الشيخ سراج الإسلام (بروحضور) البنغلاديشي 1873-2006م

عظيم من عظماء الإسلام في بنغلاديش وأساطين العلماء وسلاطينهم

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

أعجب بالأيَّام من أنها تُداول بين الناس!.....

ترى يوما يرديهم رداء العزَّة والكبرياء ويأتيهم بحياة السعادة والبهجة ديانةً وخلقا، ثقافةً وحضارة كما يؤديهم إلى نجاح وفلاح.

وياليوم آخر! تراه ينـزع عنهم ذلك الرداء ويضرب عليهم الذلَّة والمسكنة، ويدفعهم إلى الانحلال والتدهور ديانة وخلقا، فيقضون حياة الخلاعة والمعصية.

فيا صديق! يمشي بنا التاريخ إلى زمن كانت ضئلت فيه عزَّة مسلمي الهند وكبرياء هم، بما كانوا انحطوا كثيرا ديانة وخلقا، وتفرقت صفوفهم فخرجت هيبتهم عن قلوب أعدائهم فتسلطوا عليهم –المسلمين-.

وفي ذلك الحين شاع بعامة في مجتمعهم البدع والخرافات، وكثر سجاد القبور وماإلى ذلك... وبخاَصة ظهر فيهم فِتَن جديدة، ومنها الفتنة القاديانية والبر يلوية اللتان جابتا كثيرا من المدِن والقرٰى.

أفعرفت زمن الإنحطاط هذا ؟

....من القرن التاسع عشر إلىٰ منتصف العشرين الذي شهد احتلالَ الإنجليز الهندَ وتسلطهم علىٰ المسلمين...

وكان المسلمون في الهند حينئِذٍ في حاجة شديدة إلىٰ رجالِ يقودونهم إلىٰ استرجَاع مجدهم وحريتهم السابقة، ويُنقذونهم من مخالب هذه الذلة والمسكنة... وفي هذا الزمن الزامن بعث الله رجالًا جاهدوا في سبيل الله، وأعلوا كلمته في الأطراف، وهدوا الأمة إلى سبيل الرشاد، فأعادوا مجدهم السالف، ودعوهم إلى ترك البدع والشرك والمعاصي.

ومن هؤلاء الرجال الشيخ سراج الإسلام الذي أفنىٰ حياته في سبيل الله، وفي هداية الناس إلى الحق وبناء مجتمعهم على الطراز الإسلامي، وفي استرجاع عزتهم السابقة.... وماأدراك ماسراج الإسلام؟

عظيم من عظماء الإسلام، رجل من رجال المسلمين، كان في سيرته وصنَائِعه مثل مضروب لما ينبغي أن يكون عليه العلام الحبر الربَّاني (وماأكثر من لاتعرف سيرهم من عظماء الإسلام ورجال المسلمين!)

سيرته عظيمة تشكل حلقاتها معا سير عيون العلماء السَابقين في نشر العلم والدين وقمع البدع والشرك كأمثال عزالدين بن عبد السلام والشاطبي والمحدث الدهلوي؛ وسيرَ المشائخ المزكين العاملين كأمثال قطب الدين والرومي والغزالي.

شيخ كان فقيهًا: فقيه النفس, كان له في الشريعة النظر الواسع الملم بأصولها وفروعها؛ شيخ خلا من شهوات البطن ومن شهوات النفس الغريزة، وشهوة المجدوالجاه، بيد أنه هانت عليه الدنيا- ولم يطلب لنفسه شيئا منها- فجاءه منها كل شيئ: المجدوالجاه والمنـزلة...

كريم وقور، لاتنجب البلاد مثلَه إلا آحادا؛ رجل من رجال التقى والهدى فكان يتقي الله في كل صغير وكبير من أموره- فجعل الله له مخرجاً... (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)، رجل من رجال الزهد، فكان لايحب عيشة التباهي والروعة: عشية أهل الدثور في أيَّامنا؛ عاش عيشة البساطة والسذاجة. ياصديقي! أتريد أن ترتع في حياته النافحة...؟ فهيأ بنا إلى سطور تالية تلقي ضوءً على نبذة من حياته.

***

أفسمعت حديث قرية "دَشْ دُوْنَا" التي شهدت ميلاد الشيخ سراج الإسلام؟

هي قرية جامعة واقفة بركن من "بنسَارام بور" بمحافظة برهمن باريا. كانت تسكن فيها أسرة مسلمة معظمة عند الناس؛ ظلت تقضي أيامهَا وشهورها ولكن لاتنجب ولدًا يسرها؛ فتحزن وتصبر وتسأل الله. فإذا يوم طلع عليها بالسعَادة، حيث بشّرها ببشرى عظيمة: ميلاد نجل كريم؛ فسُرت الأسرة سرورا.

