عبقرية صانع الرجال..العالم والقائد البنغلاديشي الكبير نور حسين القاسمي

حقا أن وفاته أحدثت خلاء كبيرا في هذه الأونة المتأخرة التي تضن بتوليد أمثاله في أجادب البقاع

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم / محمد نعيم حسن

أستاذ قسم اللغة العربية وآدابها

قد أفل نجم من النجوم الزاهرة في سماء بنغلاديش : العالم الأوحد والمحدث الجليل الأمين العام لحفاظة الإسلام بنغلاديش والمدير للجامعة المدنية باريدارة دكا مولانا نور حسين القاسمي رحمه الله رحمة واسعة .

فقد لبى نداء ربه يوم الأحد الماضي لثلاثة عشر خلون من ديسمبر وهو طريح الفراش بمستشفى بدكا عن خمسة وسبعين سنة من عمره العزيز .

فما هو إلا ساعات معدودة حتى شاع نعيه بين الناس من شرق البلاد إلى غربها فارتجت قلوبهم وراحوا يتأسفون على وفاته، وقد شهد جنازته ملايين من الناس مما سجل رقما قياسيا في بقعة بنغلاديش مما أثار دهشة الشعب رغم أنف المرتدين المعاندين .

ورئي بعضهم يبكون عليه ويمسحون الدموع الغزار من عيونهم كأن قلوبهم لم تتحمل وفاته ولكن الموت سيف قاطع مأمور ونظام طبعي لكل ذي كبد في هذا الكون لا يترك أحدا أيا من كان .

مبدأ حياته :

ولد الفقيد بقرية منوهرغنج من محافظة كوملا، ثم لما بلغ الرشد أقبل على الدراسة حتى برع في الفنون ، وقد تخرج من أم المدارس دار العلوم ديوبند

ثم تصدى للتدريس والإفادة سنة ١٩٧٢ في مدرسة أسست بنيانها على يد الشيخ قاسم النانوتوي رحمه الله بمظفر نغر من ولاية اترابراديش ثم عاد إلى وطنه بعد ما أقام فيها سنة كامل، ثم عمل مدرسا في الجامعة إمداد العلوم فريدآباد و الجامعة الشرعية مالي باغ ومدرسة بشريعت بور خمسة عشر عاما، ثم أسس مدرسة" باسم الجامعة المدنية " في منعرج السوق الجديد بباريدارة سنة 1988، فرباها بجهوده الجبارة في حدود ثلاثين سنة ، حتى اصبحت احدى المؤسسات العلمية الشهيرة في البلاد ، ودرس صحيح البخاري منذ بدايته فيها ، وفي مدارس أخرى أيضا ، كما أسس فضيلته كثيرا من المدارس الدينية في أقاليم عديدة من البلاد ، وكان مساعدا لخمس واربعين مدرسة تقريبا ، منها الجامعة السبحانية محمودنغر المطلة على نهر "توراغ" ، وكان مديرا لها ورئيسا. وقد دفن بجانبها .

خدماته :

وقضى فضيلته حياته كلها في سبيل تحصيل العلم النبوي وتوزيعه بين الناس بجانب قيامه بواجبات دينية و خدمات اجتماعية وعمليات سياسية ، وكان واسع الاطلاع في علم الحديث، وبلغت به البراعة حيث لم ينكرها أحد، وكان يلتزم أصول العلماء الديوبنديين في تدريس الحديث، و يتابع أساليب التدريس لأستاذه العلامة أنظر شاه الكشميري والمفتي سعيد أحمد البالن بوري بصفة خاصة. من أجل ذلك يتشوق الطلبة إلى قراءة الحديث عليه ، ولقي الرضاء والحب من تلاميذه لتحليل المعضلات والصعاب من المسائل باسهل الطرق ...

قد أكب على تدريس علم الحديث طليلة ثمانية وأربعين عاما ، فكان له في أنحاء البلاد وأرجائها ملايين من التلاميذ ، فهو أستاذ مآت بل ألوف من العلماء الراسخين .

والاقتحام في شتى المجالات والقيام بضروب الخدمات كان من أبرز مزاياه . وكان وثيق العلائق بسياسة جمعية علماء الإسلام حتى انتخب كالأمين العام لها سنة ٢٠١٥ . كما كان رئيسا أقدم للهيئة التعليمية وفاق المدارس العربية لبنغلاديش . ورئيسا تعاونيا للهيئة العليا ( جمعية تحتوي على ست هيئات تعليمية للمدارس القومية ) كما له علاقة قوية بالمؤسسات المجتمعية والغير السياسية ، وكان له دور ملموس في إصلاح المناهج التعليمية الوطنية ، والكتب المدرسية للمدارس الرسمية ، وفي تحرير المرأة، وإقامة العدل في المحاكم والحد من اغتصابات النساء وإاعتداءت المخدرات و الأخذ على أيدي قطاع الطريق ، واستيطان الروهنغيين المظلومين، ولفت النظر إلى القضية الفلسطينية، والوقوف بجانب كشمير لإرجاع حقوقهم المسلوبة إليهم ،وترك الميل إلى العصبية، ورفض السلب والنهب من البنوك.

