الروهينغا في بنغلاديش.. من الترحيب إلى التضييق (الأناضول)
بعد المحاولة الفاشلة لإعادة لاجئي الروهينغا إلى ديارهم في ميانمار في أغسطس/آب الماضي، شرعت بنغلاديش في تشديد الضغط على هذه الفئة المضطهدة.
وقال وزير الدولة البنغلاديشي للشؤون الخارجية شهريار عالم للأناضول إن “دكا” قد لا تظهر مرونة في التعامل مع أزمة الروهينغا مستقبلا، وانتقد المجتمع الدولي لأنه لم يبدِ اهتماما كبيرا بالمساعدة على حل مشكلتهم.
وأضاف الوزير: “حتى الآن، فشل المجتمع الدولي في زيارة قرى ولاية راخين (أراكان) غربي ميانمار، التي فر منها الروهينغا، لكنه يعمل بشكل عشوائي في بنغلاديش”.
وتابع: “تساعد بعض المنظمات غير الحكومية ووكالات الإغاثة، الروهينغا على التسلل للإقامة في ميانمار، بشكل يتجاهل القوانين والقواعد القائمة في البلاد (..) يجب أن نتخذ موقفا أكثر صرامة حيال ذلك”.
وأردف: “يجب أن يكون للدولة المضيفة الحق في اتباع قواعدها ولوائحها الخاصة في تنظيم عملية إيواء أكثر من مليون لاجئ”.
ومضى بالقول: “بنغلاديش دولة مستقلة وذات سيادة، لكننا نواجه تحديات في الحفاظ على قانوننا ونظامنا. إذا كان لدينا أي إشكاليات ناتجة عن الروهينغا، فيجب علينا اتخاذ موقف أكثر صرامة”.
يُذكر أن بنغلاديش فتحت أبوابها أمام الروهينغا المضطهدين إثر حملة عسكرية وحشية شُنّت في ولاية أراكان غربي ميانمار في أغسطس/ آب 2017.
ووفقا لتقرير صادر عن “وكالة أونتاريو للتنمية الدولية” (منظمة غير حكومية مقرها كندا)، “قُتل قرابة 24 ألف مسلم من الروهينغا على أيدي القوات الحكومية في ميانمار، واعتُقل أكثر من 34 ألفا، وتعرض ما يزيد على 114 ألفا آخرين للتعذيب والضرب منذ بدء حملة القمع الأخيرة”.
وأورد التقرير أن “نحو 18 ألفا من نساء الروهينغا تعرضن للاغتصاب على أيدي عناصر من الجيش والشرطة في ميانمار، وأُحرق أكثر من 115 ألف منزل وهُدم 113 ألفا”.
غير أن موقف الوزير البنغالي الداعي إلى تشديد الإجراءات ضد الروهينغا يختلف عن الموقف الأول الذي اتخذته السلطات في معالجة الأزمة.
ففي سبتمبر/ أيلول 2017 زارت رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد مخيمات الروهينغا في منطقة “كوكس بازار” الحدودية جنوبي بنغلاديش، وأعربت عن تعاطفها مع اللاجئين.
وقالت رئيسة الوزراء لوسائل إعلام محلية بعد زيارتها أحد المخيمات: “تم حرق منازلنا أيضا في 1971 (أثناء حرب التحرير).. فر شعبنا إلى الهند عندما لم يكن لديه مكان يذهب إليه. لذلك، نحن نفعل كل ما في وسعنا لمساعدة الروهينغا”.
وخلال حرب التحرير في بنغلاديش عام 1971 لجأ 10 ملايين من الهندوس والمسلمين إلى الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وقصد معظمهم ولايات البنغال الغربية وتريبورا وآسام وميغالايا، لكنهم عادوا جميعا تقريبا إلى ديارهم بعد انتهاء الحرب.
وفي 14 سبتمبر 2017 قالت الشيخة حسينة أمام برلمان البلاد: “إذا لزم الأمر، فسنشاركهم (الروهينغا) طعامنا”.
وتقديرا لهذا الكرم اللافت الذي أبدته حسينة، لقّبتها القناة الرابعة في المملكة المتحدة بـ”أم الإنسانية”.
** موقف مغاير
لكن بعد إخفاق مبادرة 22 أغسطس 2019 الرامية إلى إعادة 3450 روهنغيًا إلى ميانمار، يبدو أن بنغلاديش بدأت تغيّر موقفها.
