من يوميات معراج : إياك والعجلة

العجلة من الشيطان

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

9 يناير 2019م- يوم الثلاثاء

قبل ثلاثة أيام انكسرت نظارتي. أخي ! هل تعرف ما هي النظارة ؟ هي أداة توضع فوق العينين وتستخدم أساساً لتصحيح الإبصار، ولحماية العينين من الغبار والأتربة العالقة في الجو. تتكون النظارة من إطار لاحتواء العدستين اللتين يمكن أن تكونا مصنوعتين من الزجاج أو البلاستيك.

وليست هذه هي الوهلة الأولى للانكسار بل هي الثانية من نوعها. ولما كانت انكسرت نظارتي أول مرة انكسر معها قلبي، لأني أحبها حبا جما ولها غرام شديد في قلبي، فلذا كنت ذهبت إلى جاتراباري لتصحيحها (22ديسمبر 2018م يوم السبت). وأعطيتها صاحب الدكان وأمرته لتصحيحها، فبدأ يصححها وأخذ عدسة زجاجية جديدة، وبدأ قطْعها ولكن أخطأ فيه فبطلت عدسة ثم أخذ أخرى ولكن أسف فوق الأسف قد انكسرت هذه عند تصحيح نظارتي. هكذا فسدت ثلاث عدسات في يدي الدُكاّنيّ .

وإني كنت ناظرا إليه جالسا على الكرسي أمام الدكان، وخطر ببالي سؤال وهو "لماذا حدثتْ هذه الحادثة؟" فأجابني ضميري فورا "هذه بسبب العجلة". أي ما هي علة الانكسار ثلاث مرات إلا العجلة في العمل.

فَعلينا أن نترك العجلة لأنها مِنَ الصفات المذمومة التي جاء الشرع بالنهي عنها. لأن قال الراغب: "العجلة طلب الشيء وتحريه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة في عامة القرآن، حتى قيل: العجلة من الشيطان"

قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16]، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، يتخلق بأخلاقه ويتأدب بآدابه، لذلك التزم بهذا التوجيه المبارك، لم يكن يستعجل؛ بل كان يتأنى ويصبر، وإلى هذا أرشد أمته؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((التَّأَنِّي مِنَ اللهِ وَالعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ)).

أما المسارعة إلى فعل الخيرات والمبادرة إليها، وانتهاز الفرص إذا حانت، فإن ذلك محمود وليس بمذموم لأن الله تعالى قال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133 [وقال موسى عليه السلام: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ [طه: 84[

وقد ذكر أبو نعيم في حلية الأولياء (8/78) قول حاتم الأصم : كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس : إطعام الطعام إذا حضر الضيف، وتجهيز الميت إذا مات ، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب .والعجلة المذمومة القطع في الأمور قبل التفكر والمشاورة والاستخارة، ولهذا قال أبو حاتم البستي رحمه الله: "إن العَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، والعجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تسميها أم الندامات".

قال الشاعر :

قَدْ يُدْرِكُ المُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ * وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ

وقال الشاعر:

لا تعجلن فليس الرزق بالعجل * الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل

فلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا* لكنه خلق الإنسان من عجل

ونجد الناس في عصرنا الراهن يقولون نحن في زمن السرعة فيتعجلون في كل شيء حتى في الصلاة وفي العبادات كلها، فيصلون بلا خشوع ولا اطمئنان، ويقرأون القرآن بلا تدبر، ويذكرون الله بعجلة، وإذا مشى فتعجل، وإذا أكل أكل بعجلة، وإذا تكلم استعجل، حتى صارت حياتهم كلها عجلة، فلم يحسنوا شيئاً من أعمالهم، إلا من وفقه الله، فالله المستعان.

نسأل الله أن يجعلنا ممن رزقهم الحلم والأناة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اترك تعليقاً