ولا ننسى أنه قد لعب دورا فعاليا في نفي المرأة الفاسدة "تسليمة نصرين" من البلاد، والدفاع عن تخريب مسجد بابري ، وإقلاع الوثن " تهميش" ومكافحة توهين الرسول عليه السلام في فرنس ، كما ساد الجموع الحاشدة من الناس لما حاصروا دكا في ساحة الزنبق لاستيفاء مطلوبات ذات ثلاث عشرة نقطة سنة ٢٠١٣ الميلادية ، وكان رئيسا في البلد الكبير " دكا " آنذاك ، وفي نهاية المطاف من حياته رأس الناس في ساحة المظاهرات الدينية قاعدا في كرسي المقعدين ، وكان من أقصى أمانيه أن يقيم الحكومة الإسلامية على نهج الخلافة الراشدة في بلادنا ، وكان له سعي مشكور في ذلك ، وكان لا يخضع أمام القوة الباطلة ويجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر، وقد رحل البلاد لاجماع كلمة المسلمين على إثبات أن القاديانيين ليسوا بمسلمين رسميا، وكان ظلا لمولانا حسين أحمد المدني في مكافحة الشرك والبدع والخرافات والتقاليد والسلطة البريطانية وغيرها.

وكان حياته الشخصية شبه حياة الزهاد القانتين المنيبين، فكان يكثر من النوافل والأذكار والأوراد وتلاوة القرآن ومطالعة الكتب الدينية. ويعتكف في شهر رمضان كله ويتصدى لتلاوة القرآن كثيرا، ويتدبر في آياته ويستخرخ معانيه الغامضة ومراميه الخفية وكان يقول القرآن كنز أسرار الله ، ولا يمكن لاحد ان يكون عارفا الا بجريه مع هذا التيار الجارف، ولا يزاول مع الناس إلا لحاجة ماسة .

وكان الاعتدال والتوسط في القول والفعل من أبرز مزاياه وأنبل سجاياه ، ويجافي جنبه دائما عن الإفراط والغلو، وكان مع سذاجته وتقشفه في العيش لا يمتنع من الأمر النهي بصوته المجلجل، وكان التواضع والتجامل مع الناس والضيافة من سماته المشرقة، وكان يجذب أفئدة الرجال إليه بسهولة مهما اختلفت أفكارهم وأذواقهم، وكان يدرس صحيح البخاري ويقوم بالإجراءات السياسية رغم كونه مصابا بمرض السكر و عسر التنفس، وكان ينصح تلاميذه بأمرين : أحدهما التجافي عن التكبر والأنانية والثاني : الاتصاف بالاستغناء عن الناس ، فإنه إذا حصل لاحد هاتان الخلتان فانه يجلس عرش المجد واريكة العز ....

وكان خير نموذج للصبر والتجلد في البأساء والضراء ، وقد أفلتت من يده مدرسته بباريدارة فإنه لم ينهزم بل اتخذ مكانا آخر وأجرى عمليات الدراسة ...

وكان بجانب كونه مدرسا ملهما وسياسيا محنكا من كبار العارفين الزاهدين ، وهو يعتقد أن لبناء الأخلاق السامية ، واتحاد المجتمع وطهارة مجال السياسة عن الأدناس لا بد من التزكية. وكان رحمه الله ركز عنايته البالغة تجاه هذا الجانب الهام ، وقد تلقى أول درس في التزكية من شيخ الحديث زكريا الكاندهلوي بعد أن بايعه على يديه سنة ١٩٧٣، ثم توّجه المفتي الشهير الفقيه الملهم العلامة محمود حسن الكنكوهي تاج الخلافة، وكان رئيسا في الزوايا المحمودية المبثوثة في شتى الأماكن من البلاد، فنرى له من المحبين والمتعلقين والتلامذة الروحانيين ما لا يحصيه العد.

ولا ينسى مآثره وأدواره في بناء الشخصيات وأداء حقوق الشعب ومقاومة أعداء الإسلام المعاندين والقيام بالحركات الدينية ونشر العلوم النبوية بالنظام المدرسي بل تبقى مرسومة في أخلاد الرجال وضمائرهم على تعاقب السنين وترادف الأيام .

حقا أن وفاته أحدثت خلاء كبيرا في هذه الأونة المتأخرة التي تضن بتوليد أمثاله في أجادب البقاع .....

كثر الله فيها أمثاله وجعلها أرضا خصبة تجود بخضروات وفيرة ونباتات غزيرة ...

أمطر الله عليه وابلا من رحمته ورضوانه...وأسكنه بحبوحة جنانه... وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ...