في تطور لافت يحمل دلالات سياسية واقتصادية واسعة، تستعد بنغلاديش وباكستان لتدشين أول رحلة جوية مباشرة بين دكا ومدينة كراتشي، اعتباراً من يوم غدٍ الخميس الموافق 29 يناير، في خطوة تعكس بوضوح حالة الانفراج المتسارع في العلاقات الثنائية بعد سنوات طويلة من الجمود والانقطاع.
وأعلنت شركة خطوط بيمان بنغلاديش الجوية أن الرحلة الافتتاحية ستنطلق من مطار حضرت شاه جلال الدولي في دكا باتجاه كراتشي، لتكون بذلك أول وصلة جوية مباشرة بين البلدين منذ نحو أربعة عشر عاماً، في مؤشر عملي على انتقال العلاقة من مرحلة الفتور السياسي إلى مرحلة الانفتاح والتعاون المنظم.
عودة التشغيل والجدول الزمني
وأوضحت الشركة الوطنية البنغلاديشية أنها ستسيّر رحلتين أسبوعياً على هذا الخط، يومي الخميس والسبت من كل أسبوع، ضمن برنامج تشغيلي تجريبي يمتد حتى نهاية شهر مارس المقبل، على أن يُعاد تقييم الأداء التجاري والإقبال الجماهيري بعد انتهاء المرحلة الأولى.
وبحسب بيان رسمي صادر عن إدارة الشركة، ستُشغَّل الرحلة الافتتاحية بطائرة تتسع لـ162 مقعداً، فيما أكدت المديرة العامة للعلاقات العامة في الشركة، بوسرا إسلام، أن الرحلة الأولى حُجزت بالكامل، وهو ما يعكس – بحسب مراقبين – تعطشاً واضحاً في سوق السفر لهذه الوصلة المباشرة التي طال انتظارها.
ويُتوقع أن تسهم الرحلات الجديدة في تخفيض تكاليف السفر ، فضلاً عن تقليص زمن الرحلة الذي كان يستنزف ساعات طويلة عبر مطارات الترانزيت في دول الشرق الأوسط، وما يرافق ذلك من أعباء مالية وإجرائية على المسافرين.
أبعاد سياسية تتجاوز الطيران
ولا يُنظر إلى استئناف الرحلات الجوية بوصفه إجراءً فنياً أو تجارياً محضاً، بل يأتي في سياق تحولات سياسية عميقة شهدتها بنغلاديش خلال الأشهر الأخيرة، أعادت رسم خريطة علاقاتها الخارجية، ولا سيما مع إسلام آباد.
ويرى محللون أن سقوط حكومة رئيسة الوزراء السابقة شيخة حسينة في أغسطس الماضي شكّل نقطة انعطاف حاسمة في مسار العلاقات البنغلاديشية–الباكستانية، إذ كانت الحكومة السابقة تعتمد مقاربة متشددة تجاه باكستان، تستند إلى ملفات تاريخية حساسة مرتبطة بحرب عام 1971، بينما تتبنى الحكومة الانتقالية الحالية برئاسة الدكتور محمد يونس نهجاً أكثر براغماتية يضع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية في صدارة أولويات السياسة الخارجية.
تقارب دبلوماسي متسارع
وشهدت الفترة الأخيرة زخماً ملحوظاً في الاتصالات السياسية بين الجانبين، تُوّج بسلسلة لقاءات رفيعة المستوى، كان أبرزها الاجتماع الذي جمع رئيس الحكومة الانتقالية البنغلاديشية الدكتور محمد يونس برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث اتفق الطرفان على تنشيط آليات التعاون الثنائي وإعادة تفعيل اللجان المشتركة المجمدة منذ سنوات.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن الطرفين أظهرا رغبة واضحة في تجاوز إرث الماضي وفتح صفحة جديدة قوامها المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي، حيث عبّرت إسلام آباد عن استعدادها لدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في بنغلاديش، فيما أبدت دكا انفتاحاً غير مسبوق تجاه تعزيز علاقاتها مع باكستان.
تسهيلات التأشيرات وتوسيع التبادل التجاري
وانعكست أجواء التقارب السياسي سريعاً على الأرض من خلال إجراءات عملية، من بينها تسهيل منح التأشيرات للبنغلاديشيين الراغبين في السفر إلى باكستان، إلى جانب بدء مشاورات لتعزيز التبادل التجاري المباشر بين البلدين، سواء عبر الربط الجوي أو الملاحي.
وفي هذا السياق، شهدت الأشهر الماضية وصول سفن شحن مباشرة من ميناء كراتشي إلى ميناء تشيتاغونغ البنغلاديشي، في خطوة وصفت بأنها كسر للاعتماد التقليدي على موانئ وسيطة في الهند أو سريلانكا، وفتح مسار جديد للتجارة الإقليمية منخفضة التكلفة.
انعكاسات اقتصادية واستراتيجية
ويرى خبراء الطيران والاقتصاد أن تدشين هذا الخط الجوي من شأنه أن يحقق جملة من المكاسب المتبادلة، أبرزها تنشيط حركة الشحن الجوي وتسريع تبادل السلع، ولا سيما المنتجات النسيجية والمواد الخام، فضلاً عن تشجيع الوفود التجارية ورجال الأعمال على استكشاف فرص استثمارية جديدة.
كما يُتوقع أن يسهم الخط الجديد في تعزيز الروابط الاجتماعية بين الشعبين، من خلال تسهيل حركة العائلات الممتدة والطلاب والوفود الأكاديمية والثقافية، بما يعيد إحياء شبكات التواصل التي انقطعت لسنوات طويلة.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يقرأ مراقبون هذه الخطوة في إطار سعي دكا إلى تنويع شراكاتها الإقليمية وعدم حصر خياراتها السياسية والاقتصادية في اتجاه واحد، ولا سيما في علاقتها مع الهند، بما يمنحها هامشاً أوسع من المرونة والاستقلالية في صياغة سياساتها الخارجية داخل فضاء جنوب آسيا.
مرحلة “إعادة ضبط” تاريخية
وتصف الأوساط السياسية في البلدين المرحلة الراهنة بأنها مرحلة “إعادة ضبط” شاملة للعلاقات الثنائية، انتقلت فيها العلاقة من مناخ الشكوك والجمود إلى مسار التقارب العملي والتعاون التدريجي.
ويجمع محللون على أن الخطاب السائد اليوم بين دكا وإسلام آباد بات قائماً على مفهوم “المصلحة المتبادلة” بدلاً من استحضار الخلافات التاريخية، في ظل إدراك مشترك بأن التكامل البشري والاقتصادي بين البلدين يمكن أن يشكل رافعة لاستقرار أوسع في منطقة جنوب آسيا.
آفاق مفتوحة للدبلوماسية الجوية
ومن المقرر أن يخضع هذا الخط الجوي لتقييم دوري حتى نهاية شهر مارس المقبل، حيث ستُرصد مؤشرات الإقبال التجاري والجدوى الاقتصادية، إلى جانب الانعكاسات السياسية للخطوة، وسط توقعات متفائلة بأن يتحول الربط الجوي إلى ركيزة دائمة في العلاقات الثنائية.
ويرى مراقبون أن ما يُوصف اليوم بـ“الدبلوماسية الجوية” قد يشكل مدخلاً عملياً لطي صفحة من التوتر امتدت لعقود، ويفتح المجال أمام تعاون أوسع في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والثقافة، بما يعيد رسم ملامح العلاقة بين دكا وإسلام آباد على أسس جديدة تتجاوز إرث الماضي وتستشرف آفاق المستقبل.
