حنان أبي عندما كنت صغيرا

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم : سماحة المفتي محمد تقي العثماني

الترجمة : معصوم بالله غلزار

إذ ذاك أنا طفل صغير ، لم يكن بإمكاني أن أدرك مدى علوم الوالد المحترم وأشغاله ، (في الحقيقة لم أبلغ حتى اليوم درجة إدراك ذاك) إلا أنه لا غرابة أن أقول إنه كان المقرَّ الرئيسي لحبي وحناني في عالمي الصغير آنذاك، ما أحد من إخوتي الكبار إلا وقد ذاقوا منه ألم الزجر والتهديد حتى أنهم ربما كابدوا الضرب والخبط ، ولكن نصيبي لم يكن منه سوى المودَّدة والشفقة ، ذات مرة رحلت مع أمي إلى الأخ الكبير تجاه "لاهور" ، عندئذ كتب أبي في رسالةٍ إلى أخي

"يشق لي مرور الأيام بدون محمد تقي – سلَّمه –"

لاأزال أحفظ من قصص أبي إحدىها عندما كنا بديوبند، ذات مرة سافر هو لبعض حوائجه إلى "مَدراس " ، في الحقيقة كان غيابه لهذه المدة – ولو كانت قصيرة المدى – بلاء صبري وابتلاء اصطباري وبالتالي قد حصلت على منفعة أخرى بدلَ ذلك الغياب ـ

كان في السفر ولم يرجع بعد إذ بلغنا أنه سيرجع من سفره في وقت قريب فأراد إخواني أن يذهبوا إلى محطة القطار يستقبلوه ، آنذاك أصررتهم مرارا لأصاحبهم في هذا الذهاب فلم يرضوا به في بداية الأمر ، ثم لما بلغ الإصرار أوجَه نزلوا عند رغبتي وصاحبوني ، وكان يهدف الذهاب على الأصل إلى استقبال الوالد وترحيبه ، إلا أنه كان يحوي في طياته طُرفتين أخريين ـ

طرفة تمثلت في شكل الركوب على عربة الخيل ،إذ كان لا بد للوصول إلى محطة القطار من تلك العربة ، وكان في قريتنا وقتئذٍ هندوسيّ يسوق العربة ، يُدعى باسم "فاغو" وكان من الضروري للوكوب على عربته من حجزها قبل السفر بأيام ، وقلما يتيسر لنا السفر بها ، إذ الذهاب إلى موضع قريب كان يتمُّ مشيا على الأقدام ثم إلى موضع أبعد منه بقليل بالركوب على التحتروان مع الأم ، فقلَّما كان يتيسَّر لنا السفر إلى موضع نحتاج فيه إلى العربة ، فنحن – الأطفال – كنا لانزال نتمنى الركوب على عربة الخيل ـ

زد إلى ذلك متعة أخرى تشكلت في زيارة محطة القطار إذ أنها لم تكن أقل من المنتزه وموضع التسلية ولم يكن بإمكاننا أن نذهب إليها إلا في مثل هذا الظرف ، فكان السفر إلى محطة القطار مما يتسبب في الفرح والسرور ثم زادته عربة الخيل شدةً في ابتهاجنا وكثرةً في ابتهارنا ـ

إلا أنه فاجئني وقت الرحال ما فاجئني حتى لم يتيسر لي الذهاب ولاأزال أتذكر تلك القصة على مر الأيام وكر الأعصار ، اندلعت النار بيدي مما أسفر عن المكث في البيت لأجل أن يعالجني الطبيب ، فلم أوفق للذهاب معهم إلى المحطة رغم توفر كل ما نحتاج إليه للوصول فصار هذا المكث في مثل هذا الوقت يزيد في أحزاني وأشجاني شدتها ، إلا أني تلقيت بعد هذه المفاجأة المرة من النضرة والسرور ما لم ولن أنساه على عبث الدهر به ، قدم أبي من السفر فما دخل البيت أن طلبني وناداني باسمي وسرعان ما تم وصوله إلى مضجعي حتى حملني على حجره وقبلني بكل حبه ومودته، رأيت ذلك اليوم في ضوء الفنار من لحيته الكثيفة المسودة وآثار وجهه المتلألأة ما ملأ قلبي نضرة وسرورا وارتسمت صورته المتلألأة في ذاكرتي بحيث لاأزال أتذكره حتى اليوم في مثل هذا المشيب ! رحمه الله رحمة واسعة وجعل فسيح جناته مثواه !

اترك تعليقاً