سوريا
| |

عمر بن عبد العزيز: حين يصير العدل منهج حكم

قلّما ارتبط اسم حاكم بالعدل كما ارتبط اسم عمر بن عبد العزيز. تولى الخلافة نحو سنتين وخمسة أشهر، ومع ذلك بقي اسمه حاضرًا في كتب التاريخ والتراجم، وعلى ألسنة الوعاظ والمربين. وليس ذلك لأنه حكم زمنًا طويلًا، بل لأنه جعل الخلافة عبئًا يُحاسَب عليه لا امتيازًا يُتمتَّع به.

ونقف في هذه الصفحات عند ملامح من سيرته، اعتمادًا على ما أورده ابن كثير في «البداية والنهاية».

النشأة وطلب العلم

هو عمر بن عبد العزيز بن مروان القرشي الأموي، وأمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ويقال له أشجّ بني مروان. وينقل ابن كثير عن الزبير بن بكار عن العتبي أن أول ما استبان من رشده حرصه على العلم ورغبته في الأدب. فحين ولي أبوه مصر وأراد أن يأخذه معه من الشام، قال له: أترحلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها وأتأدب بآدابهم؟ فأرسله أبوه إليها، فقعد مع مشايخ قريش وتجنب شبابهم حتى اشتهر ذكره.

وحين صار والي المدينة جمع عشرة من فقهائها، وكان إذا وقع له أمر مشكل جمعهم عليه، ولا يقطع أمرًا دونهم. وفي هذه المرحلة، كما يروي ابن كثير، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى»، يقصد عمر بن عبد العزيز.

بداية الخلافة: إعراض عن مظاهر السلطة

تولى عمر الخلافة سنة 99 هـ بعهد من سليمان بن عبد الملك. ويذكر ابن كثير أن مخايل الورع والتقشف ظهرت عليه من أول حركة: أعرض عن ركوب مراكب الخلافة وهي الخيول الحسان المعدّة لها، واكتفى بمركوبه الذي كان يركبه، وسكن منزله رغبة عن منزل الخلافة.

وقد نقل عنه ابن كثير قوله في خطبته: «أيها الناس، إن لي نفسًا تواقة لا تُعطى شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها، وهي الجنة، فأعينوني عليها، يرحمكم الله». ومما ينقله ابن كثير أنه قال حين استُخلف: «إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد عليه السلام، وإني لست بقاضٍ ولكني منفّذ، وإني لست بمبتدع ولكني متّبع».

ردّ المظالم وعدالة بلا استثناء

ويُلخَّص أمر خلافته بأنه ملأ الأرض عدلًا وردّ المظالم إلى أصحابها وسلك مسلك الخلفاء الراشدين. وذكر ابن كثير أنه اجتهد في ولايته على قصرها حتى ردّ المظالم وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلًّا من هؤلاء.

وفي هذا يتجلى معنى العدل عنده: ليس شعارًا يُرفع في خطبة، بل هو ديون تُقضى وحقوق تُرد وأبواب تُفتح لكل صاحب حاجة. وقد وصفه ابن كثير بأنه كان حكمًا مقسطًا وإمامًا عادلًا وورعًا دينًا لا تأخذه في الله لومة لائم.

خوف الله والشعور بالمسؤولية

لعل أبرز ما يميّز عدل عمر بن عبد العزيز أنه كان نابعًا من خوف المسؤولية أمام الله. تروي زوجته فاطمة أنها دخلت عليه يومًا وهو في مصلاه واضع خده على يده ودموعه تسيل، فسألته، فقال: «ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت».

وتقول فاطمة أيضًا: ما رأيت أحدًا أكثر صلاة وصيامًا منه، ولا أشد خوفًا من ربه، وإنه كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه. وهكذا كان الحاكم الذي لا يهدأ باله، لأن وراء كل فقير وغريب حقًّا في عنقه.

الزهد في الدنيا مع قدرته عليها

يروي ابن كثير عن مالك بن دينار قوله: «يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة».

ومن أخبار تقشفه أنه لم يكن له سوى قميص واحد، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس. ودخل يومًا على امرأته فسألها أن تقرضه درهمًا أو فلوسًا يشتري له بها عنبًا، فلم يجد عندها شيئًا، فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشتري به عنبًا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدًا في نار جهنم. فالمال العام عنده أمانة لا يمسّها لنفسه.

مجدد في رأس القرن

جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (رواه أبو داود، رقم 4291). وينقل ابن كثير في «البداية والنهاية» أن جماعة من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل، قالوا إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإنه أولى من دخل في ذلك وأحقّ، لإمامته وعموم ولايته واجتهاده في تنفيذ الحق، وإن سيرته كانت شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب.

وتوفي رحمه الله بدير سمعان سنة 101 هـ، وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام.

ما نتعلمه من نموذجه

ليست العبرة في أن نعيد سيرة عمر بن عبد العزيز حرفًا بحرف، فلكل زمان أدواته، بل في أن نفهم روحها: العدل يبدأ من إحساس الحاكم بثقل الأمانة، ومن إيمانه بأن الله سائله عن كل صاحب حق. وكل مسؤول، في بيته أو عمله أو مجتمعه، يستطيع أن يستمد من هذه السيرة ما يناسب موقعه، فيعدل ويزهد في ما ليس له، ويعطي كل ذي حق حقه.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *