الإبادة الجماعية وروح المقاومة في كشمير

وأول تلك الأطوار يكمن في تفشي استخدام الثنائية القاسية المتمثلة في لفظة ’نحن‘ مقابل لفظة ’هم‘. وعندما يتعلق الأمر بكشمير؛ تترجم الدولة الهندية كلمة “نحن” على أساس أنها تعني مؤيدي جيشها/قوات الاحتلال، بينما تقصد بكلمة “هم” المسلمين الكشميريين.
ويستهدف المتطرفون القوميون الهندوس المعتدلين من جميع الديانات/الخلفيات، مستخدمين الترهيب وسيلة لتهديد المركز وضمان سكوته عما يرتكبونه من أفعال. ولعل أكثر الناس قدرة على وقف الإبادة الجماعية هم المعتدلون التابعون لمجموعة الجناة نفسها. ولهذا السبب؛ فإن كل من سبق له التعامل مع الدولة الهندية هو الآن رهن الاعتقال، بمن فيهم فاروق عبد الله وعمر عبد الله ومحبوبة مفتي.
مما يؤجج مشاعر التمرد على الطغيان أنه يوقظ في النفس البشرية دافعا يحملنا على مقاومته. ولعل الإحساس بالظلم يتسرب غريزيا إلى صميم حالتنا الإنسانية، المنسوجة من تجاربنا وعواطفنا واحتياجاتنا بوصفنا بشرا. فالسينما والموسيقى والفن والأدب كلها تحتفي بمن يقاومون بإرادة لا تقهر كل الصعاب، ويتحدون الظلم والتعسف.
ومع ذلك فالنصر ليس سهل المنال؛ إذ يجد المرء عبر حقب التاريخ أدلة لا تحصى على أن النصر يأتي بروح المقاومة. والكاتب الإنجليزي جورج أورويل يمجد هذه الروح ويهاجم الطغيان في قصته القصيرة المؤثرة “مزرعة الحيوان”.
يقول في تلك القصة: أليس من الواضح تماما -أيها الرفاق- أن كل الشرور في حياتنا هذه تنبع من استبداد البشر؟ تخلصوا من ابن آدم وستكون ثمرات كدحنا ملكا خالصا لنا… فما الذي يتعين علينا فعله إذن؟ لذا علينا العمل -ليلا ونهارا بالروح والجسد- من أجل الإطاحة بالعنصر البشري! هذه هي رسالتي إليكم أيها الرفاق، ألا وهي العصيان”!
فالقهر عند أورويل لا بد من مقاومته، لأن الخضوع والاستسلام لا يزيدان المعاناة إلا طولا، ومن ثم فلا مبرر للتردد في اتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق ينبغي أن ننظر إلى مشروع الهند للاستيطان الاستعماري، وقرارها الأحادي غير المشروع وغير الديمقراطي بإنهاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير وإلغاء المادة (307) من الدستور الهندي.
وقد وجهت منظمات غير حكومية في أنحاء العالم، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، انتقادات حادة للهند بسبب هذا القرار، وعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مؤخرا جلسة طارئة هي الأولى له منذ خمسين عاما لبحث الوضع المتردي في كشمير، ودعا إلى احترام قرارات المنظمة الدولية ذات الصلة.
وأبدى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلقه تحديدا إزاء وضع حقوق الإنسان الراهن، في حين وصف مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحرية التعبير ديفد كاي الوضع في كشمير بأنه “شديد القسوة”.
غير أن المرعب حقا أن منظمة “جينوسايد ووتش” غير الحكومية حذرت من احتمال وقوع مذبحة غير مسبوقة في كشمير. وجاء ذلك على خلفية الاستخدام الفج من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وغيره من زعماء حزب بهاراتيا جاناتا (بي جي بي) لمصطلح “الحل النهائي” المشوَّه بشأن كشمير.
