| | | | |

الشيخ الدمشقي سعيد الطنطاوي.. عالم موسوعي من السلف عاش في زماننا

مجد مكي

غادرنا بيت الشيخ المتواضع ومجلسه العلمي العامر ونحن في غاية الغبطة والسرور، فقال لي شيخنا العلامة عبد الفتاح أبو غدة: “هذا الرجل كان في قافلة بالقرن الهجري الثاني أو الثالث، ونسوه وتركوه، لنرى نموذج السلف بأعيننا في هذا الزمان”.

وبعد رحيله يوم الثلاثاء 24 سبتمبر/أيلول الجاري، بعث إليّ صديقه الأستاذ الحقوقي هيثم المالح بأنه “لا يبعد كثيرا عن أبي ذر الغفاري، كان زاهدا عابدا كريما، يقدم اللحم لضيوفه وإن كان هو لا يأكله، فقد كان نباتيا في طعامه، متقشفا في بيته، لم تجرفه الدنيا كما جرفتنا”.

فمن يكون هذا العالم الجليل الذي لا يعرفه اليوم جمهور المثقفين؟ وما سبب هذا الجهل به؟

إنه الشيخ الدمشقي المعمّر، العابد الزاهد الأديب المؤرِّخ الفيزيائي الكيميائي المربي، محمد سعيد بن مصطفى الطنطاوي، الذي فضّل أن يقضي حياته منقطعا بين بيته والمسجد وسط كتبه، بعيدا عن الأضواء الإعلامية، مع أنه كان يتابع مجرياتها ويعلم أحوالها.

وُلد سعيد الطنطاوي -الأخ الأصغر للشيخ علي الطنطاوي- في دمشق سنة 1924، وفقد أباه وهو رضيع في شهره الثالث، ثم فقد أمه -رئيفة الخطيب، شقيقة الأديب والداعية الإسلامي المعروف محب الدين الخطيب- وهو ما يزال في السابعة من عمره، فتربّى في كنف أخيه الأكبر الشيخ علي الطنطاوي وتحت رعايته.

ذكريات يقول علي الطنطاوي في ذكرياته “وأما سعيد فكنت أنا العاملَ الوحيد في تربيته الدينية والسلوكية والثقافية، صنعتُ له -والفضل لله لا لي- أكثرَ مما صنع لي أبي رحمه الله، كان أبي مشغولا أحيانا عني، وكنت أنا دائما معه، وسيَّرني أبي في طريق العلم فقط، وسيَّرته في طريق العلم وطريق الأدب معا، حتى صار في يوم من الأيام كأنه صورةٌ مني، ونسخةٌ عني”.

ومن طرائف هذا التشابه التي يحكيها الشيخ علي أنه مرض ذات مرة وكان مطالبا بتسجيل برنامج إذاعي، “فنزل (سعيد) إلى الإذاعة فقرأ حديثي عني، فما شكَّ أكثر السامعين أنه أنا، وإن أنكروا منه بعض الرقَّة في الصوت، وبعض الرِّخاوة في الإلقاء”.

دراسته ونبوغه أتمّ سعيد الطنطاوي المرحلة الابتدائية في دمشق، ثم غادر مقاعد الدراسة وهو في الصف الثاني المتوسط ليتفرغ للقراءة والمطالعة والحفظ، ومع ذلك نال شهادتي المرحلتين المتوسطة والثانوية عن طريق الدراسة الحرة.

ويحكي المفكر الداعية السوري منير الغضبان -في مقال كتبه عنه- أنه قال له “تركت المدرسة في الصف الثاني المتوسط، وبعد سنة قررت أن أتقدّم إلى امتحان الشهادة الإعدادية بالنظام الحر، فاستعرت كتاب الأدب للصف الثالث الإعدادي، ولم أفتح إلا فهرسه الأخير الذي استعرض أسماء الشعراء والكتاب ونماذج من شعرهم، وأحضرت دفترا، ورحت أشتري ديوان كل شاعر وأقرأ وأختار من شعره وأحفظه منذ امرئ القيس إلى شوقي. لقد كنت غارقا في الشعر في كل خلية من خلايا جسمي”.

وعن ولعه المبكر بالشعر وتمكّنه منه يقول “لم أكن في الصف الخامس الابتدائي أكتب موضوعا للإنشاء إلا شعرا، وأحيانا أكتب الموضوع الواحد لزملائي بقصائد مختلفة”.

ولعل شغفه الكبير بالقراءة وتعلقه بالشعر ثمرة لاهتمام أخيه الشيخ علي به وللخطة التي رعاه بها، إذ يقول في ذكرياته “اشتريتُ له قصَّة عنترة في ثماني مجلَّدات، وهي موضوعة وأشعارها مصنوعة، ولكنَّ فيها أخبارَ الجاهلية كلَّها، وفيها أسماء أبطالها، وأنباء رجالها، وكان ذكيًّا من أذكى الناس، فحفظ أخبارها وأشعارها، ثم جئته بفتوح الشام المنسوب إلى الواقدي، ثم خلَّيت بينه وبين المكتبة فقرأ وقرأ”.

سيرته المهنية عمل الشيخ سعيد الطنطاوي بعد تخرجه في التدريس، وترك أثرا بالغا في طلابه، فقلّما كان يجلس في غرفة المعلمين، بل كان يستثمر أوقات الراحة في إرشاد تلاميذه ونصحهم ومناقشتهم في قضايا الفكر والعلم.

