حديثُ النفسِ : محادثة عالم متفكر وباحث علمي مع نفسه يناقشها، أبدى الكاتب خلالها أفكاره ومشاعره، وأحزانه تجاه الأمة

حديثُ النفسِ : من يوميات الأستاذ صفي الله فؤاد من كتابه نظارة معلم ونظراته

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم صفي الله فؤاد عفا الله عنه

الحلقة الأولى من المحادثة

أَتَيتُ المنزِل من المعهد في الإتيان الأسبوعيّ، وزرتُ الأسرة، وأشكر الله عَزَّ وجَلّ على مقابَلة الأولاد وأُمِّهم موفورين بالصحة وسالمين، والحمد لله على الصحة والسلامة.

أَتَيتُ المنزل وأنا في مَوْجٍ كالجبال وتَدَفُّقٍ كالشَّلَّالِ لإعطاءِ «أنا الداخِلِ» فرصةَ الالتقاءِ بـ«أنا الخارجِ»([1]) وإعطاءِ «أنا الخارجِ» فرصةَ الاجتماعِ بـ«أنا الداخل» لِيَتَسَامَرَا في السِّرِّ والخَفَاءِ في مشكلاتٍ وحَلِّها. ولكنْ كان مقتَضَى حالِ البِيْئَةِ قضاءَ بعضِ الأوقات مع الأولاد وأُمِّهم أُدخِلُ في قلوبهم الفَرَحَ ويُدخِلون في قلبي السرور.

فلم أَخرُج عن هذا المقتَضَى الطبيعيّ، وقَضَيتُ معهم زمنا لا بأس به، وتَعَشَّيتُ معهم، حتى حان مَوعِدُ اللجوء إلى الفِرَاش. وهنا استأذنتُهم في أن أتأخّر قليلا في الدخول في مقصورة النامُوسِيَّة، وأَذِنُوا لي -والحمد لله- راضِين فَرِحين، فأرجو أنّ «أنا الداخلِ» و«أنا الخارجِ» سيجدان الآنَ فرصةَ تبادُلِ الأحاسيسِ والقيامِ بالمسامَرة حُرَّينِ مُنْطَلِقَينِ.

أنا الخارِجِ : سلامُ الله عليك، كيف حالُكَ يا رَفِيقي!

أنا الداخِلِ : وعليكم السلامُ ورحمةُ الله. إنك خاطَبتَنِي بـ«الرفيق» ولستَ رفيقي، فافْهَمْ كيف ستكون حالي.

أنا الخارجِ : ماذا تقول يا حبيبي! ألستُ رفيقَك وأنا أُرَافِقُكَ في كلِّ حين ولا أفارِقُكَ لِآنٍ؟

أنا الداخلِ : هل لك أن تَدَّعِيَ هذه الدعوى وأنا أنتظرك زمنا طويلا للتكلم معك في خَلْوَة وأنت مشغول بأسرتك.

أنا الخارجِ : عَفْوَك يا رفيقي! فأنت تعلم أنّ للأسرة حقا، وقد حاوَلتُ أداءَ بعضِ حقوقها لأتفَرَّغَ لك بَقِيَّةَ الوقتِ.

أنا الداخلِ : حَسَنًا، فلك عُذْر، والعذرُ عند كِرَام الناس مقبول.

أنا الخارجِ : شكرًا لك على صبرك، ونِعْمَ الصديقُ أنتَ.

أنا الداخلِ : لَدَيَّ أسئلة أريد أن أوَجِّهَها إليك، فهل تستمع إليها؟

أنا الخارجِ : حُبًّا وكرامةً،([2]) سَلْ ولا تتحرَّج.

عُذْرُ الجَهَالةِ

أنا الداخلِ : أَرَى أن عددًا لا يُحْصَى من النصارى مَثَلا إنما يتدينون بالنصرانية ولا يتدينون بدين الإسلام، لأجل أنهم يعتقدون النصرانيةَ دِينًا حقا ويعتقدون الإسلام دينا باطلا، أليس هذا هي الحقيقة؟

أنا الخارجِ : بلى.

أنا الداخلِ : ولكنْ ما هو الواقع؟

أنا الخارجِ : الواقع هو أن الإسلام حق وأن النصرانية باطل.

أنا الداخلِ : إِذَنْ عند النصارى والهِنْدُوس والبُوْذِيِّين وغيرهم في نَبْذِهِمِ الإسلامَ واعتناقِهم دياناتِهم عُذْرُ الجهالةِ، أليس كذلك؟

أنا الخارجِ : بلى.

أنا الداخلِ : هل يقبل الله تعالى في الآخرة عذرَ جَهَالتِهم هذا، فيَعفُو عنهم ويُدخِلهم الجنةَ رَغْمَ عدمِ قبولهم الإسلامَ؟

أنا الخارجِ : لا، فإن الجهالة في الأمور الثابتة بالدليل القطعيّ غير مقبولة.

أنا الداخلِ : إذا كان عذرُ جهالةِ الكُفَّار غيرَ مقبولٍ، فلماذا يُقْبَل عذرُ جهالة المُسَمِّين بالمسلمين في أمور الإسلام الثابتةِ بالدليل القطعيّ؟

أنا الخارجِ : قَدِّمْ مثالا من فضلك.

مثالُ رَفْضِ المُسلِمين (؟) آياتِ القرآنِ

أنا الداخلِ : قال الله تعالى في سورة الأحزاب([3]) : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ اَمْرًا اَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ اَمْرِهِمْ﴾.

أنا الخارجِ : هل في مُسْلِمي بنغلاديشَ مَنْ يَرفُض مُحْتَوَى هذه الآيةِ ومضمونَها؟

أنا الداخلِ : معنى الآية هو : لا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة إذا حَكَمَ الله ورسوله فيهم حُكمًا أن يخالفوه، بأن يختاروا غير الذي قَضَى فيهم («التفسيرُ المُيَسَّرُ»). وجاء في «صفوة التفاسير» : ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أيْ : أن يكون لهم رأيٌ أو اختيار، بل عليهم الانقيادُ والتسليم. قال ابن كثير : وهذه الآية عامّة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حَكَم الله ورسوله بشيء فليس لأحدٍ مخالفتُه، ولا اختيارَ لأحدٍ ولا رأيَ ولا قول.

ومن المعلوم أن شَعْب بنغلاديشَ حَسْب دُسْتُورِ البلادِ مَصْدَرُ جميع السُّلْطَات، لهم الخِيَرَةُ من أمرهم، لهم سُلْطةُ اختيارِ غيرِ الذي قَضَى الله ورسوله فيهم، لكُلِّ واحد من المُوَاطِنين اختيارٌ ورأيٌ وقول.

وليس الأمر مقتصِرًا على مَنْح الدُّسْتُورِ إياهم هذه الخِيَرَةَ والسُّلْطَة، بل الشعبُ كلُّه (باستثناءِ عددٍ لا يُذْكَرُ) يستخدمون أيضا هذه السلطةَ والخيرة بالتصويت في الانتخابات([4]) وبصُوَرٍ أخرى. ينتخب الشعب بالتصويت ممثِّلين لهم ويُرسلونهم إلى البَرْلَمَان، ويكون لهؤلاء الممثِّلين رأيٌ واختيار في كلِّ أمر، ولا ينقادون لأوامر الله ورسولِه، ولا يسلِّمون أنفسَهم لله ورسوله، ويَصِيرون أربابا من دُوْن الله، فيُحِلُّون أمورًا حرَّمها اللهُ ورسوله كالزِّنَا بالرِّضَاء والرِّبَا، ويُحرِّمون أُمُورًا أحَلَّها اللهُ ورسوله كالحدود والقصاص والتعزيرات، وهكذا يَرفُضُون قول الله تعالى المذكور : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ اَمْرًا اَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ اَمْرِهِمْ﴾، أليس كذلك؟

بَقُوْا على الإسلامِ أم صارُوا مرتدِّين؟([5])

فما حكمُ هؤلاء الممثِّلين؟ وما حكمُ الشعبِ الذين يمتثلون ما يُحِلُّه الممثِّلون وما يحرِّمونه؟ وقد قال تعالى في مُحْكَم تنزيله في سورة النساء([6]) : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُوْنَ حَتّٰى يُحَكِّمُوْكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوْا فِىْۤ اَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا﴾، أمُؤْمِنُون هم أم كُفَّار، بَقُوْا على إسلامهم أم صارُوا مرتدِّين؟ ماذا ترى؟

أنا الخارجِ : هل هناك شيءٌ آخَرُ؟

أنا الداخلِ : لِمَ لَمْ تُجِبْ على سؤالي «أمُؤْمِنُون هم أم كُفَّار، بَقُوْا على إسلامهم أم صارُوا مرتدِّين؟ ماذا ترى؟»، ألَمْ يكن قولي موافقًا للواقع؟

عُذْرُ الجَهَالةِ

أنا الخارجِ : عَفْوًا، إن قلبي بَدأ يَقْشَعِرّ ويَرْتَعِد بعد الوقوف على الحقيقة التي كَشَفَ النِّقَابَ عنها تحليلُكَ. وإني ضعيفُ القلبِ، فلا أجتَرِأ على الاعتراف والنُّطْق بالحقيقة. غَيْرَ أنّ أكثرهم لا يعلمون دِينَ اللهِ تعالى وشَرِيعتَه.

أنا الداخلِ : أأَرَدتَ في الأخير أن تقول : إنّ عندهم في قبول الخِيَرَةِ التي أعطاهم الدُّستورُ عُذْرَ الجهالة؟ أيْ : لم يُدرِك مُمَثِّلو الشعبِ في البرلمان أن قبولهم حقَّ خِيَرَةِ الدُّستورِ من أمرهم مخالَفَةٌ لقول الله تعالى في الآية المذكورة أعلاه، فلهم عذرُ الجهالةِ.

أنا الخارجِ : نعم، كُنتُ أردت ذلك، ولكنْ قدَّمتَ إليَّ مثالَ عذرِ جهالة النصارى والهِنْدُوس وغيرِهم الذي لا يقبله الله تعالى. لذا لا أريد الآنَ أن أقول ذلك. بَيْدَ أن الشعب لم يَتَّخِذوا أعضاءَ البرلمانِ أربابًا من دون الله وإن فوَّضُوا إليهم حَقَّ التشريعِ وحَقَّ التحليلِ والتحريم.



[1]. هذانِ «الداخِلُ» و«الخارِجُ» ظرفانِ وليسا اسمَيْ فاعِلٍ. ثم إنّ «أنا» في «أنا الداخِلِ» و«أنا الخارجِ» اسمٌ كأَيِّ اسمٍ آخَر وليس ضميرًا، فصَحَّ وقوعُه مضافا.

[2]. «الحُبّ» : خَشَبَاتٌ أرْبَعٌ تُوضَع عليها جَرَّةٌ ذاتُ عُرْوَتَينِ، و«الكَرَامَة» : غِطَاءُ تلك الجرةِ، والمعنى : أنا لك مِهَاد ورِدَاء.

[3]. رقم الآية : 36

[4]. راجِعْ لمعرفة حقيقة «سياسة التوبة» للشيخ حافِظْجِي حُضُوْر رحمه الله تعالى كلامَ الكاتبِ البنغاليّ الشيخ إسحاق العُبَيديّ وما تَعَلَّقَ بذلك الكلام، في يومية الجمعة 27 من ذي القعدة. وراجِعْ كذلك يوميةَ الخميس 13 من ربيع الأول لمعرفةِ متى يُتَّبَع الأكابِرُ ويُوَافَق على استحساناتهم؟ تجد فيها أقوالَ الشيخِ سعيد أحمد البالَنْبُورِيِّ حفظه الله والشيخِ رشيد أحمد الكَنْكُوهِيِّ والشاهِ وليِّ الله المحدِّث الدهلويِّ رحمهما الله تعالى.

[5]. انظُرْ لِزَامًا ما في آخِر هذه اليومية تحت عنوان : «تنبيهٌ مُهِمّ» من قولنا : «وأما إن رأوا شيئا أَضَفتُه من عندي فليَحذَرُوه ولْيَحتَرِسُوا منه».

[6]. رقم الآية : 65

[7]. انظُرْ لِزَامًا ما في آخِر هذه اليومية تحت عنوان : «تنبيهٌ مُهِمّ» من قولنا : «وأما إن رأوا شيئا أَضَفتُه من عندي فليَحذَرُوه ولْيَحتَرِسُوا منه».

اترك تعليقاً