الشيخ العبقري الخطيب عبيد الحق رحمه الله البنغلاديشي 1928-2007

كان من الذين شرَّق صِيتُهم وغرَّب في البلاد، واعترف بفضلهم القاصي والداني، وأثنى عليهم السابقون واللاحقون والمحْدَثون إلى يومنا هذا في بنغلاديش، فصارت له الريادة في الأوساط العلمية وبين طبقات العلماء في عصره

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

قبس من حياة الخطيب عبيد الحق رحمه الله، الخطيب بالجامع الوطني بيت المكرم

كان الشيخ عبيد الحق ممن جمع بين الريادة الفقهية والنزعة الصوفية الروحية، اتسم بالذكاء وسعة الأفق وإعمال العقل وشدة التبصر، مع شجاعة الرأي وكان لا يخاف في الله لومة لائم، فكان يصرخ بالحق على وجوه الزعماء، فكان فقيها وصوفيا وشجاعا، وصاحب العلم الوافر والعقل الناضج والبصيرة الواعية والفكر الراشد، وكان من الذين شرَّق صِيتُهم وغرَّب، واعترف بفضلهم القاصي والداني، وأثنى عليهم السابقون واللاحقون والمحْدَثون إلى يومنا هذا، فصارت له الريادة في الأوساط العلمية وبين طبقات العلماء في عصره، وأصبح واحدا من علماء الإسلام تشرق صفحات التاريخ بذكرهم. فمن هو الشيخ عبيد الحق وأهم آثاره؟ وما ملامح حياته وعبقريته؟

ولادته ونسبه

ولد عبيد الحق يوم الجمعة 2 مايو 1928 في قرية "بارتاكوري" التقليدية ، على بعد حوالي 72 كم من مدينة سيلهيت تحت مركز شرطة زاكي غانج في مقاطعة سيلهيت في حضانة مولانا ظهور الحق هو والد الخطيب مولانا عبيد الحق.

حصل على أعلى درجة من الحديث من دار العلوم ديوبند أزهر الهند عام 19947م وفي العام التالي تشرف بالحصول على الإجازة في مجال الإحسان والتزكية من حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي رحمهما الله.

وكانت البيجوم عائشة والدة الخطيب مولانا عبيد الحق، وكانت امرأة واعية للغاية فاضلة ، ذات أثر حسن في أقرانها، و الفقيد رحمه الله الثاني من بين ثلاثة أشقاء، وهم : (1) مولانا أحمد الحق، بائع الكتب وكان لديه مكتبة تدعى "أشرفية كتب خانا" لفترة طويلة قبل الاستقلال في زندابازار سيلهت، (2) مولانا عبد الحق، كان بعد تقاعده كشيخ أقدم في المدرسة العالية دكا لفترة طويلة، أصبح الآن مدرسًا للحديث في مدرسة كويتي.

وكان الفقيد رحمه الله لديه أربع شقيقات - أمة الله ، وسعيدة ، وعبيدة ، وحميدة.

الحياة المبكرة والتعليم

بعد أن ولد الشيخ عبيد الحق يوم الجمعة 2 مايو 1223 في قرية "بارتاكوري" التقليدية ، تلقى التعليم الابتدائي من تلاوة القرآن وغيره في بيته، ثم درس الفارسية وبعضا من كتب النحو والصرف في مدرسة غونغ غادي لدى مولانا شمس الحق، حيث قضى عامين في هذه المدرسة.

ثم ذهب إلى هابيغانج وتلمذ على الشيخ مولانا مدثر أحمد ومولانا مثير علي وكلاهما حصلا على الشهادات من كبار علماء دار العلوم ديوبند، ودرس الشيخ هناك شهورا.

ثم عاد إلى قريته والتحق بالمدرسة القومية بياني بازار المجاورة، أسسها والده، ودرس هناك لمدة عامين.