وكان يختار منهم من يرى فيه خيرا ويصحبهم في رحلات أسبوعية إلى المتنزهات القريبة من دمشق والقرى المحيطة بها، مشيا على الأقدام أو على الدراجات، يقضون الوقت معا بين الرياضة والعبادة والوعظ والتوجيه، كما كان يعقد لهم دورات علمية وتربوية يعلّمهم فيها الفقه والتفسير والحديث والسيرة، وهو في الأصل مدرّسهم لمادتي الكيمياء والفيزياء.

اشتهر بجدّه ومثابرته وحرصه على طلابه وتعليمهم، ومع ذلك كان يتغيب كل عام عن التدريس عشرة أيام، هي العشر الأواخر من رمضان، إذ يقضيها معتكفا في المسجد. وظلّ على هذه الحال طوال عشر سنوات هي مدة عمله في التدريس بسوريا، إلى أن هيمن حزب البعث على الوزارة وصدر قرار فصله عن ثلاثة وزراء.

وفي أوائل الستينيات، حين استتبّ الأمر لحزب البعث في سوريا، خرج الشيخ إلى لبنان ومكث فيها مدة، ثم انتقل إلى المملكة العربية السعودية، وقضى معظم عمره فيها مجاورا في مكة المكرمة.

قضى سنوات عمله التعليمي في السعودية متنقلا بين المدارس والوظائف، وبلغ بجدارة أرفع المناصب الاستشارية، وكان له مع صديقه المربي الشيخ عبد الرحمن الباني أعمق الأثر في السياسة التعليمية بالمملكة.

وقال يوما لصديقه الأستاذ محمد منير غضبان: “أمضيت ثلاثين عاما في السعودية، وتنقلت في الوظائف، وسُرّحت من العمل، وأُعدت إلى العمل، ونقلت كفالتي مرات ومرات، ولكني أخبرك بأني لم أتقدم بطلب واحد طيلة أعوامي الثلاثين إلى دائرة حكومية أو غيرها، ولم أقف بباب دائرة حكومية”.

جهوده وآثاره من أبرز جهوده الدعوية في سوريا تأسيسه مسجد جامعة دمشق بهمّته ومتابعته وإشرافه، وقد صار المسجد مقصدا لأهل دمشق من كل أنحائها، يخطب فيه كبار الشخصيات الإسلامية السورية مثل عليّ الطنطاوي ومصطفى السباعي وعصام العطار، إضافة إلى الشخصيات الزائرة لسوريا مثل سيد قطب وسعيد رمضان وأبي الحسن الندوي.

ومع سعة علمه الموسوعي فإن مؤلفاته المطبوعة لا تعكس ذلك، لأنه انصرف إلى تربية الأجيال وتعليمهم وإصلاح مناهج التعليم وتقويم الكتب ومراجعتها أكثر من انصرافه إلى التأليف، ولا يزال معظم أعماله العلمية غير مطبوع ومحفوظا في مكتبته.

فقد حقّق كتاب “رحلة الشتاء والصيف” لمحمد بن عبد الله الحسيني (ت 1070 للهجرة)، وله عدد من البحوث الصغيرة التي نشرتها لجنة مسجد جامعة دمشق، منها “هل في الشرِّ خير؟”، و”من الظُّلمة إلى النور”، و”عزُّ الدين القسَّام”، و”عبد الحكيم الأفغاني”، و”14 ربيع الأوَّل”، و”شمس الأئمَّة السَّرَخْسيُّ ذاكرةٌ مدهشة ومكتبةٌ متنقِّلة”، وغيرها.

وبدأ الشيخ مشاريع علمية كثيرة لم يُتمّها، منها مشروع يتصل بتاريخ مكة المكرمة، خطط له ليكون ذيلا وافيا على كتاب “العقد الثمين” للتقي الفاسي، كما أن له تصحيحات نادرة على معظم الكتب التي قرأها.

ولعل أعظم ما خلّفه الشيخ سعيد الطنطاوي هو تربيته للأجيال بأسلوبه المتميز، فما التقى به أحد إلا أفاد منه علوّ الهمة والاعتزاز بالإسلام والحرص على السنة، وما قابلت أحدا من الذين عاصروه في الخمسينيات والستينيات في دمشق أو بيروت، أو بعد ذلك في الرياض أو الطائف أو مكة أو جدة، إلا حدّثني عن مواقف مؤثرة وكلمات طيبة تركت أثرا عميقا في حياته وسلوكه.

وكتب عنه تلميذه الدكتور حسان الطيان “ما أعلم أني حُدّثت عن عالم متفرد في نمط علمه وتفكيره وطباعه كالشيخ سعيد الطنطاوي رحمه الله… ولو شاء أن يكون كلامه كله شعرا لكان، وقد بلوت منه ذلك حين لقيته فما إن سمع باسمي حتى استقبلني بأبيات نظمها للحظته”.

وفاته توفي الشيخ محمد سعيد الطنطاوي في تمام الساعة الواحدة والربع من ظهر يوم الثلاثاء 24 سبتمبر/أيلول 2019 في مستشفى فقيه بمدينة جدة، وصُلي عليه بعد فجر يوم الأربعاء في المسجد الحرام، ودُفن في مقبرة المعلاة بمكة المكرمة.

ونعاه خليله وصديقه الداعية الإسلامي عصام العطار فقال “بلغني الآن وأنا في شدة المرض والألم نبأ وفاة أخي وصديقي على امتداد حياتي وفي مختلف ظروفي وأحوالي محمد سعيد الطنطاوي. لا يعرف قيمة هذا الفقيد العظيم إلا من عرف الحياة وعرف محمد سعيد الطنطاوي في واقع الحياة. أنا لا أعرف فيمن عرفت في هذه الدنيا أعبد من محمد سعيد الطنطاوي، ولا أزهد منه ولا أكرم ولا أشجع”.

المصدر : الجزيرة

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *