حاجة الأمة إلى الشباب المتحمسين

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

الأستاذ محمد هارون العزيزي الندوي

لقد توترت الأوضاع في العالم وتغيرت الظروف والأحوال، وساد الفساد في كل مكان، وفشا الظلم والعنف والشدة في الناس، وعمت اللادينية واللامبالاة واللاإنسانية والوحشية والهمجية والبربرية والإلحاد والزندقة في كل قطر ومصر، كأن الجاهلية البحتة الماحقة الحالقة عادت ثاني مرة بجميع وسائلها وإمكانياتها وبجميع صورها وأشكالها، وفغرت فاها وكشرت عن أنيابها لتمضغ المعاني الإنسانية والآداب الخلقية السامية وتلقمها لقمة سهلة سائغة ، فتبلعها بدون مشقة وتعب، وظهرت ذئاب العلمانية والصهيونية وفراعنة العنصرية والقومية الملحدة بأشباحها المخيفة المرعبة، وبدأت القوات المعادية تهاجم على الإسلام والمسلمين في عقر دارهم وبكرة أبيهم، من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ومن تحتهم، مهاجمة قاسية شعواء، مهاجمة لاتعرف المجاملة والرفق والمحاباة والإنسانية، مهاجمة مقيمة مقعدة، ومبكية مضحكة، بأحدث الأساليب، وأخطر الأشكال والألوان.

ألا تنظرون إلى ماجري في البوسنة والهرسك، والفلبين والجزائر وأركان وكشمير المحتلة وفلسطين والشيشان في ماض قريب وما يجري في كثير من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية بأيدي الكفرة الفجرة؟ لقد جربوا على المسلمين الضعفاء الأبرياء العزل البذل من صنوف العذاب وأنواع القهر ماتنشق منه الأرض وتخرله الجبال هدًا، وتبلغ القلوب الحناجر، وتتفطر أكباد الناس، لو فتحنا ملف جرائم الشراسة العالمية ضد الإسلام والمسلمين رأينا ذئابا في زى الإنسان لا يريدون إلا النيل من الإسلام، يشنون الغارة على المسلمين بدون أي فرق وامتياز بين الأطفال المعصومين والنساء الضعيفات والشيوخ والعجائز، فإسحق رابين مثلا لو فتحنا ملف جرائمه ضد العرب والمسلمين نجد فيه أنه حرق أكثر من 15 قرية على طول نهر الأردن بقنابل النابالم، وقاد المجازر الوحشية ضد الأسرى المصريين والفلسطينيين في حرب 1967م، وعلى مدى عشرين عاماً، واصل تدمير وحرق القرى اللبنانية والمخيمات الفلسطينية في لبنان، ومن عام 39-1948 شارك مع عصابات الهاجاناة، في اجتياح القرى الفلسطينية وقتل أكثر من ألف من النساء والأطفال، واعتمد سياسة الضرب وتكسير العظام، وقد ذهل العالم وهو يشاهد أربعة جنود يقومون بتكسير عظام شابين فلسطينيين مقيدين لمدة تزيد على 40 دقيقة متواصلة، وفي خلال العام 1988م فقط اعتقلت سلطات رابين 180000 فلسطيني، وقتلت 451، وهدمت 145 منزلا، وأصدرت 1600 أمر بفرض حظر التجول على المدن والقرى والمخيمات وما إلى ذلك من الممارسات الإجرامية التي تقشعرلها جلود من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من المعاني الإنسانية والمراعات العالمية.

لمثل هذا يذوب القلب من كمد * إن كان في القلب إسلام وإيمان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة * حتى المنابير ترثى وهي عيدان

في هذه الأوضاع الحرجة وفي هذه الظروف القاسية تحتاج الأمة إلى الشباب المتحمسين الذين يقومون بخدمة الإسلام والإنسانية والقوم والوطن خدمة خالصة صافية، مرتفعين عن إغراءات المناصب والمصالح المادية، والمطامح النفسية التافهة، والذين يقدمون لشعون العالم نموذجاً متبعا وأسوة حسنة والذين يقحمون ميدان العمر ويخوضون معترك الحياة بالحماسة والشجاعة ، ولايستطيع أحد من الناس أن يشتريهم ويعين قيميتهم أو يساومهم، والذين يعيدون ذكريات العصور ... والقرون الخالية بعملهم وخلقهم، والذين يقولون بجلال المؤمن ويقين المؤمن: أينقص الدين وأنا حي؟، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولاعقاب السلطان الجابر والأمير الظالم، ويصمدون أمام التحديات المعاصرة، والقوات الباطلة الطاغية صمود الجبال الراسيات، ويقولون بعملهم:

نحن الذين بايعوا محمداً * على الجهاد مابقينا أبداً

إن الشباب في كل أمة عمادها الذي عليه تقوم، وقوتها التي بها تنهض، وذخيرتها التي إليها تلجأ عند الشدائد، والشباب عصب الحياة للأمة ومصدر قوتها ورجائها، فمن الخير والسعادة لهم ولبلادهم أن يشبوا أقوياء مبرئين من أسباب الضعف ودواعي الانحلال، ومن الوفاء لهم ولأمتهم أن يجدوا الناصح الأمين الذي يرشدهم إلى طريق الهداية، ويأخذ بأيديهم إلى أسباب المجد والشرف ليبلغ بهم الخير، ويجنبهم مزالق الحياة فلايضلوا ولا يشقوا.

وإذا ذهبنا إلى وراء التاريخ وجدنا شباباً قدموا تضحيات هائلة في سبيل نشر الإسلام الخالد، وإعلاء كلمة الله العليا، وأفنوا أنفسهم ونفائسهم وأفندوا مالديهم من الطاقات والإمكانيات، والمواهب والصلاحيات، وبذلوا قصاري الجهد وغايات السعي والجد في خدمة الدين والجهاد في سبيل الله، وجادوا بدمائهم القانية الحمراء وتحمل واحد منهم من الأذى والتعب والكلفة والمشقة مايتعذر حمله على مائة من غيرهم، فمنهم من ضرب بالأسواط ضرياً لاتتحمله الأفيال، ومنهم من شرد تشريداً مؤبداً ، ومنهم من عذب أقسى أنواع العذاب ، ومنهم من حمل إلى خشبة الشنق ، فإذا رأي حبله لثمه شوقاً وحنيناً، وأنشد متبسما مسروراً.

ولست أبالي حين أقتل مسلماً * على أي شق كان في الله مصرعي

وذلك في ذت الاله وإن يشبأ * يبارك على أوصال شلو ممزع

ولو رحت استقصى صور بطولات أشبال الأمة وأبطال الملة عبر العصور ومدى الدهور لطال الكلام وضاق المقام وما أجدر بالمقام ما هجس به فيلسوف الإسلام الدكتور محمد إقبال في نفسه ونطق به في ديوان قصائده المسمى بـ "كلبات إقبال" ونقله إلى العربية أديب اللغة العربية المفكر الإسلامي سماحة الشيخ العلامة السيد أبوالحسن علي الحسني الندوي الموقر – رحمه الله ، ومتعنا بعلومه ومعارفه والمسلمين، في كتابه القيم "روائع اقبال" حيث يقول:

"ويتمنى الدكتور محمد إقبال للإسلام جبيلاً جديداً، شبابه طاهر نقي، وضربه موجع قوى، إذا كانت الحرب فهو في صولته كأسد الشرى، وإن كان الصلح فهو في وداعته كغزال الحمى، يجمع بين حلاوة العسل ومرارة الحنظل، هذا مع الأعداء وذلك مع الأولياء، إذا تكلم كان رقيقا رفيقاً، وإذا جد في الطلب كان شديداً حفياً، وكان في حالتي الحرب والصلح عفيفاً نزيها، آماله قليلة ومقاصده جليلة، غني القلب في الفقر، فقير الجسم والبيت في الغنى، غيور في العسر رؤوف كريم عند اليسر، يظمأ إن أبدى له الماء منة، ويموت جوعاً إن رأي في الرزق ذلة، إذا كان بين الأصدقاء كان حريراً في النعومة وإن كان بين الأعداء كان حديداً في الصلابة، كان طلا وندى تتفتح به الأزهار وترق به الأشجار، وكان طوفاناً تصطرع به الأمواج وترتعد له البحار، إذا عارض في سيره صخوراً وجبالا كان شلالا، وإن مر في طريقه بحدائق كان ماء سلسالاً، يجمع بين جلال إيمان الصديق وقوة علي وفقر أبي ذر وصدق سلمان، يقينه بين أوهام العصر كمصباح الراهب في ظلمات الصحراء، يعرف في محيطه بحكمته وفراسته وبأذان السحر، الشهادة في سبيل الله أحب إليه من الحكومات والغنانم، يقتنص النجوم ويصطاد الأسود، ويباري الملاحدة ويتحدى الكفر والباطل أينماكان، يرفع قيمته ويزيد في سعره حتى لا يستطيع أن يشتريه غير ربه، شغلته مآربه الجليلة وحياة الجد والجهاد عن زينة الجسم والتأنق في اللباس، وشعر بانسانية، تترفع عن تقليد الطاؤوس في لونه، والعندليب في حسن صوته"

فيا شباب الإسلام! ويا أشبال الأمة الإسلامية! تعالوا إلى إصلاح المجتمات من جديد، وإعادة الثقة بالإيمان والإسلام في المسلمين من جديد، وإلى بناء الإنسانية من جديد، حطموا ظلام الليالي، وأسبغوا كل العوالي، وارفعوا دين محمد صلى الله عليه وسلم. أنتم رجاء الأمة، وعمدة المستقبل، وسلاح المسلمين وسر القوة القاهر، تعيش الأمة بين الزفرات والأنين وأنتم النجوم الزاهرة ، والقناديل المنيرة ، والكواكب الوضاءة في هذا الظلام المطبق.

تعالو! أخرجوا الأمة المسلمة من جحيم الكفر والشر والطغيان وأنقذوهم من بوتقة الدمار والهلاك وقساوة الصليبيين واليهود والصهاينة تساعدكم الملائكة ويدعو لكم الخلق حتى الحيتان في جوف الماء والنمل في جحورها.

"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم" .

الكاتب : الباحث الإسلامي الأستاذ محمد هارون العزيزي الندوي – إمام وخطيب جامع عبد الله علي يتيم بمملكة البحرين