ذكريات الصبا التي لا أزال أحفظها

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم : سماحة المفتي الشيخ محمد تقي العثماني

المترجم : معصوم بالله غلزار ، أستاذ اللغة العربية بمركز الدراسة الإسلامية داكا

أبصرت الدنيا في الخامس من شهر شوال سنة 1362هـ ، وهذا التاريخ كان كتبه الوالد الموقر في إحدى يومياته ، كان المعتاد آنذاك أن يُحفظ التاريخُ بحسب التقويم القمري ، فلم يحفظ أبي – رحمه الله – سوى التاريخ الهجري ، وبالتالي قارنت ذاك التقويم بالتقويم الإنجلزي فوجدت النتيجة خرجتْ 3 أكتوبر سنة 1943م.

هناك قصة عُجابٌ فاجأتْ يومَ وُلدتُ، سمعت القصة من أفواه أمي المحترمة وإخوتي السادة وأخواتي السيدات أجمعين ، والقصة تقول : لما أضجعتُ بعد الولادة على الفراش، وقعت علي حية من سقف البيت، فما لبثتْ أن أزاحها الحاضرون عن الفراش ثم قتلها وإن لم تدفع الحية وقتئذٍ لكان هذا العالم في نجوة من رجلٍ مثلي ، ولم أكن كلا على ظهر الأرض.

على كل ، ولدت في ديوبند ولكن لم تسنح لي الفرصة بأن أمكث هناك زمنا طويلا ، فقد مضى من عمري هناك 7 أشهر و4 سنوات فحسب ، ( من 3 أكتوبر سنة 1943م إلى مايو سنة 1948م ) قضيت فيها أوقاتا من الصبا لا يشعر فيها الأطفال بما سوى اللهو واللعب ، ثم لما يكبر هؤلاء الأطفال شيئا فشيئا يبدأ نسيان الماضي رويدا رويدا حتى يتمثَّل في آخر الأمر نسيا منسيا، بالرغم من ذلك لا أزال أحفظ من ماضي الأيام كثيرا ما يتجلى أمام عيني حتى اليوم ، وها أنا أقدم بين أيديكم نبذا مما غبر من حياتي ومما سلف عن عمري.

تلك أيام قد خلت من قبل ، لم يكن فيها في بيوتات ديوبند مصباح كهربائي ، ولا مروحة إلكترونية ، ولا يتواجد فيها أنبوب المياه أو تنور الغاز والزيت، فكان الناس يوقدون الشمعة أو ما شابهها بدل المصباح الإلكتروني ، وكثيرا ما يستخدم الناس برميل التراب أو جرة الصفر لجمع المياه، أما أهل القرى النائية فكانوا يستخدمون السقاة كي يملؤوا الجرة أو البرميل ماءً ، فهؤلاء السقاة كانوا يحملون المياه إلى بيوت الناس في أوعية من الجلد.

أما إذا كانت المنطقة راقية نسبيا فكان أهلوها يحفرون الآبار الأنبوبية ثم ينالون الماء باستخدامها ومن المعلوم أن أوعية المياه إنما تُملأ من مثل هذه الآبار بتحريك بتحريك مقابضها بكل شدَّة وقوة ، هنالك تحصل للناس فائدة أخرى بجانب الحصول على الماء ألا وهي الرياضة البدنية ، كان تحريك المقابض بالقوة يعني عن رياضة أعضاء البدن كلها لا عن اليدين فحسب.

وبما أن عمري لم يكن يلائم تلك الرياضة كان فرحي آنذاك في أن أرى الناس يحركون المقابض ، وربما تكون في البيوتات طاسة (قارورة طويلة العنق ) لشرب المياه ، وبالرغم من حرارة الطقس يكون الماء في هذه القارورة بردا وسلاما ، وبما أنها لم تكن مروحة كهربائية في ذلك العهد فكان الناس يستخدمون مروحة اليد،هكذا الناس عندئذ يعيشون عيشة قاسية ، ونحن اليوم لا نزال كل يوم في إحداث جديد وفي إيجاد متنوع ولكن كلما تنقطع الكهرباء حينا بعد حين نتذكر تلك المروحة اليدوية بشدة.

كان الحر يشتد في شهر مايو ويونيو أكثر من الأيام الأخرى من السنة فكان السقاة ينضحون الماء على الأرض لتتبرَّد شيئا ، ثم هناك تُنزع المروحةُ من الأعلى إلى الأسفل فتنبعث من الأرض رائحة رقيقة تسر القلوب ، وتهز الأفئدة ، وبهذا تحصل البرودة الممكن حصولها.

كنت أضطجع مع أمي في موسم الصيف في فناء الدار على سرير الحبال فكان لايحول بيني وبين السماء المتلألئة نجومه ستر من الغاز أو البترول ولا يتغيب نورُ أصغرِ النجوم لأجل الأنوار الصناعية ، طالما كنت أرى بياض النور الذي ينقشع من بروج السماء ونجومها ، وكنا – نحن الأطفال – نعتقد بأن هذه طرق السماء العالية ، التي تستعملها ملائكة الرحمن في ذهابهم وإيابهم ، كنت على هذه الحال أتصور تصوري الذي أتصور وكان يذهب بي الخيال إلى كل مذهبه حتى يغشاني النوم فكنت أصير من هذا العالم إلى عالم آخر.

يتمنى الفؤاد أن أفتتح هذه الذكريات بشيء من قصص الصبا وذكرياتها ، ولكن قبل ذلك لا بد لي من أن أذكر هنا نبذا من التعرف على أفراد الأسرة الذين كانوا آنذاك.

اترك تعليقاً