يوم الجمعة: عيد الأسبوع وآدابه التي تصنع بركته
للأسبوع في حياة المسلم محطة تتكرر كل سبعة أيام: يتوقف الناس فيها عن أعمالهم ويتجهون إلى المساجد، ويستمعون إلى الخطبة ويلتقون بجيرانهم. هذه المحطة هي الجمعة، وليست يوم راحة عادي، بل يوم اختاره الله لهذه الأمة وهداها إليه، وجعل له من الفضل والآداب ما يجعل المسلم يستقبله كما يستقبل عيدًا صغيرًا يتكرر كل أسبوع.
وفيما يلي وقفة مع ما كتبه أهل العلم عن هذا اليوم: فضله أولًا، ثم آدابه التي تعين على حسن استقباله.
يوم اختاره الله لهذه الأمة
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها» (رواه مسلم (رقم 854)). فالجمعة يوم ارتبطت به أحداث كبرى في تاريخ الإنسان، وهذا يزيد في مهابته عند المؤمن.
وقد أضلّ الله عن هذا اليوم من كان قبلنا، فاختار اليهود السبت واختار النصارى الأحد، ثم هدانا الله إليه. وفي الحديث: «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبعٌ لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة» (رواه مسلم (رقم 856)). فاليوم إذن هبة وهداية، لا مجرد عادة اجتماعية.
وقد اصطفى الله من الأيام يومًا ذكره في كتابه وسمّى سورة باسمه دون غيره من الأيام، فصار هو أشرف أيام الأسبوع وأكرمها. ومن تعظيم الله تعظيم ما اختاره واجتباه.
نداء من السماء إلى الجماعة
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الجمعة: 9). فهذا نداء يدعو التاجر إلى ترك تجارته والعامل إلى ترك عمله، ليجتمع الناس في مكان واحد يذكرون الله. وهو ميدان فسيح للتنافس في الأعمال الصالحة، ومن اغتنمه وُفّق، بفضل الله، سائر أيام الأسبوع.
ثم تأتي الآية التالية لتوازن بين العبادة والعمل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوٰةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة الجمعة: 10). ويوم الجمعة يوم عبادة وقربة لا ينقضي بالصلاة وحدها، بل يستحب أن يملأ المسلم ما بقي من يومه بذكر الله وما يقرّبه إليه.
طهارة وزينة وتبكير
أول ما يلفت النظر في آداب الجمعة أنها تبدأ بالجسد والمظهر قبل أي شيء آخر. والمعنى في ذلك أن المسلم ينبغي أن يكون طاهرًا نقيًّا حين يجتمع بالناس، وهو معنى يوافق قوله تعالى: ﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (سورة الأعراف: 31)، فيتزين المسلم ليوم الجمعة بأحسن ثيابه.
ثم يأتي التبكير. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (رواه البخاري (رقم 881)). والملائكة واقفة على أبواب المساجد تكتب الناس بحسب مجيئهم. وفي هذا تربية على المسارعة إلى الخير وعدم تأخير الطاعة إلى آخر لحظة.
وروي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خرج إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه، فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد.
السكينة داخل المسجد
في المسجد تنتقل الآداب من الجسد إلى القلب واللسان. فيجلس المرء حيث انتهى به المكان، ولا يؤذي أحدًا بمزاحمة أو تخطٍّ للرقاب. وروى عبد الله بن بسر رضي الله عنه أن رجلًا جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: «اجلس فقد آذيت» (رواه أبو داود (رقم 1118)).
وينبغي ألا يرفع المرء صوته بالقراءة أو الذكر فيشوّش على من حوله، وأن يصغي بسمعه للخطبة ويحضر قلبه فيها، فهي مقصود الاجتماع. وفي الحديث: «إذا قلتَ لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» (رواه البخاري (رقم 934) ومسلم (رقم 851)). والحديث يدل على أن الأمر بالسكوت ولو كان نصحًا قصيرًا يُعدّ لغوًا، فالكلام الذي لا فائدة فيه أولى بالترك. والانشغال بالهاتف وقت الخطبة أقبح وأسوأ.
أجور لمن التزم هذه الآداب
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآداب ثمرة ظاهرة. فقال: «من اغتسل يوم الجمعة وتطهّر بما استطاع من طُهر، ثم ادّهن أو مسّ من طيب، ثم راح فلم يفرّق بين اثنين، فصلّى ما كُتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (رواه البخاري (رقم 910)، من حديث سلمان رضي الله عنه). وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام» (رواه مسلم (رقم 857)).
وهي مع غيرها من الأعمال الجامعة التي تُكفَّر بها الذنوب، كما في الحديث: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر» (رواه مسلم (رقم 233)).
ساعة الدعاء وكثرة الصلاة على النبي
ومن بركات هذا اليوم ساعة يستجيب الله فيها لمن سأله. قال صلى الله عليه وسلم: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه» (رواه البخاري (رقم 935)، ومسلم (رقم 852) بنحوه). وحسبنا أن نعلم أنها موجودة، وأن نكثر في هذا اليوم من الدعاء ونسأل الله من خيري الدنيا والآخرة.
ومن آدابه الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. فقد قال: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ» (رواه أبو داود (رقم 1047)).
أن يكون يومًا مختلفًا
إذا جمعنا ما ورد من أحاديث وآداب، رأينا أن الجمعة يوم يتغيّر فيه شكل الأسبوع: يدخل المسلم المسجد نظيفًا متزينًا مبكّرًا هادئًا، ويخرج منه وقد سمع ذكرًا ودعا ربه وصلّى على نبيه. ومن اغتنم هذه المعاني وجد في يومه سكينة تنعكس على بقية أيام الأسبوع.
والمطلوب في النهاية ليس تعقيدًا ولا تكلفًا، بل قدر بسيط من الاستعداد: نية صادقة، وثياب نظيفة، وخطوات إلى المسجد قبل أن يزدحم، وقلب حاضر. والله يتولى ما سوى ذلك بفضله.