وقد حددت “جينوسايد ووتش” عشر مراحل لعملية الإبادة الجماعية، تتجسد كلها الآن في كشمير، خصوصا بالنظر إلى الهجمة الشرسة التي تشنها الهند حاليا على الحريات المدنية في الجزء الخاضع لسيطرتها من الإقليم، بغرض ترويع سكانه وقطع كل قنوات الاتصال عنهم، والاستخفاف بالقوانين والأعراف الدولية، وارتكاب سلسلة من انتهاكات حقوق الإنسان.
وأولى هذه المراحل شيوع الثنائية القاسية بين لفظتي ’نحن‘ و’هم‘. وفي حالة كشمير، تفسر الدولة الهندية كلمة “نحن” بأنها تعني مؤيدي جيشها/قوات الاحتلال، وتقصد بكلمة “هم” المسلمين الكشميريين.
وبديهي أن التدابير الوقائية تتضمن تقوية المؤسسات العامة التي تتخطى التصنيفات العرقية والعنصرية وتشجع الاندماج. ولعل هذا بالضبط ما لا يرغب فيه حزب بهاراتيا جاناتا الفاشي، فهو يريد الترويج لخطر إرهابي وهمي لتبرير عمليات الاضطهاد التي يمارسها.
والمرحلة الثانية هي التعبير بالرموز أو الترميز. فالرموز حين تقترن بكراهية متجذرة تفرض قسرا على أفراد جماعة منبوذة، كالوشاح الأزرق الذي كان رمزا للمنحدرين من المنطقة الشرقية في عهد حكم الخمير الحمر في كمبوديا، أو لغة المسلمين الكشميريين وأزيائهم المميزة وبطاقات هوياتهم التي تدل على دينهم.
والثالثة هي التمييز الصريح الذي يدفع مشروع الإبادة الجماعية قدما، حين تستغل المجموعة المهيمنة القانون والأعراف والسلطة السياسية لتحرم المسلمين الكشميريين من حقوقهم الأساسية. ويقف خلف هذا التمييز فكر إقصائي وإباحة لإيذاء المسلمين الكشميريين عبر وصفهم بنعوت مثل “انفصالي” و”متطرف” و”إرهابي”.
والرابعة أن التحيز والتحامل وانعدام التمكين بدرجات عالية تقود إلى مرحلة ’الانتقاص من آدمية الإنسان‘، التي تحول دون نفور الإنسان العادي من ارتكاب جريمة قتل.
وفي هذه المرحلة تُسخر الصحف والإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي للتحريض على الكراهية والتشهير بالمسلمين الكشميريين مع أنهم الضحايا، حتى إن ذلك أُدخل في المناهج الدراسية بمؤسسات التعليم الهندوسية.
والخامسة أن الإبادة الجماعية، بوصفها ظاهرة بشعة، تتسم دائما بإحكام التخطيط وتحتاج إلى “تنظيم” شامل. وتتولى الدولة الهندية هذا الدور، فتستعين بالمليشيات الهندوسية لتوفر لنفسها ذريعة لنفي أي مسؤولية عنها.
ومن هذه المليشيات حشود هندوس يقودهم مسلحون محليون ينتمون إلى منظمة “راشتريا سوايامسيفاك سانغ” المعروفة اختصارا (آر أس أس)، ويتنكرون في زي عسكري، ويشكلون قوام 38 ألف جندي إضافي أرسلتهم الدولة إلى كشمير. ويُذكر أن نحو 700 ألف جندي تقريبا من الجيش الهندي المسلحين بأسلحة ثقيلة موجودون أصلا في كشمير؛ فما الحاجة إلى إرسال المزيد؟
والمرحلة السادسة أن المتطرفين يلجؤون عادة إلى الاستقطاب وسيلة للتفريق بين الطوائف. ولهذا تبث الجماعات رسائل استقطابية تحرض على الكراهية، وقد تحظر القوانين الزواج بين المجموعات المختلفة أو التواصل الاجتماعي بينها.
