الزلزال وعبره

من مجلة النادي الأدبي العربي التي يقوم بإصدارها أعضاء قسم اللغة العربية بجامعة إبراهيم على غرة كل أسبوعين

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
بقلم عبد الحكيم- طالب قسم اللغة العربية بجامعة إبراهم

كان الوقت مساء، وكانت الطبيعة هادئة، والجو معتدلا، والسماء صافية، كنت جالسا على كثب من النافذة، أستنشق الهواء صافيا، وأحس النسيم عليلا، أطالع كتبية لي قديمة، وأفكر في موضوع أكتب فيه مقالةً. كل شيء يسير سيره الطبيعي.... إذ بي أشعر بهزة شديدة! فأهتزّ وأرتعش، يهتز المبنى ويهتز معه كل الأشياء! كأن المبنى ينهدم من شدة الحركة ويقضي على حياتي! وقد انتشر الذعر بين الطلاب، وأصابهم القلق والاضطراب، وتغيرت وجوههم، وهرعوا مفزوعين مذروعين من زعزعة شديدة لهذا الزلزال العنيف، وفزعوا إلى المناطق المفتوحة خشيه وقوع الأسوء، ولاذوا إلى الميادين والطرقات ضنا بأنفسهم وفرارا من الكارثة!

نعم! هذه هي صورة الزلزال! ولكن لست هنا بصدد تحليل الواقع وتفسير الحادث، إنما أنا بصدد التأمل والتفكر ... إن هذه الحوادث الهائلة لم تقع؟ وهل تسفر وتترك لنا عبرا ودروسا؟ نعم! إنها من آيات الله! إنها تحذرنا وتنبهنا وتتخلف لنا عبرا ودروسا.

هل نستفيد من العبر؟ ونأخذ منها دروسا لحياتنا؟ هل نفكر في هذه المصائب والكوارث وأسبابها؟ ما هي حقيقتها؟ وما هي علة العلل لهذه الملمات؟ هل تعد هذه الكوارث من النظام الطبيعي؟ كما هو مذهب الفلاسفة والباحثين والملحدين! فنرفض كنهها رفضا تاما، ونعرض من حقيقتها إعراضا كاملا؟ أم نعتقد أن لها من حقائق وأسباب تشير إليها النصوص الشرعية؟

نعم! إنا نسوق هنا حديثا مقطوفا منتخبا من ذخيرة الأحاديث. أشار فيه نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أسباب تؤدي إلى وقوع الزلازل، أنه قال : "عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اتخذ الفيء دولا والأمانة مغنما والزكاة مغرما وتعلم لغير الدين وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأدنى صديقه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وساد القبيلة فاسقهم وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة شره وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتابع كنظام بال قطع سلكه فتتابع". وحصيلة تلك الخصال المذكورة هي فساد المجتمع البشري.

إن ندقق ونمعن النظر إلى أحوالنا الفردية والاجتماعية والعالمية نجد أسباب لا تحصى ولا تحصر تسبب وتدعو هذه المصائب والكوارث.

إن نطل أنظارها نر أن مجتمعاتنا متدلية ومنحدرة تلهث وراء الفسوق و الفجور، حتى تحولت إلى مجتمعات لا تتقيد بدين ولا خلق ولا فضيلة، فينفذ الأعداء منها مرادهم. وتحولت إلى مجتمعات تابعة للحضارة الغربية التي تطلق الشهوات وتكشف العورات، وتدعو إلى ارتكاب المحرمات، ورفض العفاف، وهتك الأعراض، تقليل النسل، وتفتح علينا في صحفهم ومجلاتهم وكتبهم بابا تِلوَ الباب للاختلاط والفجور والبغاء المقنع. وتلك المجتمعات الأوربية التي يذوق مرارتها وسمها أهلوها. ولا تزيد الأيام إلا شدة وعنفا في مرارتها وسمها كأنها جذوة لهب تلهب!

وقد أصبح المجتمع منبع الفساد والخلاع، يسري منه السم في أعصابه وعروقه، وفشا فيه الفساد والمنكرات، والزنا والاغتصابات، والربا والإتاوات، ترى المغريات في كل مكان، كالصورة العارية، والأفلام الخليعة، والعورات البادية، والاختلاط المتفشى.

هناك بعض الأيام نحتفل فيها ونرتكب المعاصي والذنوب، ومنها الليلة الأخيرة من السنة الميلادية. يسهر الفتيان والفتيات، والشبان والشابات فيها، يقضون أوقاتا مهلكة خارج بيوتهم، يصاحبون في السينمات ويراقصون في السهرات، هناك تفتح عليهم أبواب الشر على مسرعيه.

ومنها أول يوم من السنة البنغالية، تلبس النساء ثيابا بيضاء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، ويلبس الرجال ثيابا حمراء، يصور الشاب على خدود الشابات المغريات، يرتكبون أصنافا من الأفعال الخادشة للاحتشام والحياء، حتى تتعرض النساء للتحرشات والاعتداءات الجنسية في الطرق والشوارع، كما اطلعنا في السنة الماضية على خبر هائل. أستحيي أن أذكره، لو شئتم فاذكروه في أنفسكم! فما أشد خطبه وما أشنع وقعه!!

وبكل معنى الكلمة : بناء الأخلاق ينهار، المخازي والرذائل تعم وتنتشر، والقادة والمصلحون وأرباب الأمر يرون ويشاهدون ذلك كله، فلا يبالون به، ولا يفكرون فيه! فهل فكر أحد -حقا- لماذا وقع هذا الزلزال؟؟

وإلامَ يلفت أنظارنا؟ هل تبدلت أحوالنا؟ هل مست هذه الكارثة عقولنا؟ أو اشتعلت عاطفتنا وحركت مشاعرنا؟ هل نقص الفسق والفجور بعد يوم الحادثة اليوم الأول من السنة الجديدة؟ وهل.... هل.... هل......؟؟؟ لا..... لأنا غافلون، لا نعتبر بالحوادث والكوارث التي نواجهها في حياتنا اليومية! بل نتمادى في طغياننا، ونجري في عصياننا، وننجرف مع التيار الجارف، فمشى بنا إلى شفا جرف هار، وينهار بنا في نار جهنم! لولا نعود منها! ونتوب ونستغفر الله تعالى!! وفقنا الله تعالى. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً