كشمير : مقبرة الهند وآخر محطة ظلمها
ثانيا: أغلقت حكومة ناريندرا مودي كل الأبواب أمام حل سلمي وتفاوضي للخلاف، فقد رفضت إجراء حوار ثنائي مع باكستان، كما رفضت وساطة طرف ثالث. وإثر تصرفاتها الأحادية الجانب في 5 أغسطس/آب الماضي؛ فإن الهند تقول إنه لا يوجد شيء تتفاوض عليه مع باكستان باستثناء “عودة” كشمير التي تحتلها باكستان إلى الهند. إن هذا النوع من “الغطرسة” سيكون مكلفا للغاية بالنسبة للهند.
وعلاوة على ذلك؛ تقرّ هذه القرارات أيضا بحق هذه الشعوب “في الحصول على جميع أنواع المساعدة المعنوية والمادية وتلقيها”، وذلك ضمن “الممارسة المشروعة لحقها في تقرير المصير”.
ومثل القوى الاستعمارية في الماضي؛ ستخسر الهند -في نهاية المطاف- الحرب المنهكة ضد التمرد الشعبي الثابت. وقد يستغرق هذا عشر سنوات أو حتى 20 سنة أخرى، لكن شعب كشمير البطل -مثله مثل جبال هندو كوش الشهيرة- سيدفن في نهاية المطاف أحلام إمبراطورية الهند الهندوسية.
تشتهر أفغانستان بلقب “مقبرة الإمبراطوريات”؛ فبعد 19 عاما ما زالت الولايات المتحدة تخوض هناك أطول حروبها، وتبحث جاهدة عن مخرج يحفظ لها ماء الوجه. أما بالنسبة إلى الهند فإن نقطة ضعفها القاتلة هي كشمير، وحين يكتب تاريخ الهند الحديثة فمن المحتمل أن يدون فيه أن “التوسعية الهندوسية” لقيت حتفها في كشمير.
لقد تجاوزت حرب الهند في جامو وكشمير المحتلة 70 عاما، خاضتها خلالها قوات احتلال يقدر عددها بنحو سبعمئة ألف جندي، أي سبعة أضعاف أقصى عدد من القوات نشره الاتحاد السوفياتي، أو جنود الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، في أفغانستان في أي وقت.
وبإضافة عشرات الآلاف من الجنود الذين أُرسلوا حديثا إلى كشمير، يقدر البعض العدد بمليون جندي، وهو أكبر حشد عسكري في أي بقعة من العالم. ولن تنتهي حرب كشمير إلا حين تدرك نيودلهي أنها عاجزة عن كسر إرادة الشعب الكشميري، وأنها تضر بالهند ضررا بالغا.
“سيعارض المسلمون الكشميريون بشدة تحويلهم إلى أقلية في وطنهم؛ فقد كان من المفترض أن تتضمن المادة (370) من الدستور الهندي الشروط التي بموجبها كان من المفترض أن يكون مهراجا كشمير قد انضم إلى الهند. ومن خلال إلغاء هذه المادة؛ تكون الهند قد ألغت الحجة القانونية الوحيدة التي تقدمت بها هي نفسها لتبرير مطالبتها بجامو وكشمير”
أولا: ثمة اعتراف واسع بأن احتلال الهند لكشمير غير شرعي، فقد أعاد مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة التأكيد على قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى إجراء استفتاء في كشمير، بينما يخالف الموقف الهندي هذه القرارات.
ويمكن أيضا التأمل في الطريقة التي عوملت بها قيادات المعارضة الهندية ومُنعت من دخول كشمير. فلو لم يكن لدى الهند ما تخفيه، فلماذا ترفض سماع آراء معارضيها ومواقفهم؟
سيقاوم المسلمون الكشميريون بقوة تحويلهم إلى أقلية في أرضهم؛ فالمفترض أن المادة (370) من الدستور الهندي كانت تحوي الشروط التي انضم بموجبها مهراجا كشمير إلى الهند. وبإلغاء هذه المادة تكون الهند قد أسقطت الحجة القانونية الوحيدة التي ساقتها بنفسها لتبرير مطالبتها بجامو وكشمير. ووفق المعيار القانوني الهندي ذاته، فإن كشمير اليوم تحت احتلال واضح.
