تحققه الشريعة الإسلامية».

مقومات أخلاقية

لعيد الأضحى مقومات أخلاقية واجتماعية على كل مسلم التقيد بها للوصول إلى أعلى مراتب الرسالة السامية التي خلق لأجلها الإنسان، وهي عبادة الله واستخلافه في الأرض وإقامة العدل ونشر الخير والفضيلة. إلى ذلك، تقول حسن أحمد «شرع الله لنا عيدين لإظهار الفرح والسرور وصلة الأقارب ولقاء الأصدقاء بما فيه من التماسك والتقارب الاجتماعي ونبذ التخاصم والتهاجر الذي يضر بهذا النسيج المجتمعي الصحي وفي هذه المناسبات فرصة لنسيان أخطاء من أساء إلينا بأن نبادره أو يبادرنا بالمصالحة. وقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم «لا يحل لامرئ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال». وتنفيذا لوصية المصطفى صلى الله عليه وسلم «تهادوا تحابوا» فما أعظم هذا الدين الذي شرع لنا هذه الأعياد والمناسبات لنفتح صفحة جديدة للتسامح واستئصال شأفة الخصومة».

وتقول ميرة قاسم «للعيد بهجة تلتقي بمن تربطك صلة رحمهم فقط لم يعد التواصل الاجتماعي ذو مكانة كالسابق ربما حلت مكانها رسائل البلاك بيري وما شابهها، وبعد فظ لقاء الأهل تجلس أمام شاشة التلفاز أو الفيس بوك أو المقهى وهكذا أصبح للعيد بهجة إلكترونية على الرغم من حرصنا الشديد على تعليم أولادنا تعاليم أصول استقبال العيد وسنته وربما عرجنا لتعليمهم صنع الكعك وفرحته ونحن بعيدين كل البعد عن لونه ورائحته».

ومن تعاليم العيد عدم موافقة غير المسلمين في أعيادهم، إذ أنه دليل على ذوبان المسلم وفقدان هويته وضياع شخصيته، وقد أراد له رسوله صلى الله عليه وسلم أن تكون له شخصية متفردة متميزة عن غيره من أهل الملل والنحل، كما أن موافقتهم تكون من البدع المحدثة في ديننا، ولا شك أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن البدع صغيرها وكبيرها قليلها وكثيرها فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»([1]) فانظر إلى كلمة سُنَّة جاءت نكرة؛ لتدل على أى سُنَّة مهما كانت وليست في الإسلام.

وقد كان من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن وقوع مثل هذا في أمته فقال صلى الله عليه وسلم: «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَال:َ فَمَنْ؟!»([2])، و قال أيضًا: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَأْخُذَ أُمَّتِي مَا أَخَذَ الأُمَمَ وَالْقُرُونَ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ قَالَ: وَهَلْ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟» ([3]).

والتشبُّهُ بهؤلاء قد يوجب اللعنة من الله، فقد قال عنهم: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة60] وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»([4]) فلينظر المسلم بمن يتشبَّه، أيتشبه بالصحابة والسلف الصالح وخيار الناس أم يتشبه بالكفار والمنافقين والفسقة من أبناء الأمة؟!.

فأعياد غير المسلمين مَنْهِيٌّ عن مشابهتهم فيها بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، فمن الكتاب ما تأوله غير واحد من التابعين في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان72] فذكر مجاهد, والربيع بن أنس أنه أعياد المشركين، وكذا محمد بن سيرين وعكرمة بمعناه.

فقد سمَّاها الله زورًا لِمَا فيها من التحسين والتمويه؛ حتى تظهر بخلاف ما هى عليه في الحقيقة, وقد مدح ترك شهودها وهو الحضور برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذى هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟!

وقد يظن بعض الناس أن موافقتهم في أعيادهم فيها من التوسعة على العيال, أو اكتساب الناس في البيع والشراء، وفي الظن الأول جهل بالشريعة، والثانى جهل بالعقيدة، فإن الله عندما نهى المسلمين عن السماح للمشركين بالاقتراب من المسجد الحرام في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة 28] وفي هذا تضييع لمصالح الدنيا من التجارة وتبادل السلع، إلا أن الله عقَّب ذلك بقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة27] فالغنى الحقيقى من الله تعالى، وليس الغنى بسبب غير مشروع -وهو أعياد الكفار- جائز، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.

اترك تعليقاً