ويستهدف المتطرفون القوميون الهندوس المعتدلين من جميع الأديان/الخلفيات، ويستخدمون الترهيب لتخويف الوسط وضمان صمته عما يرتكبونه. وربما كان المعتدلون المنتمون إلى مجموعة الجناة أنفسهم أقدر الناس على وقف الإبادة الجماعية. ولهذا السبب فكل من سبق له التعامل مع الدولة الهندية رهن الاعتقال الآن، ومنهم فاروق عبد الله وعمر عبد الله ومحبوبة مفتي.
والمرحلة السابعة هي “التمهيد”؛ إذ ما انفك قادة حزب بهاراتيا جاناتا (الحاكم) يتحدثون بلهجة مروعة عن “الحل النهائي”، وهو تعبير مخفف يستخدمونه للتستر على نواياهم في ارتكاب مجازر وأعمال تطهير عرقي.
والثامنة هي الظلم والتعسف الذي يتفاقم مع تقدم مراحل الإبادة الجماعية. وفي هذا الطور تنتهك حقوق الضحايا الإنسانية الأساسية بصورة منهجية، عبر القتل خارج نطاق القضاء والاغتصاب والتعذيب والتهجير القسري. وتُعد قوائم بمن يُستهدفون بالقتل وتُصادر الممتلكات. والمسلمون الكشميريون محاصرون الآن ومعرضون للاعتقال التعسفي والتنكيل والاغتصاب والقتل.
والتاسعة هي الطور الذي يبدأ فيه الاستئصال ثم لا يلبث أن يتحول إلى قتل جماعي، أو ما يسمى في الاصطلاح القانوني “الإبادة الجماعية”. وفي هذه المرحلة المخيفة تتعاون القوات المسلحة مع مليشيات (آر أس أس) شبه العسكرية في تنفيذ عمليات القتل.
والعاشرة هي الطور الأخير، وهو التنصل من كل الأفعال المرتكبة طوال عملية الإبادة. وفيه يحفر الجناة قبورا جماعية لدفن ضحايا جرائمهم ويحرقون الجثث، ويحاولون طمس الأدلة وترهيب شهود العيان.
أما في الحكومة الهندية فيزعمون طوال الوقت أن الأمور كلها تسير على نحو طبيعي في كشمير. وقد بلغ الإنكار حدا مضحكا، إذ يقول رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا إنهما يهدفان إلى “تحقيق الازدهار والتنمية” و”وضع حد للإرهاب”.
وأكثر ما يثير القلق أن الهند تعلن للعالم أنها بدأت تخفف تدريجيا القيود التي فرضتها على خدمات الاتصال، وهذا محض هراء. فهذا الخطاب الجبان عن تخفيف مخادع للحصار تستغله الهند لصرف أنظار العالم عما يجري في كشمير.
ولا يزال انقطاع خدمات الإنترنت والهاتف الأرضي والاتصالات شاملا في كشمير. وثمة إنذارات بأن شرا مستطيرا قادم، وبأن احتمال وقوع إبادة جماعية هناك وارد.
ورغم مشاهد الموت والخراب واليأس والقنوط الفظيعة، فإن روح التمرد والعصيان منحت الكشميريين جرأة، إذ لم يعد أمامهم في الحقيقة خيار آخر. ولا بد لهم من التوحد في مواجهة عدو منفلت لا يرحم.
وكما كتب أورويل فإنه “لا بد أن يكون بيننا -نحن الحيوانات- اتفاق تام، ورفقة مثالية في الكفاح. كل البشر أعداؤنا. وجميع الحيوانات رفاقنا”. ومع ذلك تظهر دائما محاولات لشق الإجماع والنيل من المقاومة. وتساءل أورويل في روايته “مزرعة الحيوان” قائلا: “هل الفئران رفاقنا؟” ويجيب: “إن التصويت أُجري للتو، وقد تمت الموافقة بأغلبية ساحقة على أن الفئران هم رفاق لنا”.
وعلى المنوال نفسه، تقف قبائل البكروال والغوجار والبيهاريين والباكريين والشير والسيخ والبانديت والسنة والشيعة، وكلهم كشميريون، صفا واحدا في وجه الاستبداد والظلم.
المصدر : الجزيرة