فقد طالب النازحون بحقوق المواطنة وبضمان سلامتهم تحت إشراف المجتمع الدولي، قبل إعادة توطينهم في مناطقهم الأصلية في ولاية أراكان التي هربوا منها.
وخلال أسبوع واحد، منعت بنغلاديش 41 منظمة غير حكومية من ممارسة أي نشاط في مخيمات الروهينغا، متهمة إياها بالانخراط في “ممارسات خاطئة”.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أمرت الحكومة البنغالية بحظر خدمات الهاتف المحمول وبيع بطاقات تشغيل الخطوط في مخيمات اللاجئين، في محاولة لقطع الاتصالات عن مئات آلاف المسلمين الروهينغا.
وفي الوقت ذاته، اقترح الجيش البنغالي إقامة سياج شائك حول مخيمات الروهينغا في كوكس بازار “لأسباب أمنية”.
وقال المقدم محمد عبد الله بن زايد، مدير الجناح الإعلامي للجيش البنغالي، للأناضول: “لقد طُرح هذا الاقتراح في اجتماعات حكومية مختلفة بناءً على حاجة واضحة”.
ففي 4 سبتمبر الجاري كشف الجيش البنغالي، في اجتماع لقياداته، أنه من بين 1.2 مليون لاجئ روهنغي يقيمون في 31 مخيما مؤقتا هناك 400 ألف طفل ـ تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما ـ لا يتلقون أي تعليم، ويشكلون تهديدا ليس للبلاد وحدها بل للمنطقة بأسرها.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن الفريق محفوظ الرحمن، المسؤول بالجيش، قوله “بالنظر إلى هذا الوضع، سينتشر الأطفال في جميع أنحاء بنغلاديش، وقد تحاول المنظمات الإرهابية الدولية استغلالهم لخدمة مصالحها”.
وأفادت تقارير محلية خلال الأسابيع الماضية بأن السلطات اعتقلت عشرات الروهينغا في أنحاء متفرقة من البلاد بعد اتهامهم بالحصول على جوازات سفر وبطاقات هوية بنغالية بطريقة غير قانونية.
** دعوة إلى رفع القيود
لكن الإجراءات الأخيرة التي تواصل بنغلاديش تنفيذها ستسيء على ما يبدو إلى صورة الشيخة حسينة “أم الإنسانية” أمام المجتمع الدولي.
ففي بيان صدر مؤخرا، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” حكومة بنغلاديش إلى “إنهاء القيود المفروضة على حرية تنقل لاجئي الروهينغا، والوصول إلى الإنترنت، والاتصالات عبر الشبكة العنكبوتية”.
ويرى رضوان صديقي، وهو صحفي محلي بارز، أن بنغلاديش لن تقدر على الاحتفاظ بـ1.2 مليون روهنغي مدة طويلة.
وقال صديقي للأناضول: “إذا حاولت بنغلاديش الآن استيعاب 1.2 مليون روهنغي على أراضيها لفترة طويلة، فإن الهند ستحاول طرد 1.7 مليون من البنغال غير المسجلين، من ولاية آسام، حيث وصفت نيودلهي مؤخرا هذا العدد من الأشخاص بأنهم بنغاليون غير شرعيين”.
ومع ذلك، ترى مجموعة مدافعة عن حقوق الروهينغا أن الإجراءات الأخيرة “حيلة من حكومة بنغلاديش، لنقل اللاجئين إلى جزيرة نائية على خليج البنغال”.
من جانبه، قال آر عبد الرشيد، الأمين العام لمنظمة التضامن مع الروهينغا: “ينبغي للحكومة البنغالية أن تضغط على ميانمار لتسهيل بيئة يعود فيها الروهينغا إلى بلادهم بشكل آمن، بدلا من أن تضغط على اللاجئين”.
وقد أنشأت بنغلاديش ملاجئ لنحو 100 ألف روهنغي في باشان تشار، وهي جزيرة تبعد نحو 40 كيلومترا عن أقرب ساحل في منطقة نواخيلي، جنوب بنغلاديش.
وأُرجئ نقل الروهينغا إلى تلك المنطقة بسبب الانتقادات والضغوط التي مارستها جماعات حقوقية محلية ودولية على الحكومة.
المصدر : وكالة الأناضول
