العلم يفقد أهله لأسباب

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

محمد نعيم حسن

مما آنست في انحطاط العلم والعلماء واندراس البقية الباقبة من العلوم أن علماء البلاد وطلبائها قد أهملوا أشياء مهمة وأمورا لابدية في اكتناز العلم وإبقائه …

 *من ذلك أنهم تركوا المطالعة العميقة لتوسيع نطاق المعلومات  ، وأما الذين طالعوا الكتب فقليل ماهم  ، هذا وإنهم يطالعون لأغراض أخرى :

١- الطلبة يطالعون للامتحان فقط طمعا في الجوائز النفيسة أو حرصا على نيل التحيات والتهانئ من الأخوان والأقران  أو ليتقي من ضربات الأستاذ وشتائمه وتهديداته وما إلى ذلك . وإلا فليس لها عندهم من قيمة . والكرة عندهم  أغلى منها وأثمن .

٢-أما الأساتذة فيطالعون لإعداد الأسباق والدروس ، أو لإعداد خطب الجمعة أومواعظ الاحتفال أو لتأليف الكتاب او غير ذلك من الأغراض  ، كأنه لولم هذه لما تمس أيديهم أوراق الكتب ، فلم يبق شيئ من المطالعة لتنمية المعلومات حتى يصبح من الأعلام البارزين والشخصيات العبقريين في مستقبل الأيام . 

واسفا ! ذهب العلم وأهله من بلادنا ، وهو الآن في طريقه إلى  مأرزه “المدينه المنورة ” ، وقد أظلم الدنيا بالجهل والغي ، فإن نور العلم قد أدبر ، وأسفا ! ليس للعلم أنيس ولا سمير …

كل مالو ا إما إلى مباهج الدنيا وزخارفها أو ركنوا إلى حلائلهم وأزواجهم فقيل : ضاع العلم بين أفخاذ النساء ، أو اشتغلوا بقضاء شهواتهم ونزواتهم … فمن للعلم؟  والعلم لمن ؟ إذا فالعلم وحيد غريب … ليس له بعيد ولا قريب …

قد ماتت الهمم ووهنت العزائم فلم يبق من أولي العزم الشديد والجزم الوطيد الإ النزر اليسير …

نعم ، أكبر هممنا أننا نشتر ي من الكتب ما نشاء ونستطيع ثم نضع في دواليبنا مرتبة ليعجب الناظر  بها  ، ويمدح صاحبها  فيقول : ما شاء عالم كبير … ولكنه لا تمس أيدينا تلك الكتب في السنين الطوال  مرة فيقع عليها الغبار وينسج عليها العنكبوت … ولسان حالها يقول : هذه الكتب للزينة والمظاهرة لا للمطالعة .

ومن ليس له مال يستعار الكتب من غيره ثم يضعها في رفوفه ، فيمر عليها زمان بعد زمان ولا يجد فرصة ليقبل على مطالعتها ثم يرد إلى صاحبها كما جاء بها وهذا أقصى هممنا في المطالعة .

* ومن ذلك أنهم هجروا المذاكرة العلمية ، كيف يقومون بها والمطالعة هي منبعها ، وأنها طريقة إبقاء ما حصل بالمطالعة وقد انعدمت .

مع أن المذكرة كانت  ألذ الأشياء عند العلماء في العصور الماضية . وقد أصبحت أمر الأشياء عندنا فوا أسفا على أحوالنا السيئة !

لو قلت لهم : تعالوا نتذاكر قالوا : لا حاجة لنا إليه ، فإن طلاب اليوم قد عجزوا أن يأخذوا ما عندنا فلم تمسنا الحاجة إلى مزيد المعلومات !

أوقالوا : ليس لنا فرصة ، وأنهم ضيعوا كثيرا من الأوقات في ” فيسبوك أو يوتيوب ” وفي أمور تافهة كالنقاش في الأخبار اليومية طردا عكسا ، وفي حلول المشاكل الحادثة في البلاد كأنهم رؤساء البلاد . ولكنهم لا يجدون فرصة الالتفات إلى أهم الأمور : العلم .

*ومن ذلك أنهم تركوا السهر لأجل الدراسة نعم ، بقي السهر لاستخدام الهاتف الذكي أو لمسامرة صديق حميم .

وقد قيل :

=إذا رمت المعالي فالزم سهر الليالي – فإن بدونه لا يرجى أقصى المنى .

=ألم تر أن التاجر يبقى ساهرا –

يبيع فيبيع دونما أي عناء .

وهذا السهر إنما هو لطلب العلم لا لتلك المقاصد التي هي المفاسد . معاذ الله .

* ومن ذلك أنهم  تركوا احترام أسباب العلم كالكتب والأقلام والكراسات والمسطرات والمنضدات والسبورات وغير ذلك .

مع أن العلم لا يتأتى بدون أدب فإن العلم ضيف يسكن في قلب يكون له فيه احترام وتوقير ويرحل عن قلب ليس فيه ذلك .

وقد قال المحدث الجليل العلامة أنور شاه الكشميري : أن ما نلت من العلم إنما نلت باحترام الكتب وتعظيم أسباب العلم .

فقد روي أنه لا يدير الكتاب لقراءة حواشيه بل هو يدور بنفسه احتراما للكتاب فإنه كان يقول : أنا أحتاج الى الكتاب ولا يحتاج الكتاب الي . 

وهذه الصفة قد انعدمت كليا أو شبه كلي في هذا الزمان  . فوا أسفا علينا .

* ومن ذلك بل هو أكبر الأسباب لذهاب العلم هو الابتعاد عن صحبة الأساتذة ، وأقصى صلتهم بهم الإلقاء والسماع في الدرس  لا غير ، فإذا سئل عن سبب الابتعاد ذكروا له أسبابا تافهة :

– أنهم يخافون إساءة الأدب بهم .

– أنهم لا يجدون فرصة .

– لا ينبغي لنا الإخلال بأشغال الأستاذ

-أن الأستاذ مشغول كل وقت .

– أن الأستاذ يغضب علي فإني لا أطيعهم ولا احفظ الدروس .

وما إلى ذلك ….

وفي الحقيقة أن الصلة بين الأستاذ وتلميذه هو لب اللباب الذي يؤدي الطالب إلى أقصى الفلاح والنجاح في قادم الايام

فإن دعوة الاستاذ لتلميذه أغلى شيئ يدخره الطالب وإنه نور يمشي به في الناس ويهديهم الى سبيل الرشاد .

اللهم ارحمنا وارحم أحوالنا ، اللهم لا تحرمنا العلم ولو أهملناه ، اللهم وفقنا لنقدر هذه الجلة من نعمائك ، اللهم اجعل أرض البنعال خصبة تنبت عباقرة الرجال وجهابذة العلماء الذين يحولون الارض الجدباء إلى الجنة الخضراء …. آمين