حق الجار وحسن الجوار: وصية جبريل التي كادت تُورِّث
يقول الناس: الجار قبل الدار. وهي عبارة تعبّر عن تجربة قديمة: أن سعادة السكن لا تقاس بسعة البيت وحدها، بل بمن يجاور أهله على الجدار نفسه. فالجار الصالح نعمة تبعث على الأمان، والجار المؤذي همٌّ لا يُنسى. وقد عرف الإسلام لهذا الأمر قدره، فجعل حق الجار من أعظم الحقوق التي تقوم عليها العلاقات في المجتمع.
وأبلغ ما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» (رواه البخاري (رقم 6014) ومسلم (رقم 2624)). والجار ليس من يسكن بجوارك وحسب، فمن جاورك في العمل أو السوق أو مقعد الدراسة له نصيب من هذا المعنى.
وصية القرآن والسنة
لم تأتِ وصية الجار في السنة وحدها، فقد أوصى به القرآن في الآية التي جمعت حقوق الله وحقوق الناس: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِۦ شَيْـًٔا وَبِالْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِى الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَٰمَىٰ وَالْمَسَٰكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ (سورة النساء: 36). وفي الآية ذكر للجار ذي القربى والجار الجنب معًا، فهي وصية بالجيران كلهم.
ثم تنوعت أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على هذا الحق. فربطه بالإيمان فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» (رواه مسلم (رقم 47))، وفي رواية له: «فليحسن إلى جاره». وقال أيضًا: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه مسلم (رقم 45)). وفي هذا الربط بين الإيمان وحق الجار دليل على أهميته وعظيم منزلته؛ فمن أدّى حق جاره كمل إيمانه ومن قصّر نقص إيمانه.
مقياس الخيرية
وفي الأحاديث ما يشبه الميزان الذي يضعه كل إنسان أمامه ليعرف أين هو. قال صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (رواه الترمذي (رقم 1944)). فمن أراد أن يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف هو مع من يجاوره.
وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو إذا أسأت؟ فقال: «إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت» (رواه ابن ماجه (رقم 4223)). فشهادة الجيران، وهم أقرب الناس إلى حقيقتك اليومية، علامة على السيرة الحسنة أو القبيحة.
أن تكفّ الأذى وأن تصبر عليه
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أذى الجار أشد التحذير. قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» (رواه البخاري (رقم 6016))، والبوائق جمع بائقة وهي الظلم والشر. وفي رواية البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» (رواه البخاري (رقم 6018)).
ومن ذلك حديث المرأة التي ذُكرت عند النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: «هي في النار». ثم ذُكرت امرأة أخرى قليلة العمل لكنها لا تؤذي جيرانها، فقال: «هي في الجنة» (رواه أحمد). ومعنى ذلك أن مدار الدين على اكتساب الفرائض واجتناب المعاصي، فلا فائدة في تحصيل الفضول وتضييع الأصول.
ويحضر في هذا المقام قوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (سورة الشورى: 43). والصبر على أذى الجار من شيم الكرام ذوي المروءات والهمم العالية، فكثيرون يستطيعون أن يكفّوا أذاهم عن الآخرين، لكن القدرة على تحمّل أذاهم صابرًا محتسبًا درجة أعلى.
صور الإحسان في الحياة اليومية
للإحسان إلى الجار صور كثيرة، منها: السلام عليه، وتفقّد حاله، وزيارته إذا مرض، وتعزيته إذا أصابته مصيبة، وتهنئته في الفرح، وستر عيوبه، وإعانته في حاجته. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر رضي الله عنه فقال: «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك» (رواه مسلم (رقم 2625)).
وفي الصحيح أنه كان يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فِرسن شاة» (رواه البخاري (رقم 2566))، أي لا تستقلّ أن تهدي ولو شيئًا يسيرًا. فليس المهم قيمة الهدية بل أن تصل من القلب إلى الجوار.
ومن اللطيف أن الإحسان لا يقف عند حدود الدين. فقد روي أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: «أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه» (رواه الترمذي (رقم 1943) وأبو داود (رقم 5152)).
وكان الصالحون يتفقدون جيرانهم، فكانت الهدية تأتي أحدهم فيبعثها إلى جاره، ويبعث بها الجار إلى جار آخر، وهكذا تدور على أكثر من عشرة بيوت حتى ترجع إلى الأول. وسألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منكِ بابًا» (رواه البخاري (رقم 2259)).
وجار جائع إلى جنبك
ومن أبلغ ما يُذكر في هذا الباب أن المؤمن لا يهنأ بطعامه وجاره جائع إلى جنبه، وأن الصالحين من الصحابة كانوا يسعون في قضاء حوائج جيرانهم. وفي زماننا هذا قد يتقارب الناس في المكان ويتباعدون في المعرفة، حتى إن بعضهم لا يعرف اسم جاره الملاصق له.
ولعل أقرب طريق لإحياء هذا الحق أن نبدأ بخطوات صغيرة: سلام عند الباب، وسؤال عن الحال، وطبق من الطعام يُرسل في مناسبة، وكلمة طيبة عند الحاجة. فإذا فعلنا ذلك كنا في طريقنا إلى ما أوصى به جبريل عليه السلام نبيّنا صلى الله عليه وسلم، ثم أوصى به أمته.