ثانيا: أوصدت حكومة ناريندرا مودي كل الأبواب أمام تسوية سلمية تفاوضية للنزاع، فرفضت الحوار الثنائي مع باكستان كما رفضت وساطة طرف ثالث. وبعد خطواتها الأحادية في 5 أغسطس/آب الماضي، تقول الهند إنه لا شيء تتفاوض عليه مع باكستان سوى “عودة” كشمير التي تحتلها باكستان إلى الهند. وهذا النوع من “الغطرسة” سيكلف الهند ثمنا باهظا.
وتبلغ غطرسة الحكومة الهندية حدا لا تفكر معه حتى في علاقة تفاوضية مع الكشميريين، الذين سيحكمهم الآن مباشرة أتباع دلهي. وقد اختارت الهند بوضوح الحل العسكري، فيما يواجه المسلمون الكشميريون تهديدا وجوديا. وسيرفض المسلمون الكشميريون بشدة أن يصبحوا أقلية في وطنهم على يد مستعمرين هندوس، ولا خيار أمامهم سوى تصعيد نضالهم من أجل الحرية.
إن الخطة الفاشية لحزب بهاراتيا جاناتا (الحاكم في الهند) لفرض “حل نهائي” بتغيير التركيبة الديموغرافية لكشمير ستقود إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وللقوانين الإنسانية، وقد تفضي إلى إبادة جماعية في كشمير المحتلة.
وقد حذرت منظمة مراقبة الإبادة الجماعية غير الحكومية المعروفة بـ”جينوسايد ووتش” من أن مسؤولية القتل الجماعي والإبادة الجماعية التي يتحملها “هندوس هتلر” ستجعل الهند دولة منبوذة عالميا، وتمزق نسيجها الاجتماعي، وتضعف قدرتها على الاحتفاظ بكشمير.
“كما ذكرت منظمة مراقبة الإبادة الجماعية غير الحكومية المعروفة بـ”جينوسايد ووتش” في تحذيرها بشأن كشمير؛ فإن المسؤولية عن القتل الجماعي والإبادة الجماعية من جانب “هندوس هتلر” ستحول الهند إلى دولة منبوذة على المستوى العالمي، وستتسبب في تمزيق نسيجها الاجتماعي، وفي إضعاف قدرتها على التمسك بكشمير”
ثالثا: إن غطرسة الهند وعداءها وعنصرية “هندوتفا” والمعاناة الواضحة التي فُرضت على الشعب الكشميري، جعلت من باكستان حليفا جريئا للنضال الكشميري من أجل الحرية. وعادت كشمير لتعلن قضية أساسية لباكستان. وقلصت إجراءات حزب بهاراتيا جاناتا بصورة جذرية الأمل داخل باكستان في تطبيع العلاقات مع الهند وفي حل نزاع جامو وكشمير عبر المفاوضات.
وسيولد القمع الهندي الأخير، والقمع المتوقع لانتفاضة كشمير، ضغطا داخليا كبيرا على الحكومة الباكستانية كي تدعم النضال الكشميري من أجل الحرية. وسيكون هذا الدعم مشروعا تماما؛ فمبدأ الاستفتاء الذي نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 47 لعام 1948، وما تلاه من قرارات، يجسد الاعتراف القانوني بحق شعب جامو وكشمير في تقرير المصير.
وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارا، في القرار 2649 لعام 1970 وفي قرارات لاحقة عديدة، شرعية كفاح الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية والأجنبية، وحقها في تقرير المصير و”في استعادة هذا الحق بأي وسيلة كانت بما في ذلك الكفاح المسلح”.
وفضلا عن ذلك، تعترف هذه القرارات كذلك بحق تلك الشعوب “في الحصول على جميع أنواع المساعدة المعنوية والمادية وتلقيها”، في إطار “الممارسة المشروعة لحقها في تقرير المصير”.
وأيا كان ما ستفعله باكستان، فالأرجح أن تتهمها الهند بـ”الإرهاب عبر الحدود” وتلوح باستخدام القوة، بل بشن ضربات جوية و/أو توغلات عسكرية. ويدرك العالم اليوم تماما أن الصراع الباكستاني الهندي قد يتحول إلى حرب كارثية ببعد نووي. ولتفادي ذلك، يُرجح أن يلجأ أعضاء مجلس الأمن ودول ومؤسسات دولية أخرى إلى إجراءات وقائية.
وستسعى القوى الكبرى والأمم المتحدة إلى إقناع الهند بالتراجع عن مسارها والانخراط في عملية سلام ذات مصداقية مع باكستان والشعب الكشميري. وفوق ذلك يحتاج الكشميريون وباكستان إلى دعم دول خليجية، وخصوصا قطر والكويت وعمان، لكبح رئيس الوزراء الهندي مودي المولع بالسلطة.
فمودي ومقربوه (مثل آميت شاه وأجيت دوفال) في المنظمة القومية الهندوسية (“راشتريا سوايا ميسفاك سانغ” التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها المنظمة الأم لحزب بهاراتيا جاناتا الذي يتزعمه مودي) على قناعة بأن قمع الكشميريين والاعتداء على باكستان استراتيجية رابحة داخل الهند.
“ومثل القوى الاستعمارية في الماضي؛ ستخسر الهند -في نهاية المطاف- الحرب المنهكة ضد التمرد الشعبي الثابت. وقد يستغرق هذا عشر سنوات أو حتى 20 سنة أخرى، لكن شعب كشمير البطل -مثله مثل جبال هندو كوش الشهيرة- سيدفن في نهاية المطاف أحلام إمبراطورية الهند الهندوسية”
ومن المرجح أن يتجاهل هؤلاء النداءات إلى ضبط النفس والحوار، بل سيزدادون جرأة مع منح الإمارات، في تصرف مخز، جائزة لمودي المتهم بارتكاب مذابح بحق المسلمين. وقد يغري المجتمع الدولي حينها أن يسلك الطريق “الأسهل”، وهو إجبار باكستان على الكف عن مساعدة كفاح الحرية في كشمير، وعلى القبول بـ”الواقع” الهندي المفروض عليها في جامو وكشمير المحتلة.
ومع ذلك، وخلافا للحكومات السابقة، فإن القيادة الباكستانية الحالية، ولا سيما في عهد رئاسة عمران خان، لن ترضخ لهذا الإكراه. ويتنامى الشعور في إسلام آباد وفي العالم بأن استراتيجية حزب بهاراتيا جاناتا البغيضة سترتد عليه على الأرجح، وتفضي إلى تمرد كشميري أصيل كبير يصعب هزيمته.
وإذا لجأت الهند إلى التهديد أو استخدام القوة فلدى باكستان ثقة متجددة بقدرتها على تحييد نيودلهي عند الحاجة، عبر ردع نووي ذي مصداقية. ومن المحتمل أن يتحول احتلال الهند الطويل لكشمير إلى مستنقع شبيه بأفغانستان، يضعف معنويات القوات المسلحة الهندية، ويشطر نظامها السياسي، ويستنزف اقتصادها.
وكما فعلت القوى الاستعمارية في الماضي، ستخسر الهند في النهاية حربها المنهكة ضد تمرد شعبي راسخ. وقد يستغرق الأمر عشر سنوات أو حتى 20 سنة أخرى، لكن شعب كشمير البطل -مثل جبال هندو كوش الشهيرة- سيدفن في النهاية أحلام إمبراطورية الهند الهندوسية.
—————————————–* منير أكرم هو سفير باكستان السابق لدى الأمم المتحدة.* فرحان مجاهد تشاك هو أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة قطر.
المصدر : الجزيرة







