حب أم انتحار؟!!

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

​معصوم بالله غلزار

كان لي صديق منذ الطفولة أحبه لعلمه وموهبته أكثر مما يحب المرء صديقه لأوصاف أخرى. فيروقني منظرُه ويُؤنسني محضرُه وكنت لا أعبأ بعد ذلك بشيء من صلاحه أو طلاحه. قضيت بجواره عهدا طويلا حتى فارق الدهر بيننا بحيث لم أعرف أين مصيره؟ ولكنِّي بذلت جهدي لالتماسه إلا أن القدر اقتضى شيئا آخر.فلم أجده بعد جهد جهيد حتى أيقنت أني لن أجد بعد اليوم إليه سبيلا.

مرّ عشر سنوات. ولم يبلغني أين هو؟ فبينما أنا أقضي عطلة العيد في هذه السنة إذ سمعت من أهل القرية أنه رجع إلى بيته وقد صارت امه رهينة قبرها وصديقي طريح فراشه فهببت إليه مسرعا وفاءّ بحق الصداقة فرأيت من عجائبه ما أدهشني كل الدهشة. ومن محزناته ما أبكاني بكاء أجمع. إذ رأيت من أمره مالا عهد لي بمثله فيما قبل.

وصلت إلى غرفة مظلمة تريد أن تنقضّ على أهلها لضعفها وقِدمها.فلم أزل أتردّد في شأن الدخول حتى دخلتها رغم ما أنجبتْ نفسي من حكمها فخُيّل إليَّ أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات. وأن الغرفة قبر والمريض ميت فدنوت منه شبرا بعد شبر حتى بلغ الدنو مبلغه وصرت بجانبه فإذا هو قفص من العظم يتردد فيه النفس الأخير فوضعت يدي على جبينه ففتح عينيه وأطال النظر في وجهي ثم فتح شفتيه قليلا قليلا وقال بصوت خافت. اللهم لك الحمد. ها أنا ذا قد وجدت صديقي المنشود. فجدَّد لي مَرآه حزنا كان في قلبي كمينا وبين أضالعي دفينا بعد فراقه منذ أمد بعيد. فسألته: ما هذه الحال التي صرت إليها فما لبث أن جاء بقصته الغابرة.

وأنشأ يقصّ عليّ قصته:- لقد عقد الود بيني وبين ابنة عمي عقدا لا يحلُّه إلا ريب المنون فكنت أحبها حب الزهرة الذابلة للقطرة الهاطلة وتحبني أيضا حبا يفوق حدَّ الخيال

وما هي إلا أيام قلائل حتى عزم العم على تزويج ابنته ففارقت أنا وابنة عمي منزلنا وأزمعنا الرحلة إلى حيث في فضاء الله ومنفسح آفاقه علاج نفسنا من الهم والحزن فرحلنا رحلة طويلة قضيت فيها بضعة أشهر.وكانت معنا صُبابة من المال فاتخذنا بها مسكنا في العاصمة داكا وعشنا زمانا طويلا في بهاء الحياة وبهجتها

رأيت يوما من الأيام إلى الفضلة التي كانت في يدي من المال فإذا هي ناضبة أو موشكة فخرجت ألتمس الوظيفة فلم أظفر بها ثم رجعت إلى غرفتي العاشرة ليلا لكن لم أر فيها صاحبتي إلا أن وجدت رسالة على طاولتي فإذا هي بخط ابنة عمي وقرأت فيها هذه الكلمات التي لا أزال أحفظها حتى الساعة:

يا ابن عمي! فارقتك ولم أودِّعك وما ألجأني إلى ذلك إلا شقاءُ أمك المسكينة التي تدبُّ إلى الموت دبيبا ولا تزال تتمنى أن تراك في آخر لحظاته من الحياة فارحمها كما ربتك صغيرا.

وما وصل من حديثه إلي هذا الحد حتى رأيت مدامعه تنحدر على خديه فسألته وماذا تم له بعد ذلك يا خوي! قال إني ماقرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة تتمشى في جميع أعضائي وخيل إلي أن صدري يحاول جاهدا فى سبيل الإنشقاق عن قلبي حزنا وجزعا فأسرعت إلى القرية لأجيب على نداء أمي.ومن سوء حظي أن المنيَّة سبقتني فرأيتها جثة هامدة لا حراك بها وقد حملها الناس على السرير ليذهبوا بها إلى المقبرة وشقيقي الصغير يمشي وراء نعشها يبكي وينتحب.

وما انقضي النهار حتى انقضى كل شيء فأصبحت أمي رهينة قبرها ومن ثَمَّ لا أزال طريح فراشي أبكي بكاء النادم الذي لا ينفعه الندم.

الله يعلم أني أكتب قصته وصوته يرن في أذني حتى الآن وعيناي تذرفان الدموع التي لا أتمكن من إمساكها

فيا أيها الشبان! رفقا بأنفسكم العاطفية، رفقا بضعفاء النفوس من النساء. ولا تلقوا بأيديكم إلى الدمار والتهلكة باسم الغرام والمحبة. إذ الحب الذي يؤدي إلى الهلاك والعاقبة النحسة فهو في الواقع نفس الهلاك بل هو الإنتحار وإن سماه الناس بأسماء رائعة من الحُرِّية أوالتقدُّمية وزعموا أنه ترفيهي والحقيقة أنه منطق شيطاني لا قول إسلامي زيَّنه أعداء الله بأثواب جذَّابة ومُريئة

فيا أيها الفتىيان! احذروا الشهوات والشبهات فإنكم لا تعلمون حين تُؤثِّرون وجدكم علي عقلكم وبيئتكم على دينكم إلى أي خسارة تتقدمون؟! وإلى أي عاقبة تصيرون؟!

ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين.

اترك تعليقاً