وفي عام 1942 التحق بدار العلوم ديوبند وتلقى التفسير والحديث من الشيخ السيد حسين أحمد المدني والشيخ محمد إلياس كاندهلوي، ودرس هناك من مرحلة الثانوية إلى مرحلة التكميل (دورة الحديث/ ماجستير)، وحصل على أعلى درجة من الحديث من دار العلوم ديوبند أزهر الهند عام 1335هـ وفي العام التالي 1336هـ تشرف بالحصول على الإجازة في مجال الإحسان والتزكية على يد حكيم الأمة مولانا أشرف علي التهانوي رحمهما الله.

حياته العملية :

وبعد أن قضى وطره من في دار العلوم ديوبند، انضم مدرسا في الجامعة الحسينية أشرف العلوم بروكتره دكا بطلب من الشيخ حضرة مولانا عبد الوهاب بيرجي حضور، وبعد ثلاث سنوات من التدريس ذهب إلى دار العلوم ديوبند للقاء السيد مولانا سيد حسين أحمد المدني ومولانا إعزاز علي وأساتذته الآخرين، وهنا أرسله الشيخ إعزاز على للتدريس في مدرسة في شاهجانبور في ولاية أوتار براديش بالهند، وبعد أزمنة غير مديدة أرسله الشيخ إعزاز على إلى الشيخ المفتي الأعظم شفيع رحمه الله للتدريس في جامعة دار العلوم كراتشي بباكستان.

ولم يمض على ذلك كبير أمد حتى أرسل المفتي محمد شفيع شيخنا عبيد الحق وزميلَه الشيخ أطهر علي زعيم الحزب الإسلامي في باكستان إلى دكا بإذن في مهمة سياسية، وفي إطار ذلك تمت دعوة مولانا عبيد الحق للانضمام إلى منصب في المدرسة العالية دكا.

وانظم إلى المدرسة العالية في دكا مدرسا بإذن من أستاذه مولانا السيد حسين أحمد المدني عام 1945، وترقى من نصب المدرس المساعد تدريجيا إلى محاضر ومساعد الشيخ ثم إلى الشيخ الرئيس، وفيلثاني من مايو عام 1985 تقاعد الخطيب مولانا عبيد الحق من منصبه في المدرسة العالية.

ثم شغل منصب شيخ الحديث في كثير من الجامعات القومية في العاصمة وغيرها ودرس الصحيح للإمام البخاري، بما فيها جامعة إمداد العلوم فريدآباد، والجامعة الإسلامية فتية شيتاغونغ، والجامعة قاسم العلوم سلهيت، كما شغل منصب المشير الأعلى لعدة جامعات في شرق البلاد وغربها.

تعيينه إماما وخطيبا في الجامع الوطني

وفي عام 1984 تم تولى منصب الإمام والخطيب للجامع الوطني ببنغلاديش بيت المكرم، وبقي يشغل هذا المنصب العظيم حتى استأثرته رحمة الله عام 2007م، فكان أطول خطيب في الجامع بيت المكرم، ومن هنا قد لقب بـ"الخطيب" واشتهر بذلك في بنغلاديش.

وفي عام 2001 أُجبر على التقاعد من قبل حكومة رابطة عوامي آنذاك، ثم طلب عريضة قضائية نقضت قرار الحكومة.

دوره في الحفاظ على هوية الإسلام في البلاد وقمع البدع والخرافات

لعب الشيخ عبيد الله الخطيب دوراً قوياً ضد المؤامرات الأصلية والأجنبية ضد مصالح الإسلام والبلد والأمة، وقام بدور قيادي في الحفاظ على هوية الإسلام في البلاد وقمع البدع والخرافات، وعلى الرغم من أنه كان موظفا حكوميا فقد احتج بشدة على أنشطة الحكومة المعادية للإسلام، فكان لايخاف في الله لومة لائم، وكان جريئا في الدفاع عن الحق.

التحريض على مكافحة الإرهاب

في مؤتمر عُقد في 1 أبريل 2005 ، نظمته جمعية علماء الإسلام في ميدان بالتان في دكا ، أعلن مع علماء الإسلام البارزين في الهند وباكستان وبنغلاديش فتوى تدين الإرهاب.