ولد النجل وسرذووه سرورا، وأخذوا يدعونه "بسِراج الإسلام" متطلعين إلى أن يجعل الله سراجا وهّاجا للإسلام والمسلمين. وُلد في جوِّديني يهتم بأداء الواجبات الدينية، فإنه كان تحت إشراف أبي النجل محمد عبد المجيد الذي كان عالما تقيًّا، فيربيه بتربية الإسلام.

***

جعل ينشأ في حضانة أمه ورعَايتهَا، فيطمئن إلى حنانها... ولكن لم تطل عليه حضانة أمه فإنها انتقلت بعد أيام إلى رحمة الله؛ فالتجأ إلى حضانة أبيه، فجعل أبوه يحنّ عليه حنان الأم ويربيه ويقضي له مَا يحتاج إليه من المصالح والمرافق... بعد ما غبر من الزمن أصيب أبوه عبد المجيد بمرض شديد، فظل يعالجه حتى جاء أمر الله برحيله إلى الدارالآخرة!

صار الولد سراج الإسلام يتيماً لا أب له ولا أم، فأين يأوي الآن ويطمئن؟ ومن ذا يحتضنه ويتكفل؟... أمر شديد نزل عليه ولم يجاوز العقد الأول من عمره!

وصار يعالج مرارة الحياة وهو في مستهل حياته.!

ففي الأخير كفله جدُّه العجوز، وجعل يربيه بالحب والود ويزوده بتعاليم الإسلام.

***

مر الفتى سراج الإسلام في حياته الدراسية بمراحل شتى: مرحلة تبثه الشوق وتهدي إليه مرتفقات الدراسة وتشق له طريقا سهلاً إلى حصولها؛ ومرحلة أخرى تأتيه بأوضاع مخالفة، تقف في سبيل دراسته عائقةً لايُتصور ممرُّهَا، حتى كان يرى أحيانا أنه سدت عليه السبيل من كل جوانبه، وأنه مدفوع إلى زحام من الأحزان الشاغلة إياه ليلا ونهارا، يُعالج فيها شتى النوائب والنوازل: وفاة أمه، ووفاة أبيه وجدِّه- الذين كانوا يربونه، ويسدون حوائجه-، وفُقدان من يكفله ومن يساعده وما إلىٰ ذلك من النوائب....

قد ورث فقرأسرته التي كانت شربت منذ قديمٍ جَامَ الفقر والفاقة, وهذا الفقر يقرع بابه كل وقت، لا يتخلف عنه لحين، فيؤذيه كثيرا، فيوماً يجوع ويصبر، ويوماً يشبع ويشكر؛ فكيف تمضي أيَّامه بسرف وترف؟ وكيف تدور عجلة دراسته مستمرةً وقد يُحتاج في استمرارها إلى أشياءٍ كثيرة؟ وأنى له هذه وهو يتيم صغير، لايستطيع كد اليمين وعرق الجبين.

ولكن كان يشجعه رغبته الملحة وشوقه الغريز في تلقي العلم أن يصبر على هذه المصائب وأن يقتحم هذه العقبات، وأن يُواصل الدراسةَ بدُون اكتئاب وانكماَش؛ فلم يتخلف عن الدراسة ولم يتقاعد عنهَا.

ياصديقي! هذه الأحوال مماكانت في بكرة عمره! وإنك إذا مشيت إلى شبابه وإلى حياته الدراسية في دارالعلوم ديوبند، لترى عجبا.


***

كان الفتى سراج الإسلام ظمأن العلم ومتلهفًا بشوق عميق بان يدرس في أزهر الهند دارالعلوم ديوبند، لاقتناء العلم على مستوى جَامعي أعلى، فيحاول بأقصىٰ مَا يستطيع أن يرحل إليها مع أن الظروف لاتتيح له فرصة الرحيل، ولاتهيئ له الأهب والعُدد.

هنالك وسع الله له رحمته، حتى جهَّزه إلى غايته المنشودة: إلىٰ دارالعلوم ديوبند؛ إن العبد إذا يجتهد مع الإخلاص ويحمل الهممَ العالية تنـزل عليه الرحمة وتنكشف عنه الموانع- رغم كون ظروفه مخالفة-، فيهون عليه الوصول إلى المقصد.

***

التجأ إلى جوّ علمي وديني، يحتضن أساطين العلمَاء والفنيين، مع سلاطينهم في ساحة التزكية والإحسَان، فطابت به له الحياة، فشد مئزه في بلوغ آماله: الدراسة العليا، وتلقي العلوم عن الأفذاذ المتخصصين وتزكية النفس بتعاليمهم...

أصاب جزءاً جسيمًا من الاعتناء بهَا، وتفرغ لهَا تفرغًا، فكان لا يتذاكر ولايتحَادث أحدا إلا عن الدراسة، ولا يفكر ولاينشغل إلا بالقراءة والكتابة.

فكم كان أكثر الانشغال بالعلم وأحكم المثابرة في تحصيله!

وإليك موقفا من مثابرته:

كانت تُرسل إليه من قبل امرأته (كان رحل إلىٰ ديوبند لطلب العلم بعد النكاح) وأقاربه خطابات مُهمة للتخبير والتفقد، فيستلمها إذا بلغته ولكن تظهر في جبينه مخَايلُ العبس والسأم بدل أن تظهر آثار السرور، ولايفضّ هذه الخطابات، فضلاً عن القراءة والاطلاع على مَا فيهَا، بل يضعهَا تحت فراشه، فإنه كان يخاف على نفسه أن يتأثر بالأخبار التي تحملهَا هذه الخطابات، فيُسرّ بما يحمل البشرى ويحزن بما يحمل المأسَاة فينـزعج كثيرا، فلا يفتح الخطابات ولا يقرأهاَ للتخلص عن هذا الوضع الوضيع.

فمَا أزيد تفرغه للعلم! وما أفرد انشغاله به!

هنا تسألني ياقارئ- أنه لم يقرأ هذه الخطابات فيما بعدُ أيضاً؟

نعم، قرأها بعدُ، ومع قرائتهَا قصَّة، فاستمع لهاَ فإنهَا عجيبَة:

تخرج في دارالعلوم ديوبند وانطلق إلىٰ مسقط رأسه. ينشرالعلم فيه ويبلغ الدين الخالص، فركب سفينة تمرببيتِه، وحمل مع أجهزته وعُدده تلك الخطابات التي يتركها تحت الفراش، فأراد في الطريق أن يقرأها، فأخذ يفتح الخطابات ويقرأ، ولكن في وجهه تَارة تظهر ملامحُ البشر، ولعل ذلك عند مَاصافحت عيناه بشرًى، كميلاد طفل، ونكاح قريب.... وتارة أخرٰى يبدو على جبينه آثار العبس، والدموع تنصب من عينيه ولعله ذلك حينمَا تصادمت عيناه نبأَمأسَاةٍ كوفاة قريب ومرض أحدٍ ومَا إلى ذلك.

وبينما كان سراج الإسلام على حاله هذا، إذ بلغت السفينة قرية أبي زوجته وأُرسيت بموردها، فظل الناس ينـزلون من السفينة، ولكن ليس لسراج الإسلام شعور بذلك، بل كان في ذلك الحين مشغولا بأن يدعو الله للأقارب والموتٰى بالمغفرة في تضرع وانتحابٍ...

فما أروع هذه القصة! لقد كانت مثلا مضروبًا لجيل بعد جيل من طلبة العلم.


***

تشرف سراج الإسلام بالتلمذة على عيون المشائخ الأفذاذ، على رأسهم شيخ الإسلام مرجع الهند رئيس جميعة علمَاء الهند حسين أحمد المدني. والشيخ إبراهيم البلياوى المعروف بإمام المعقولات، وشيخ الأدب محمد إعزاز علي، والشيخ غلام رسول خان، والشيخ عبد السميع- رحمهم الله تعالٰى-.

فتخرَّج سراج الإسلام في دارالعلوم ديوبند على أيدى هؤلاء البرزة وهم راضون عنه، شاهدون له بالكفَاءة.

***

فد بلغ من إصابته قدحًا معلًى من العلوم الشرعية ومن التضلع منها وتحلية نفسه بتعاليم الإسلام أن يشير إليه الناس بالبنان قائلين: رجل علامة كبير شيخ مفضال حبر من الأحبار...

رجع إلى منبت شعوبه وظل يهدى الناس إلىٰ الحق ويعلمهم الدين، ويدعوهم الٰى التمسك بالسنة، وما هوإلاقليل حتى ذاعت في الناس سمعته ونشاطاته هذه.

