رحلة لغة الضاد إلى شبه القارة الهندية وإلى بنغلاديش

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم فيض الله المدني – طالب في قسم اللغة العربية بجامعة إبراهيم محمود نغر، سائن بورد، ديمرا، دكا، العام الدراسي 1440-1441ه

لا مجال للإنكار في أن اللغة العربية من أحسن اللغات أدبا، وأغناها تراثا، و أغزرها علما، و أعرقها ثقافة. لها أهمية لا يستهان بها بين لغات العالم الحية، حيث تمتاز بالجودة و الأصالة و القوة و التأثير و الروعة و الجمال و الحيوية، يرجع انتشار تاريخ هذه اللغة إلى أكثر من خمسة عشر قرنا، وكانت في بداية خطواتها إلى العالمية انتشرت في شبه الجزيرة العربية من العصر الجاهلي إلى ظهور الإسلام. و لما بزغ الإسلام انطلق بها الدعاة و الفاتحون إلى شتى بلاد العالم، و ظلت منذ ذلك الوقت اللغة الأولى التي تنطق بها وتكتب بين لغات العالم للمسلمين ومن سواهم.

فهي ليست لغة رسمية وأدبية للعرب فحسب، إنما هي لغة دينية وثقافية للمسلمين في مشارق الأرض و مغاربها، وكذلك لغة الكثيرين من الأمم والشعوب من غير المسلمين في ربوع الأرض.

وبفضل أن العربية أصبحت اللغة الدينية للمسلمين نشأت رغبة المسلمين من غير العرب في تعلم اللغة العربية، وذلك إنما كان سببه القرآن الكريم و الحديث الشريف –مصدري الشريعة الإسلامية- ثم الفقه الإسلامي، حيث يتوقف قراءتها و فهم معانيها بصورة صائبة على تعلم العربية.

ونظرا إلى هذه الأهمية القصوى عني المسلمون في جميع أقطار العالم باللغة العربية عناية فائقة و بذلوا جهودا مكثفة في تعلمها و تعليمها، حتى جعلها العلماء عربا وعجما لغة نطقهم وكتابتهم ومؤلفاتهم، وهكذا اكتسبت اللغةالعربية صبغة عالمية وعناية دولية منذ القرون الأولى.

اللغة العربية في الهند

ومن المعلوم أن علاقة العرب بالهند قديمة قدم التاريخ، ولكنها بقيت علاقة تجارية إلى بزوغ الإسلام، وأما إذا بدأ الإسلام ينتشر في شبه قارة الهند عن طريق دعاة العرب، وأخذ تعاليم الإسلام يأخذ مأخذها بين أهالي هذه المنطقة، وأنار الدعاة الطريق لنشر الدعوة الإسلامية، أصبحت اللغة العربية تأخذ سيرها ثم انتشارها وثم موقعها في شبه القارة الهندية، حتى مزجت اللغة العربية بالحياة اليومية لمسلمي هذه المنطقة.

وهكذا أشرقت الهند بنور الإسلام و هبت عليها نفحات اللغة العربية منذ فتحها القائد الشاب محمد بن القاسم.

ثم بدأت رقعة الإسلام تتسع في الهند من ولاية السند إلى "غجرات"، وملتان، و كشمير، و غيرها أيام الخليفة العباسي المنصور. و لما تولى المهدي الخلافة ببغداد اهتم و عني بنشر الإسلام في بلاد الهند عناية كبيرة، و لكن للنزاع الداخلي بين القبائل العربية التي كانت قد هاجرت إليها توقف زحف المسلمين لمدن الهند و قراها، وبدأ يضعف نفوذهم فيها.

وبقيت الحال على هذا المنوال إلى فتح السلطان محمود الغزنوي الهند واحتل الهند من أولها إلى آخرها، فأصبحت الهند كلها خاضعة لحكم المسلمين و السلطان محمود الغزنوي و غيره من الحكام المسلمين، وكانوا يهتمون غاية الاهتمام باللغة العربية في تعليمها و تدريسها، لأن اللغة العربية لغة القرآن و الحديث و لسان الدعوة الإسلامية.

وكان من اللابدية انتشار اللغة العربية مع الإسلام و كان فتح القائد الشاب محمد بن القاسم السند فرصة ذهبية للعرب لنشر اللغة العربية و الدين الإسلامي، فاغتنمت العرب هذه الفرصة، و مهدوا طريقا لانتشار الإسلام و اللغة العربية و كما انتشر الإسلام انتشرت اللغة العربية على نطاق واسع بين سكان هذه البلاد، لكن هذا الفتح مع عظمته لم يكن مؤثرا على جميع أنحاء الهند، بل على جزء صغير منها من السند وما جاورها من البقاع فقط. و أما دخول اللغة العربية إلى عمق الهند، فقد كان بفضل الغزوات التي شنها الغزنويون و الغوريون.

و كان هناك وقتئذ نفر من العلماء الذين عنوا قبل كل شيئ بتدريس كتاب الله تعالى و الحديث الشريف بلغة القرآن، و بهذه الجهود المتضافرة للعلماء انتشرت اللغة العربية بها في البلاد المفتوحة فقط، و كان نطاقها ضيقا ممدودا و يستحق انتشار اللغة العربية في الهند على نطاق واسع.

وأما انتشار اللغة العربية بنطاقها الواسع فكان منذ القرن الرابع الهجري عندما وصل إلى عرش الأقاليم الهندية أسر عديدة من المماليك و الخلجيين و التغلقين و السادات الودهيين.

ولا مجال للإنكار أن هذه الفترة تمتاز بتقديم مملوس في تعلم اللغة العربية و الدين الإسلامي، حيث عني كثير من الملوك و الأمراء بتأسيس المدارس ومراكز التعليم، وبذل العلماء جهودا جبارة في توسيع نطاق اللغة العربية حرصا على لغة القرآن والحديث، فأثمرت قصوى مساعيهم و أتت بثمارها مبشرة.

ومع اتساع الدائرة تضاعفت الرغبة في طلب العلم و إلى تعلم العربية و بدأت الحركة العلمية على أسس متينة، واللغة العربية على هذا المنوال استقلت باكستان من الهند.

اللغة العربية في بنغلاديش

وكان انتشار اللغة العربية مستمرا في بنغلاديش أيضا، وبعد بفصل بنغلاديش من باكستان واصل العلماء سيرهم على نشر العربية عبر البلاد مستمرين بكوائف شتات من التدريس و الكتابة و إصدار الصحف و المجلات و عقد المحاضرات و الحفلات العربية و بفتح قسم اللغة العربية وآدابها والتدريب عليها، و هم يقومون بهذه الأعمال فرحين و مسرورين.

وعلى رأس القائمين بها فخر الأمة الأديب الأريب الشيخ أبو طاهر المصباح حفظه الله تعالى والمشرف التعليمي بمعهد الشيخ فؤاد للدراسات الإسلامية الشيخ صفي الله فؤاد حرسه الله تعالى و الشيخ سلطان ذوق الندوي و الشيخ شهيد الله فضل البارئ رحمه الله تعالى.

ومن الحقيقة التي لا يتطرق إليها أدنى شك في أن بنغلاديش قد تعطرت بأريج خدمات الشيخ أبي طاهر المصباح -حفظه الله- الجليلة، وشدا عرفها، والعلم المحتذى به في بنغلاديش في حقل ثورة اللغة العربية كثيرون، ومنهم المفتي النبيل و المحدث الجليل و الأديب الأريب الشيخ فاروق الزمان دام ظله علينا، والشيخ أمير حمزة حفظه الله تعالى نائب أمين التعليم بجامعة إبراهيم محمودنغر، ديمرا، دكا، رئيس التحرير لصحيفة "إسلامي ميديا"، وفصيح اللسان و بليغ المنطق و الأديب النبيه الشيخ سيف الإسلام المعارفي طالت فيوضه في طول الأرض و عرضها، والشيخ محيي الدين الفاروقي صاحب الذوق السليم والأفكار العالية، والشيخ حفظ الرحمن الكشورغنجي حفظه الله تعالى و الشيخ عبد الرب القاسمي الندوي حرسه الله تعالى و غيرهم.

و من الجدير بالذكر أن للعلماء البنغلاديشيين مصنفات متطورات بالعربية للطلبة والعلماء الفرهة في مختلفة المواضيع من العلوم الإسلامية. منها "الخير الكثير" في أصول التفسير ، و"البيان الفاصل بين الحق والباطل" للشيخ العلامة أحمد شفيع. ومنها "سيرة الإمام الدارمي و التعريف بشيخه"، و "التوحيد و الشرك و أقسامها" للشيخ العلامة جنيد البابونغري و "مقالاتي المختارة للشيخ شهيد الله فضل الباري"، و"نجوم حول الرسول" للشيخ نسيم عرفات، و"تفسير القرآن الكريم مكملا للشيخ أبي طاهر المصباح" و"الطريق إلى الإنشاء" للشيخ سلطان ذوق الندوي وما إلى ذلك.

فأنا أقول على حد تعبيري : إن تضحياتهم للغة العربية قد احتلت المدارس القومية في بنغلاديش حتى المدارس الرسمية. و في نهاية المطاف أدعو إلى الله أن يشدد ثورة اللغة العربية أكثر بكثير في كل أنحاء بنغلاديش و سحابة المعمورة، ويجعلنا ممن قام بالعربية وعلومها وقعد في مشارق الأرض ومغاربها، آمين، يا رب العالمين.

اترك تعليقاً