أمير حمزة
تتأهَّبُ بنغلاديشُ للدخولِ في مَنعطَفٍ تاريخيٍّ بالغِ الحساسيَّة، لا يَقتصرُ على كونهِ استحقاقاً انتخابيّاً اعتياديّاً، بل يُمثِّلُ لحظةَ ولادةٍ جديدةٍ لدولةٍ أنهكها إرثُ الاستبدادِ والشمولية. فبعدَ خمسةَ عشرَ عاماً من الهيمنةِ الأحاديَّةِ لنظامِ «رابطةِ عوامي»، وانهيارِ بنيتِه تحتَ ضغطِ الحراكِ الشعبيِّ والطلابيِّ، تجدُ البلادُ نفسَها أمامَ اختبارٍ مصيريٍّ تُراقِبُه العيونُ في الداخلِ والخارجِ بحذرٍ وأمل.
ولا يَنحصِرُ الجدلُ السياسيُّ الراهنُ في سؤالِ «مَن يفوز؟»، بل يتجاوزُه إلى سؤالٍ أعمقَ: ما طبيعةُ السياسةِ في بنغلاديش؟ أهي أداةٌ لخدمةِ الشعبِ وبناءِ المؤسَّسات، أم مجرَّدُ سباقٍ محمومٍ نحو الامتيازاتِ البرلمانيَّة؟ ومن خلالِ متابعةِ خارطةِ التحالفاتِ الناشئة، يتَّضحُ أنَّ «سياسةَ الأصوات» البراغماتيَّة باتت تطغى على المبادئ، واضعةً القوى السياسيَّة – ولا سيَّما ذات المرجعيَّة الإسلاميَّة – أمامَ امتحانٍ أخلاقيٍّ عسير.
بنغلاديشُ على أعتابِ «الثالثةَ عشرة»: ملامحُ الجدولِ الزمني
في الحادي عشرَ من ديسمبرَ الماضي، أعلنَ رئيسُ لجنةِ الانتخاباتِ السيِّدُ أي إم إم ناصرُ الدين الجدولَ الزمنيَّ الرسميَّ لانتخاباتِ البرلمانِ الوطنيِّ الثالثةَ عشرة. وجاءَ هذا الإعلانُ بعدَ مرحلةٍ انتقاليَّةٍ دامت قرابةَ عامٍ ونصفٍ تحتَ إدارةِ الحكومةِ المؤقَّتة، التي وُصِفَت بأنَّها مرحلةُ «تنظيفِ المسار» من تركةِ النظامِ السابق.
وقد تقرَّرَ أن يكونَ يومُ الثاني عشرَ من فبرايرَ 2026 يوماً فاصلاً، إذ لن يَقتصرَ على اختيارِ أعضاءِ البرلمان، بل سيتزامنُ مع استفتاءٍ شعبيٍّ عامٍّ حولَ أربعِ قضايا محورية[1] تتعلق البنيةَ الدستوريَّةَ والسياسيَّةَ للدولة. ويعكسُ هذا التزامنُ رغبةَ السلطةِ الانتقاليَّةِ في إضفاءِ شرعيَّةٍ شعبيَّةٍ على إصلاحاتٍ عميقة، تهدفُ إلى منعِ عودةِ تغوُّلِ السلطةِ التنفيذيَّة.
حُمّى «التزكية» وهوسُ اللَّقبِ البرلماني
ما إن أُعلِنَتِ المواعيدُ حتّى دخلتِ الساحةُ السياسيَّةُ في حالةِ استنفارٍ غيرِ مسبوقة. فبينما تعملُ اللِّجانُ الفنيَّةُ على الترتيباتِ اللوجستيَّة، تنشغلُ القياداتُ الحزبيَّةُ بصراعاتٍ داخليَّةٍ محتدمةٍ حولَ “ورقةِ التزكية”.
لقد تحوَّلَ لقبُ «عضوِ البرلمان» من تكليفٍ لخدمةِ الأمَّةِ إلى تشريفٍ يُغري بالحصانةِ والنفوذِ والوجاهة. وأصبحَ الحصولُ على الترشيحِ الحزبيِّ غايةً تُبرِّرُ كلَّ الوسائل، فتَسودُ المقارَّ الحزبيَّةَ حالةُ قلقٍ مكتوم، وتُقدَّمُ الولاءاتُ والصفقاتُ لضمانِ البقاءِ في دائرةِ الضوء. وهنا يبرزُ السؤالُ المريرُ: ما قيمةُ السياسةِ إذا اختُزِلَت في الجلوسِ تحتَ قبَّةِ البرلمان؟
درسُ «إينو»: حينَ تسقُطُ الأيديولوجيا أمامَ بريقِ الوزارة
تُجسِّدُ تجربةُ القياديِّ اليساريِّ حسنِ الحقِّ إينو نموذجاً صارخاً لبراغماتيَّةِ السياسةِ البنغلاديشيَّة. فهذا الرجلُ، الذي كانَ يوماً خصماً لدوداً لرابطةِ عوامي، تحوَّلَ لاحقاً إلى شريكٍ في الحكم، وحصلَ على منصبٍ وزاريٍّ، كما دخلت زوجتُه البرلمانَ عبرَ المقاعدِ المخصَّصةِ للنساء.
وعندما سُئِلَ عن هذا التحوُّلِ الجذريِّ، جاءت إجابتُه صادمةً: السياسةُ – في نظرِه – ليست عملاً أخلاقيّاً، بل فرصةٌ لا ينبغي تفويتُها متى أُتيحت. ولم يعُدْ هذا المنطقُ حالةً فرديَّة، بل تحوَّلَ إلى ثقافةٍ سائدةٍ لدى أحزابٍ صغيرةٍ بلا قواعدَ شعبيَّة، تحوَّلت إلى «دكاكينَ سياسيَّة» تُفتَحُ في مواسمِ الانتخابات.
سيكولوجيَّةُ التحالفات: لماذا يَخشى الكبارُ المواجهةَ منفردين؟
في النُّظمِ الديمُقراطيَّةِ المستقرَّة، تتنافسُ الأحزابُ ببرامجَ واضحة، ويعرفُ الناخبُ ما ينتظرُه. أمّا في السياقِ الإقليميِّ، فقد تحوَّلتِ التحالفاتُ إلى ضرورةٍ تُملِيها شهوةُ السلطة، لا وحدةُ الرؤية.
والسببُ الجوهريُّ لذلك هو فقدانُ الثقةِ الشعبيَّة. فالأحزابُ الكبرى، بعدَ سنواتٍ من الفسادِ وسوءِ الإدارة، باتت تخشى خوضَ المعركةِ منفردةً، وتخافُ من تشتُّتِ الأصوات. وهنا تجدُ الأحزابُ الصغيرةُ فرصةً للمساومة، فيتحوَّلُ المشهدُ السياسيُّ إلى ما يشبهُ «سوقاً» تُباعُ فيهِ الولاءاتُ مقابلَ المقاعد.
سؤالُ المبدأ: هل تُبنى الدولةُ بالارتهانِ للتحالفات؟
يُثارُ اليومَ سؤالٌ جوهريٌّ: هل يمكنُ بناءُ دولةٍ مُؤسَّساتيَّةٍ عبرَ تحالفاتٍ هشَّةٍ قائمةٍ على المصالح؟ إنَّ التحالفاتِ التي لا تقومُ على برنامجٍ واضح، سرعانَ ما تنهارُ عندَ أوَّلِ اختبارٍ، وتُفرغُ شعاراتِ الإصلاحِ من مضمونِها الأخلاقي.
بنغلاديشُ في انتظارِ الفجرِ الصادق
ليست انتخاباتُ 12 فبرايرَ 2026 مجرَّدَ إجراءٍ تقنيٍّ، بل هي لحظةُ صدقٍ مع شعبٍ قدَّمَ تضحياتٍ جسيمة. وبينما تنشغلُ الأحزابُ بحساباتِ الربحِ والخسارة، ينتظرُ المواطنُ برلماناً يُعبِّرُ عنه، ودولةً تضعُ كرامتَه فوقَ كلِّ اعتبار. فهل يكونُ هذا الاستحقاقُ بدايةَ الفجرِ الصادق، أم فصلاً جديداً من «الخجلِ المفقود»؟ الأيامُ وحدَها ستجيب.
[1] القضايا الأربع المطروحة على الاستفتاء الشعبي : تتضمن ورقة الاستفتاء الشعبي أربع قضايا محورية، تمثل جوهر المرحلة الانتقالية والإصلاحات السياسية المرتقبة، وهي: 1. تقنين وضع حكومة تصريف الأعمال وسائر المؤسسات الدستورية، وتنظيم عملها خلال المرحلة الانتخابية، وفق الآليات المنصوص عليها في ميثاق يوليو الوطني. 2. الانتقال إلى نظام المجلسين، عبر استحداث غرفة تشريعية عليا (مجلس الشيوخ) تضم مائة عضو يُنتخبون بنظام التمثيل النسبي، على أن يكون لإقرارها دور حاسم في ضبط أي تعديلات دستورية مستقبلية. 3. التزام الأحزاب الفائزة بتنفيذ ثلاثين بندًا إصلاحيًا متفقًا عليها، تشمل تعزيز استقلال القضاء، وتحديد مدة ولاية رئيس الوزراء، وضمان توازن السلطات، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد. 4. التنفيذ الكامل لكافة وعود الإصلاح السياسي والإداري الواردة في ميثاق الانتفاضة، باعتبارها التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا تجاه الشعب. (المصدر: بي بي سي بنغلا، 13 نوفمبر 2025؛ بيان لجنة الانتخابات البنغلاديشية، 11 ديسمبر 2025.)