وفي هذا الحين رأى القَائمون على الجامعة الإسلامية اليونسية أن يعينوا الشيخَ سراج الإسلام مدرسًا فيها لترقيتهَا في كل مجالٍ، فعرضوا عليه هذا الاقتراح، فرحّب بذلك الشيخُ سراج الإسلام وقبله؛ فإنه كان منذ قديم صمَّم أنه يجعل التعليم والتدريس في المدارس والمؤسسات الدينية الأهلية شغله الشاغل، ومن ذا كان يلتمس مؤسسة دينية أهلية تتيح له هذه الفرصة، والجامعة أعطته تلك الفرصة، فاغتنمها الشيخ واستخدمها جدًّا فنشرمنها العلم في الآفاق، ودبر منها أمور رسالته؛ قضى جزء الأسد من حياته -نحو خمسة وسبعين عاما- بالتدريس في الجامعة وبخدمتها.

استقر فيها هذا الزمن الطويل ولم يقصد في فترة منها أي مكان وأي مؤسسة ليتحصَّن بها مغادرًا لهذه الجامعة، رغم علاجه فيها شتى الأزمات.... ورغم ما وُضع أمام عينيه كثير من مرافق الحياة !

فكم أقوى استقامته وكم أخلص دينه وكم أحب الجامعة!

***

دخلت انا من بوابة الجامعة رحابها (هذا الموقف الذي أقص عليك الآن مما يدور بيني وبينه) وظللت أقلب عيني من مكانٍ إلىٰ آخر، إلىٰ مبناها فقرت، وإلىٰ مكتبها فابتهجت، وإلىٰ عصبةٍ من كبار المدرسين فاشتقت إلٰى لقائهم والتذكربهم، فإذا عيني بحلقة للعلم في مسجد الجامع للجامعة، فعلقت بها، فتقدمتُ خطوات في إعجاب، فوجدت نفسي بجانب شيخ وقور، جالس في وسط الحلقة، فأُعجبت كثيرا، وبُث في فؤادي فرح وسرورٌ، فعلَّقت به عيني، فظهرلي في وجهه نور يسطع، والصلاح منه يشع، والبسمة في ثغره تبرق، ما يشهد له بقبوله عند الله وتقرّبه منه؛ صوَّبت سمعي إليه وهو يلقي على الحلقة المحَاضرةَ في حديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، وأمَامه كتاب عظيم: "كتاب الصحيح للإمَام البخارى".

يحاضرهم، وكم أحسن وأجاد محَاضرته!! يعرض عليهم تحاليل مشاكل الصحيح ومَعاضله، ولاتسألني عن جودة وحسن عرضه! يلقي الكلمات بصوت الشابّ الموفور، على الرغم من إصَابته غاية المشيب! وأهل الحلقة يستمعون إليه وينصتون كأن على رؤوسهم الطيور!!

والشيخ ظل يدرِّس هذا الكتاب "الصحيح للبخاري" منذ سبعة وثلاثين عاماً، منذ رحل فخر البنغَال إلىٰ لقَاء ربه ذي الجلال عام 1967، وبالإضافة إلى ذلك قام بأمر الرئاسة لهذه الجامعة زهَاء ثلثين عاما، فكان يراقب شؤونها كلها، ويفكرفي تطويرهَا ويجتهد في تنسيقهَا -مع بلوغه مأة ونيفا من عمره- إلىٰ ان أصبح على باب القبر.

***

وكان من دأب السلف أن يجتمعوا بالعلمَاء العاملين والصالحين المصلحين ليستفيدوا وليتلقوا منهم مَا يُتلقى... بغية تزكية أنفسهم عن سيئ الأخلاق، وعمَّا يحول بينهم وبين ربهم، فانطلاقا من دأبهم هذا صحب الشيخُ سراج الإسلام عددًا من العُلماء العَاملين المصلحين، ولاسيَّما صحب الشيخَ المصلح الداعية الكبير المربي دلاور حسين الفنوَّي، وقصده للتلقى عنه دروس الإحسَان والإخلاصِ.

بات الشيخ- سراج الإسلام- يحلي نفسه بما لقي من شيخه من التعاليم، ويجتهد في ذلك اجتهادا بليغا مما جعل شيخه أن يفضله بالخلافة وأن يشهد له بالصلاح والكفاءة.

***

تضلع من العلوم وتخصص في تفسير القرآن الكريم وعلومه، فيفسِّرالقرآن الكريم ويبين حِكَمه ويستخرج جواهر ولطائف من نظمه بشأن عجيب؛ لذا يأتيه الناس من بعيد ليأخذوا عنه علم تفسيرالقرآن الكريم ، كما يعقدون في مختلف الأماكن حلقات وحفلاتٍ تفسيرية في مختلف الفترات من العَام، لكي يستفيد من بيانه كلُ اُناس بشكل عَام.

ولاَغرو، أن هذه الحلقات التفسيرية قدنالت شهرة في طول البلاد وعرضها، فيأتيهَا الناس من كل فج عميق.

وكان من عَادته أن لايساهم ولا يخطب في حفلة ولامؤتمر عُقد بخارج برهمن باريَا، ولكن مع ذلك كان الناس يطلبون إليه مصرين أن يشرِّفهم بقبول منصب الخطيب الأعظم في الحفلات التي عقد وهَا في خَارج برهمن باريا، فكان الشيخ يأبى ويصر على الإباء ويعتذر إليهم الضعفَ والعيَّ.

فماذا أغراه على هذاالصنيع الذي كان يصنعه كثير من السلف؟... قصد هضمَ نفسه، وإخفاءها عن أعين الناس وتجنبَ الشهرة، كان يرى أن له في إخباء نفسه خيرا، ولقد أحدث في ذلك أحداثا، ونحن نأتيك بواحد منهَا:

إن "لجنة السيرة الوطنية" تنتخب كلَ عام رجلا من عظماء الإسلام في بنغلاديش، وتدفع إليه "الميدالية الذهبية" على شخصيته العظمٰى ونشاطاته وخدمَاته المثلى. فتنتخب من كان أعلى درجة، وأعظم فكرًا، وأكثر نفعًا وخدمة للإسلام والمسلمين، فعَام 2002م تواطأ القَائمون عليها- اللجنة- على عظمة شخصية الشيخ سراج الإسلام، وكثرة خدماته، وعقدوا في "داكا" بمناسبة دفع الميدالية الذهبية حفلةً ترحب بهذه الشخصية ترحيبًا وتقدرهَا تقديرًا، فطلبوا إلى الشيخ وألحُّوا في حضوره فيهَا ليأخذ الميدالية وينصح للحضور فيهَا، ولكن الشيخ لم يرض بالحضور فيها واعتذر إليهم، فرجعوا ودفعو إليه الميدالية بعدُ في منـزله.

هل رأيت إخفاء نفسه عن أعين الناس؟!

تخفى وتواضع لله فرفعه الله، وإن من تواضع لله رفعه الله.

***

دعَا الناس إلى الدين الحق والتمسك بالكتاب والسنة وهجر الشرك والبدع وتجديد إيمَانهم وجعله كإيماَن الصحَابة... واجتهد فيهم فأصلح عددا كبيرا وزكى نفوسًا كثيرة وهذب أخلاق عدد لايحصٰى، فصَار مرجعَا وحيدا للعلمَاء والصالحين في برهمن باريَا وضواحيهَا، وكانوا يقدرونه حق التقدير، ويكنون له في صدورهم حبًا جمّا، ويلوذون بظله، حتى صَاروا لايطمئنون إلا إليه، ولا يستشيرون في مهَمات أمورهم إلا إيَاه، وكادوا يفدونه أنفسهم وأموالهم.

كان للشيخ سلطان عجيب على الكل، حتى على رجال الحكومة وأهل الحل والعقد في البلاد، فيهَا بُونَه هيبة حتى لا يجترؤون على التكلم أمَامه فضلا عن الجدال والمعارضة.

يَا سيدي! إذا أردت أن تعرف من أين جائته هذه الهيبة في الصدور، وهذه الجلالة في النفوس، وهذه المكانة لدى الناس، فاعلم أنهَا مَاجَاءت إلا من الإخلاص لله، وخشيته له، وعبَادته إياه. إن من خَاف الله، خَافه كل شيئ، ومن معه الله فالخلق كلهم معه، ومن أطاب مأكله ومشربه استجَاب الله دعَاءه.

***

فاق الأقران وامتازعنهم بكثير: بالعلم واللب، والتقى والورع والزهد، والصبر والقناعة... ومن أكبرمَا يمتازبه الفطانة والظرافة، فكان لا يصنع صنيعَا، ولايتحدث حديثا إلا بعد مَا فكر؛ وكذاالصمت والسكوت، فكان لا ينطق إلا بما ينفع ولا يتحدث عن الدنيا كأنما هي لاقيمة لهَا عنده؛ والنظرُ إلىٰ نفسه لا إلىٰ غيره، فينظر إلىٰ عيبه لا إلى عيب الآخر،فلا يلمز ولا يغتاب أحدا. ولا يسمع ذلك أبدا، بل ينصح عند مَا يسمع أحدًا يغتاب.

