أمي! لا أنساك أبد الدهر

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

بقلم : سماحة الشيخ محمد تقي العثماني

الترجمة : معصوم بالله غلزار

كانت أمي المحترمة (نفيسة خاتون) – أمطر الله عليها شآبيب الرحمة للأبد – أما مثالية وربة البيت النموذجية ، وهي من بنات إحدى القبائل الأنصارية بديوبند ، كانت معتنية كل الاعتناء بأداء ما كان يتوجب عليها في رفاقة الوالد الموقر ، ولم تغفل عن القيام بمسئولياتها وواجباتها لا في الشتاء القارس ولا في الصيف اللافح ، علاوة على ذلك كانت بمثابة عالية من العبادة والزهد والورع والتقى ، لم تقض من تلاوتها وعباداتها ونوافلها شيئا مَّا ما بقيت على قيد الحياة وما دامت تتمتع بقوة الشعور والإحساس .

بل فوق ذلك إنها كانت ينبوع الحنان والمودة ومنبع العطف والشفقة ، وظلَّتْ حياتها متوقِّفةً لمصالحنا ومحبوسة لمنافعنا ، ضحَّتْ أفراح حياتها لأجل أن تجلب لنا أفراحنا وسعادتنا ، وبالرغم من رحمتها التي وسعت كل أولادها على السواء كان نصيبي من رقَّتها وتعطُّفها أكثر من الغير : وذاك من جراء أنني كنت أصغر من كل أحد حتى أنها كانت تُناولني الطعام بيدها إلى وقت طويل، فلم أكن آكل الطعام حتى تلقمه ثم تقدمه هي بيدها إلى فمي ، ومن ذلك لا تخرج ميممة شطر بيت أحد من الأقرباء والأحباء إلا وتأخذني معها فحيثما كانت تسافر تسافر معي وحيثما كانت تحلّ تحلُّ بي .

آنذاك لم يكن بوسعنا أن نتصور المركبات المسوقة بالمحرَّكات أوالماكينات : إذ كانت المنطقة التي كنا نسكن فيها منطقة ريفية وقروية ، فمن لم يخرج في حياته من قرية ديوبند لا غرابة عنه بأنه لم ير قط مركبات الماكينة ، وكانت مركبات القرية مجرد عربات الخيل ، والناس في ذلك الزمان يقطعون طرقات القرية في حدودها الداخلية بهذه العربات البطيئة السير ، وبجانب آخر كانت هذه العربات تختص بالرجال فلا تركب نساء المسلمين عليها ، بل فوق ذلك يعدُّ من العيب أن يركبن عليها ولو كنَّ متحجاب ، وعندما كانت الحاجة تمسُّ إلى السفر تجاه مكان بعيد يشق الوصول إليه بدون الركوب على عربات الخيل، عندئذ كانت النساء يسافرن والعربات محجوبة بالأستار، ثم يدخلن فيها وهن متحجبات .

كانت العادة إذ ذاك استخدام التحتروان ، وذاك لأجل النقل من قرية إلى أخرىها، وهذا التحتروان كان مشتهرا بين أهل ديوبند باسم " دولي " ، يحمله الحاملون والخدمة على كواهلهم ، - وهؤلاء الرجال كانوا يُدْعون باسم "كاهار " باللغة الأردية " ، في البداية كان الحمالون يضعن التحتروان في داخل الغرفة التي تريد صاحبتها السفر إلى مكان بعيد ، ثم يخرج هؤلاء الرجال من ذاك البيت ، إلى أن تركب المرآة على التحتروان في حين غياب من الحمالين ، فيحملونه على كواهلهم ، وقد شاهدنا مرارا أن المرأة ربما تضع حجرة ، لئلا يتمكن الحمالون من أن يقيسوا ثقل المرأة ، وأن لا يصلوا إلى هويتها ، إلا أنها لما كانت تصاحب صغيرها معها لا تمس الحاجة إلى وضع الحجارة، وعندما كانت أمي تريد الذهاب إلى بيت أبيها لا أفتؤ أصاحبها ، فهي تُجلسني معها ، وبما أن الستور كانت تسيطر التحتروان من كل جانب لم يكن بوسعنا أن نرى المكان الذي نمر به أو أن نفهم ما يدور حوالينا من الأشجار والأنام ، ومن المركبات والماكينات ، غير أننا كنا نتمتع باهتزاز التحتروان وتحركاته ، فكلما كانت تسنح لنا مثل هذه الفرصة المرموقة كنا نردد مقالنا : سنقوم بنوبة رائعة ، سنستمتع بركوب التحتروان .

اترك تعليقاً