الوسطية في الإسلام: توازن يحمي الإنسان من الغلو والتقصير
تتردد كلمة «الوسطية» اليوم في الخطب والمقالات وبرامج الحوار، حتى كاد كل فريق يدّعيها لنفسه. وفي الغالب يسبق إلى الذهن أنها المنطقة الرمادية بين الشيء ونقيضه، أو ميل إلى التساهل وإرضاء الجميع. غير أن الوسطية كما جاءت في القرآن والسنة، وكما شرحها أهل العلم، أبعد من ذلك: عدلٌ في النظر، وتوازنٌ في العمل، وحفظٌ لحقوق الله وحقوق الإنسان معًا.
وتبدأ الفكرة من لفظ الوسط نفسه، فهو يدور في لغة العرب على معانٍ ثلاثة تتكامل: العدل، والخيار، والتوسط بين طرفين.
أمة وسط: عدلٌ وخيريّة وشهادة
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: 143). فالوسط هنا بمعنى العدول الأخيار، ومما نُقل في ذلك أن الشهادة لا تقوم إلا بالعدل ولا تُقبل إلا من العدل (انظر: فتح الباري، ج13، ص613).
ويعضد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (سورة آل عمران: 110). وقد قال الشنقيطي في «أضواء البيان» إن بين وصف الأمة بالخيرية ووصفها بالوسطية تلازمًا، لأن الوسط في لغة العرب الخيار (أضواء البيان، ج1، ص87).
وفي هذه الشهادة مسؤولية: فالشاهد ينبغي أن يكون عدلًا صادقًا عالمًا بما يشهد به، حاضرًا غير غائب. ولذلك لا تصلح الوسطية شعارًا يُرفع، بل هي سلوك وعلم وحضور.
التوازن بين طرفين
أما المعنى الثالث فهو الأشهر: الوسط بين طرفين، والفضيلة بين رذيلتين. والوسطية هي التوازن والاعتدال بين طرفي الغلو والتقصير، والإفراط والتفريط، والإسراف والتقتير. وكل أمر له طرفان مذمومان، والوسط هو التوازن بينهما.
وأوضح مثال قرآني على ذلك الإنفاق: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ (سورة الإسراء: 29)، وقوله في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (سورة الفرقان: 67). فالوسط هنا ليس نصف الطريق حسابيًّا، بل هو القوام: الموضع الذي يستقيم فيه الأمر.
وسطية في العقيدة والعبادة
وللوسطية مظاهر في الإسلام: في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات. ففي العقيدة تقوم على اعتبار الفطرة واحترام العقل والاستنارة بنور الوحي. فقد فطر الله الناس على الحنيفية السمحة، قال سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (سورة الروم: 30). ولما كانت الفطرة وحدها لا تستقل بمعرفة الخير والشر والغيب، أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فصار الوحي نورًا على نور الفطرة.
وفي العبادة تقوم الوسطية على التلازم بين الظاهر والباطن؛ فالصلاة فيها ركوع وسجود، وفيها خشوع واستشعار لعظمة الله، فلا تُختزل العبادة في حركات وحدها ولا في مشاعر وحدها.
التوازن بين الدنيا والآخرة
ومن أوضح صور الوسطية أنها توفّق بين حظ الدين وحظ الدنيا، وبين حق الله وحقوق العباد. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ اللَّهُ الدَّارَ الْءَاخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (سورة القصص: 77). وتفسير هذا التوازن أن الإنسان عقل وجسد وروح، فهو مخلوق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، ولا بد أن يُعطى كل جانب حقه: العقل بالعلم والمعرفة، والروح بالعبادة والذكر، والبدن بالنظافة والغذاء والراحة والدواء.
وهذا ما عبّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حين رآه يبالغ في العبادة: «فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَورك عليك حقًّا» (رواه البخاري (رقم 1975)). فلم يأمره بترك العبادة، بل نبّهه إلى أن لجسده وعينه وأهله وضيفه حقوقًا عليه.
تيسير ولا تعسير
ومن مظاهرها كذلك التيسير والتبشير في الدعوة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا» (رواه البخاري (رقم 69)). وقال: «إن الله لم يبعثني مُعنِّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلّمًا ميسّرًا» (رواه مسلم (رقم 1478)).
وفي المقابل لا تعني الوسطية التفريط في الثوابت؛ فالثبات يكون في المقاصد والأصول القطعية، والمرونة في الوسائل والآليات، وتعظيم الأصول مع تيسير الفروع ينسجم مع قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَٰٓئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (سورة الحج: 32).
الأمر بالمعروف بالرفق والعلم
ويظهر هذا التوازن كذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من أسباب خيرية هذه الأمة. ولا بد من النظر إلى ما يترتب على الأمر والنهي من آثار، وأن يكون من يقوم به عالمًا بالمصالح والمفاسد. ومن جميل ما نقله في هذا السياق قول سفيان الثوري: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى» (رواه أبو بكر الخلال في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ص24).
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (سورة الأنعام: 108)، فالمقصود تجنّب ما يعود بضرر أكبر على الدين والناس.
وسطية تتصل بالعصر
وأخيرًا، فالوسطية ارتباطٌ بالأصل واتصالٌ بالعصر. فنحن نعيش في عالم سقطت فيه حواجز الزمان والمكان، وليس لنا أن ننكفئ على أنفسنا، فتبادل المنافع ورعاية المصالح يقتضيان من المسلمين أن يمدّوا الجسور بينهم وبين الأمم. ولكن هذا الانفتاح يقوم على مرجعية شرعية ثابتة، فالمحافظة على الدين والنفس والعقل والمال والنسل مقاصد كبرى لا تتبدل، بينما الوسائل مجال للاجتهاد والتجديد.
وهكذا يتضح أن الوسطية ليست موقفًا يُتخذ عند الخلاف، بل منهج حياة: عدل في الحكم، وتوازن في العبادة والدنيا، ورفق في الدعوة، وعلم يسبق الكلام. ومن أخذ بها لم يكن أسير الغلو ولا ضحية التفريط، وكان قريبًا من وصف الله لهذه الأمة بأنها وسط.