يحب الأساتذة والطلاب للجَامعة جميعَا، وكلَّ من تحت رعَايته بدون تفضيل بعض على بعض، ولا يقف أبدا من الحباء والتحيز، فيحكم على كل بما يستحقه. إن الحباء أمر مستنكر ربما يؤدي المؤسَّسـات والمجتمعَات إلى الانحطاط والتدهور، فلنترك هذا الأمر من كل وجهٍ.

كان يعتني بالحمية اعتناء، فلا يتناول إلا قدرمَا يسد مجاعه، ولايزيد على ذلك ولو كان المطعوم والمشروب أشهى وألذّ؛ وبفضل هذه الحمية لم يُصَب حتى الموت بمرض شديد إلا ضعف المشيب. الإكثار من الأكل والشرب مضرّ للصحة، قال ابن سينا: "المعدة بيت الأدواء" فمن تجنب الإكثار أمن من جُلّ الأمراض.

ولاغرو أن الشيخ ربما كان لا يحتاج إلى المأكل والمشرب، فإنه كان جُعل قوته ذكر الله، بمَا كان يذكره في كل أحيَانه، فيُطعمه ربه ويسقيه.

***

كان زاهدا في الدُنيا وتاركا سرف وترفها كله، فلم يشته قط معيشة الملوك، ولا معيشة مُتْرفي اليوم- رغم مَاسقطت الدنيا تحت أقدامه-، بل اختار معيشة الأغرار والسَاذجين.

يَاقارئ! إليك حديثا يظهرك على شأنه في ترك ترف الدنيا وزخرفهَا:

((كان يذهب ويأتى من بيته إلى الجامعة كل يوم راكبا على عربة "ركشا"- مركب محلي ذو ثلاث عجلات لايركبه أهل الطبقة الاُولىٰ-، وكان يواظب على ركوبه رغم مَا يتألم من ركوبه، ورغم مَالم يأمن به من حَادثة المرور، فاتفق أسَاتذة الجَامعة على تعيين سَيَّارة تذهب به وتجيئ، ولكن الشيخ سراج الإسلام لم يوافقهم على ذلك وردّهم وقال لهم بصوت يحسّ منه أثر الألم: إن كان الأمر ينتهي إلى ذلك، لاأحضر الجامعة ولا أشتهي...

فكم رزق من البسَاطة، وترك الأتراف!!

***

أخلص دينه لله وشغل وقته في ذكره، فكُتب في زمرة الصَادقين المخلصين؛ لعب بأدوار وخدمَات تحفظ الناس عن الانحطاط علما ودينا، فكُتب مع الشاهدين الخادمين للإسلام والمسلمين، ومع الناصرين لله (فنصره الله، وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)

أَسَّسَ الشيخ كثيرا من المدارس والمؤسَّسَات التعليمية الدينية في شتى الأماكن لتحقيق رسالته الرئيسية: نشر العلم والدين وإثارة وعي الإيمان في قلوب المسلمين، وهبِّ ريحه في مجرى حياتهم...

أسَّس الشيخ ببهَادوغر- ضاحية من ضواحي برهمن باريَا- مدرسة دينية تنشر العلم على نهج المدارس الأهلية الأخرىٰ في بنغلاديش، وتهدي النَاس إلى الحق، وتنشر السنة في مجتمعهم. ولم تكن إلا أيام حتى أصبحت هذه المدرسة في حياة الشيخ جَامعة كبيرة، ونالت سمعة في الأطراف.

دافع عن الإسلام أعداءه، وبذل الجهد في محق مكايدهم وأباطيلهم التي تهدم هيكل المجتمع الإسلامي.

حَارب القاديانيين وكافحهم، واجتهد في قطع دابرهم من المجتمع والبلاد، وكافح المبتدعين وعباد القبور، وسعىٰ كثيرا في قمع جراثيم بدعهم المروجة في مناطقنا.

***

أفنى الشيخ سراج الإسلام حياته الطويلة بخدمة الإسلام والمسلمين، وصنع للمجتمع والبلاد معروفات كثيرة إلىٰ أن قضى نحبه- عن نحو مائة وعشرين- عام ٢۰۰۲م.

اللهم أنت المثيب فأحسن مثوبته.

اترك تعليقاً