المفتي الأعظم الشيخ فيض الله وحركته الإصلاحية في بنغلاديش

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

محمد هارون العزيزي الندوي

يعد الشيخ فيض الله رحمه الله من كبار المصلحين والدعاة بجهاده المتواصل وجهوده المتتابعة في قمع الشرك والبدع والخرافات، ولاتزال حركته الإصلاحية تنير السبيل للمسلمين وتحدو بهم إلى طريق الهداية، قد سلك الشيخ المفتى الأعظم في تطبيق السنة النبوية - على صاحبها ألف ألف تحية و سلام - في الحياة الفردية والعائلية مسلك شيخ الإسلام العلامة ابن تيمية الحنبلي - رحمه الله - بالزهد في الدنيا ومواجهة العقبات والعراقبل، وفتاواه الفقهية لمسائل العصر ومتطلبات الزمان، التي أجراها في ضوء القرآن والسنة تحتل مكانة رفيعة من مجموعات الفتاوى، وكتاباته النقية المبرورة تدل على ذهنه الوقاد وذكاءه الباهر، وحركته الإصلاحية بعيدة المدى.

كان المفتي الأعظم محمد فيض الله بن المنشي هدايت علي، المولود عام 1210هـ - 1892م المتوفي عام 1392هـ - 1976م، من العلماء المبرزين في بنغلاديش الذي أفنوا حياتهم في خدمة الدين والعلم خدمة خالصة، وقلع جذور الشرك والبدع الخرافات، وتغيير مفاهيم البشر إلى التوحيد النقي والدين الخالص، ونفخ الروح الإسلامية على أوسع نطاق، وإصلاح ما أفسدوه من العقائد والأخلاق والأعمال، ومواجهة التحديات المعاصرة الموجهة إلى الإسلام، ومقاومة التيار الجارف والسيل العارم للإلحاد واللادينية، ومكافحة الاتجاهات الفاسدة التي تستهدف كيان الإسلام وشخصية المسلمين في هذا البلد، ولم يدخروا في ذلك أي وسع، ولعبوا في خدمة الدين ونشر العلوم الإسلامية، وإصلاح المسلمين، دوراً ريادياً، يرويه لسان التاريخ وتعيه ذاكرة الأيام على مر العصور وكر الدهور.

تلقى الشيخ دروسه الإبتدائية والثانوية في "الجامعة الأهلية دار العلوم معين الإسلام، هاتهزاري، شيتاغونغ" المعروفة بـ "أم المدارس" الإسلامية في بنغلاديش، قضى فيها عشر سنين من عمره ثم ارتحل إلى الهند للدراسات العلياء، والتحق بدار العلوم ديوبند، وطلب العلوم العالية على طائفة من صفوة المشايخ، أمثال المجاهد الكبير الشيخ محمود الحسن الديوبندي، وإمام العصر العلامة محمد أنور شاه الكشميري، والعلامة شبير أحمد العثماني والمفتي عزيز الرحمن وغيرهم.

وبعد أن تخرج في دار العلوم رجع إلى وطنه سنة 1334هـ - 1915م فاختير للتدريس في "جامعة دار العلوم معين الإسلام هاتهزاري" فدرس الطلاب الوافدين من مختلف أنحاءالبلد نحو ثلاثين سنة، متنوع العلوم من التفسير والحديث والفقه والمنطق والحكمة وغيرها، وألقيت عليه مسؤولية الإفتاء من جانب دار العلوم، فقام بهذا المنصب أحسن قيام، حتى لقب "بالمفتي الأعظم" في الدولة.

وفي الأخير غادر جامعة هاتهزاري إلى قريته، وأنشأ مدرسة باسم (مدرسة حامي السنة) وبقي يخدم العلم والدين بغاية الإخلاص إلى أن وافته المنية ولحق بالرفيق الأعلى في السادس عشر من شوال عام 1296هـ

كان الشيخ عالما تقيا ورعا متبعا للشرع تماما، كان على حظ عظيم من نبل الخلق، ورحابة الصدر، وذكاوة القلب، ودماثة الطبع، وكان متواضع النفس، جم المروءة، سريع الفطنة، شديد العارضة، قوي الحافظة، جريئا في الدفاع عن دينه، شجاعا في الذياد عن وطنه، صريحا في الإبانة عن رأيه، مجبولا على مناصرة الحق ومحاربة البدع.

كان رغم الاستقلال بالإفتاء أديباً صاحب نظم ونشر، وكان يقول الشعر وهو يدرس دروسه الأولية، وقد قرض حينما كان يدرس في جامعة دار العلوم هاتهزاري قصيدة بالفارسية باسم "بند فيض" – نصحية الفيض – وشرح "قصيدة بانت سعاد" بالعربية باسم "الاقتصاد في شرح بانت سعاد"

مؤلفاته: له مؤلفات كثيرة في اللغات الثلاث: العربية والفارسية والأردية، فمن مؤلفاته باللغة العربية: فيض الكلام لسيد الأنام، وهداية العبادا إلى سبيل الرشاد، والفلاح فيما يتعلق بالنكاح، وسراج التبليغ، وإظهار الاختلال في رسالة الاعتدال، وتعليم المبتدى للسان العربي.

وأما ماأثر عنه باللغة الأردية فمنه:

فيض ستار شرح ديوان "بندنامه" للشيخ الصوفي فريد الدين العطار، وفيض بيبها، وفيض بيكران، وفيض بيبايان، شروح ثلاثة بالأردية للكتب الثلاثة كريما، وبوستا، وكلستان، للشاعر الفارسي الكبير الشيخ السعدي الشير ازي.

وكانت له يد طولى في اللغة الفارسية، فكان يجيدها نظما ونثرا، فأما كتبه في النثر الفارسي فكما يلى: القول السديد في حكم الأحوال والمواجيد، الفيصلة الجليلة لأحكام السماع وسجدة التحية، ورافع الإشكالات على حرمة الاستيجار على الطاعات، وعمدة الأقوال في رد مافي أحسن المقال.

وأما كتبه في النظم الفارسي فكما يلى: بند خاكي، والرسالة المنظومة على الفرقة النيجارية، والكلام الفاصل بين أهل الحق والباطل، وارشاد الأمة إلى التفرقة بين البدعة والسنة، والمنظومة المختصرة في حكم الأجرة على الطاعة، وبندنامه خاكي، ومثنوى خاكي

وهذه بعض ماكتبه الشيخ في مختلف العلوم، وله سواها كتب ورسائل لم تطبع إلى الآن.