في وقت لاحق من ذلك العام ، بعد سلسلة من التفجيرات في بنغلاديش ، قاد الآلاف من المصلين والناشطين السياسيين في صلاة ومظاهرة حاشدة تندد بالإرهاب، وأعلن أن أولئك الذين كانوا يقتلون الناس بالقنابل، هم أعداء الإسلام والناس أيضًا.

آراؤه ونظرياته

في عام 1994 أعرب عن قلقه إزاء الدعم المتنامي للممارسات غير العادلة للمبشرين المسيحيين من قبل المنظمات غير الحكومية والتعاطف معهم من قبل الأحزاب السياسية اليسارية في بنغلاديش.

وفي 21 مارس 2003 ، قاد مسيرة كبيرة مناهضة للحرب احتجاجًا على غزو العراق مع الشيخ المفتي فضل الحق أميني، حيث قال محذرا: ستحتل الولايات المتحدة جميع دول الشرق الأوسط الغنية بالنفط والبلدان الإسلامية ، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والكويت، تدريجياً.

وفي عام 2005 في أعقاب سلسلة التفجيرات التي قامت بها جماعة المجاهدين المزعومة المحظورة في بنغلاديش (JMB) قاد الاحتجاجات ضد الإرهاب، وقال : الإسلام يحظر التفجيرات الانتحارية في عموم الأوقات، وهؤلاء المفجرون هم أعداء الإسلام، فمن واجب جميع المسلمين الوقوف ضد أولئك الذين يقتلون الناس باسم الإسلام.

كتبه وآثاره

هناك العديد من الكتب التي تم نشرها من تصنيفات الخطيب رحمه الله

(1) سيرة مصطفى (الأردية في الأصل) هو مكتوب عن حياة وشخصية النبي الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم).

(2) تسهيل كافية ابن حاجب (باللغة الأردية) كتاب عن قواعد اللغة العربية.

(3) الأزهر الأزهر شرح نور الأنوار في أصول الفقه (باللغة الأردية).

(4) نصر الفوائد في شرح العقائد النسفية في علم الكلام (باللغة الأردية).

(5) السقاية شرح "شرح الوقاية" في الفقه الحنفي (باللغة الأردية).

(6) اختلاف الشيعة وأهل السنة والجماعة، في الفرق بين عقائد الفريقين (باللغة الأردية).

(7) الطريق إلى فهم القرآن، (باللغة البنغالية).

(8) القرآن الحكيم وحياتنا، مجموعة سلسلة محاضرات تم بثها في الإذاعة الباكستانية، ونشرت في قت متأخر على صورة الكتاب مترجمة باللغة البنغالية.

صفاته

ومن الوضوح جدا أن الأمر الذي ساعد على بلوغ الخطيب عبيد الحق هذه المكانة، وجعله يتبوَّأ هذه المنزلة هو ما يُعبَّر عنه في أيامنا هذه بالاستعداد الفطري والموهبة؛ فقد حباه الله سبحانه بصفات نادرة كما عبر بها من صاحبه وجالسه، منها:

* أنَّه كان يتمتع بذاكرة نادرة، وحافظة لاقطة.

* كما وهبه الله ذكاء نادرًا؛ كما يشهد له تلاميذه بذلك.

* كما تميَّز بصبرٍ ودَأَبٍ نادرين في طلب العلم والبحث؛ فمع أنَّه أقعد للتدريس مبكرًا، إلَّا أنَّ ذلك لم يشغله عن البحث والدرس.

* التواضع ومع التواضع، كان حرَّ الرأي والضمير.

* كذلك رزقه الله رقة القلب والخشوع كما هو مشهود ملموس.

رحلته إلى الدار الآخرة

بعد حياة حافلة بالإنجازات الدينية والخدمات الإسلامية انتقل رحمه الله تعالى إلى رحمة ربه الواسعة في 6 من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2007.

رحمه الله رحمة واسعة، وأنزل عليه شآبيب رحمته، وأسكنه فسيح جناجنه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين!

اترك تعليقاً