الخطيب الأعظم الشيخ مولانا صديق أحمد -رحمه الله- البنغلاديشي 1903-1987

ومآثره في مجال التعليم، والدعوة، والسياسة

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

إعداد: د. محمد رشيد زاهد

تمهيد:

لقد كان الشيخ صديق أحمد – رحمه الله تعالى – من العلماء الأفذاذ، والدعاة الصالحين، والمرشدين السياسيين الربانيين الذين امتازوا عن أقرانهم بخصائص عديدة من الأعمال الدينية، والخدمات الاجتماعية والإنسانية، والمآثر التعليمية والدعوية والسياسية والإصلاحية، وتأليف الكتب، وإلقاء المحاضرات القيمة، والمواعظ البليغة، وإنشاء المراكز التربوية، والرحلات الدعوية داخل الدولة وخارجها.

ولادته ونشأته:

ولد الداعية الإسلامي صديق أحمد – رحمه الله تعالى – بقرية «بريتلي» الواقعة في صكريا بمحافظة كوكس بازار عام 1903م، في أسرة شريفة ونبيلة ذات منزلة وفضل وعلم وصلاح وتقوى. وكان والده الشيخ وجيه الله ميانجي(1)، واسم جده محمد عبد الله ميانجي، واسم والدته زبيدة خاتون(2).

تلقيه العلوم والمعارف:

تلقى الشيخ علومه الابتدائية والعصرية في مدارس قريته ومنطقته، ثم التحق بالجامعة الأهلية بهاتهزاري، ونال شهادة دورة الحديث (ما يعادل الماجستير في الحديث) بتفوق وامتياز، ثم سافر إلى الهند لحصول العلوم العالية، والتحق بجامعة مظاهر العلوم سهارنفور عام 1926م، وأحرز شهادة دورة الحديث مرة ثانية، ثم التحق بأزهر الهند جامعة دارالعلوم ديوبند عام 1929م، لنيل الشهادة العالية في فلسفة العلوم الإسلامية، والفقه والقانون، وعلم الجدل والمناظرة(3).

خدماته التدريسية:

حصل الشيخ العلوم العالية من مشايخ وعلماء الهند الكبار، وأكمل المراحل التعليمية العالية الموجودة في ذلك العصر، ثم رجع من الهند إلى بلده عام 1930م بعد ما تزود بالعلوم والمعارف الروحية. وبدأ حياته التدريسية كمحدث ونائب المفتي في الجامعة الأهلية دارالعلوم هاتهزاري، حيث كان يدرس فيها الصحيح للإمام مسلم، وسنن أبي داؤد، وسنن الترمذي وغيرها من الكتب المهمة، وبقي يخدم العلوم الإسلامية في هذه المؤسسة التعليمية العريقة حتى عام 1945م.

ثم عمل مدرسا في مدرسة أنوار العلوم بـ«شاهير بيل» الواقعة في صكريا بمنطقة كوكس بازار من عام 1946م إلى عام 1958م. وكذلك درَّس في المدرسة الإسلامية بـ«كاكرا» في نفس المنطقة من عام 1948م إلى 1952م، ثم أسس مدرسة دينية باسم مدرسة فيض العلوم في مسقط رأسه «بريتلي» عام 1953م، وبدأ يدرس فيها، ويدير شؤونها حتى عام 1965م.

وأخيرا لبى دعوة تلميذه الوفي الأعز الشيخ محمد يونس عبد الجبار – رحمه الله – وحضر الجامعة الإسلامية فتية عام 1966م، وتولى منصب شيخ الحديث، يدرس الصحيح للإمام البخاري، وسنن أبي داؤد، والاقتصاد الإسلامي (اسلام كا اقتصادي نظام) للسيوهاروي وغيرها من الكتب المنهجية، وبقي على هذا المنصب الجليل ويخدم الجامعة حتى عام 1983م، ثم أصيب بمرض ممض أقعده في البيت، فوافاه أجله المختوم عام 1987م(4).

أهم شيوخه:

تلقى العلوم على كبار علماء ومشايخ البنغال والهند أمثال الشيخ سعيد أحمد، والشيخ عبد الجليل، والمفتي الأعظم فيض الله، والشيخ عبد الوهاب وغيرهم من علماء البنغال، وتلقى العلوم العالية من الفقه والأدب والفنون العالية من الحكمة والفلسفة على مشايخ وجهابذة ديوبند في الهند، وعلى رأسهم: شيخ المعقولات العلامة إبراهيم بلياوي، والفقيه العلامة المفتي محمد شفيع، وحكيم الإسلام القارئ محمد طيب – مدير دارالعلوم الأسبق – ، وحصل على العلوم العالية في الحديث من مشايخ سهارنفور، وفي مقدمتهم: الشيخ عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن الكانفوري، وريحانة الهند شيخ الحديث زكريا – رحمهم الله جميعا –(5).

كما أنه تربى تربية روحية في ظل حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي- رحمه الله رحمة واسعة-، ومكث عنده عدة أيام، واقتبس من نور عرفانه، وكان لهذه التربية الروحية أثر ملموس في حياته وجهاده وكفاحه. كما أنه حصّل الإجازة الروحية من شيخه المفتي الأعظم فيض الله، والشاه أحمد الرحمن الصورامني بـ«ساتكانيا»(6).

أهم تلاميذه:

إن كثيرا من العلماء الكبار والمشايخ العظام تلمذوا على يديه من أهمهم:

1- سماحة الشيخ الجليل الحاج محمد يونس(رح) مدير الجامعة الإسلامية فتية، شيتاغونغ السابق.

2- فضيلة الشيخ العلامة عبد القيوم(رح) شيخ الحديث للجامعة الأهلية هاتهزاري.

3- فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز(رح) شيخ الحديث للجامعة الأهلية هاتهزاري.

4- فضيلة الشيخ العلامة أبوالحسن(رح) صاحب كتاب «تنظيم الأشتات في شرح المشكاة».

5- فضيلة الشيخ المفتي أحمد الحق(رح) المفتي الأول للجامعة الأهلية هاتهزاري.

6- فضيلة الشيخ نور الإسلام القديم(رح) محدث الجامعة الإسلامية فتية ومديرها السابق.

7- فضيلة الشيخ العلامة المفتي عبد الحليم البخاري، مدير الجامعة الإسلامية فتية، شيتاغونغ حاليا(7).

وفاته:

توفي الشيخ رحمه الله تعالى بعد ما أصيب بمرض ممض بتاريخ 19/مايو 1987م الموافق 20 من شهر رمضان المبارك عام 1407هـ عن عمر يناهز 85 سنة، ودفن في مسقط رأسه – بريتلي – في مقبرة جنب مدرسة فيض العلوم التي كان رحمه الله مؤسسا لها، فنسأل الله المولى الكريم أن يداركه بغفرانه، ويسكنه في فسيح جناته، ويعطيه أهلا خيرا من أهله، ويرفع درجاته في جنات النعيم. آمين يا رب العالمين.

صلتي بالشيخ:

كان كاتب هذه السطور بين الطفولة والصبا، وكان طالبا في إحدى مدرسة قريته – أشرف العلوم جافوا – حيث حصل معه شرف اللقاء والتعارف أثناء حضوره في الحفلة السنوية للمدرسة منذ طفولتي، ومكلفا برعايته وتوفير الراحة له من قبل المدرسة عدة مرات.

وكان – رحمه الله يتأسف كثيرًا على أهل المدارس الأهلية من المدرسين والطلاب، لانعزالهم عن ميدان السياسة وقضايا الأمة الإسلامية، وعدم مساندتهم لحزبه – نظام الإسلام – وتشددهم على المشاركة في حفلة أو مسيرة هذا الحزب الإسلامي. وقال مرة في درس صحيح البخاري معبرا عن أسفه واستغرابه: إننا أعلننا انعقاد اجتماع حاشد في ساحة «لال ديغي» التاريخية بمدينة شيتاغونغ، وشارك الطلاب من المدارس الأخرى وحتى من الجامعة الأهلية دارالعلوم هاتهزاري بكل حيوية ونشاط، ولكن الطلبة الذين اشتركوا من الجامعة الإسلامية فتية عوقبوا بحرمانهم عن التغذية الجارية من قبل المدرسة لأجل المشاركة في الحفلة السياسية!! وكان يقول: «لا يرجى الخير من هؤلاء العلماء الذين يعيشون على العدس».

مرة سأل أحد زملائنا في الصف من الخطيب الأعظم – رحمه الله – في درس صحيح البخاري: لماذا تشترك في حفلة سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) في ساحة «صنوتي»؟ وكان مدعوا في هذه الحفلة، وكذلك سئل: لماذا تشترك في حفلة سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) في عتبة الشاه عبد المالك القطبي؟ وقد سمعنا أنك شاركت هناك في القيام أيضًا!! (وهو القيام المروج في بلادنا والصلاة على النبي قياما).

فأجاب الخطيب الأعظم – رحمه الله – قائلاً: إنني أشترك في مثل هذه الحفلة أي في حفلة سيرة النبي اغتناما للفرصة وحرصا في دعوة المحتشدين فيها إلى الحق؛ لأنه في مثل هذه الحفلة يجتمع ألوف مؤلفة من عامة الناس، والطبقات المثقفة من الطلاب والأساتذة والموظفين، وأصحاب المهن والحرف المتعددة، وأمام هذا الحشد الكبير ألقي المحاضرة القيمة حول البدع والخرافات والتقاليد الباطلة السائدة في أنحاء بنغلاديش، وأرى أن هذه فرصة صانحة لرد الأباطيل، ودعوة الناس إلى الحق، وتوجيههم إلى الرشد والهدى، فلو لم أحضر فمن يدعوهم إلى الحق؟ ومن يبين لهم الضلالة؟ ومن يجترئ أن يعظهم حول البدع المنتشرة فيهم؟

يرى الشيخ أنه من الضروري أن يقوم أصحاب المدارس بتعديل وتغيير جذري في المناهج التعليمية لمدارس بنغلاديش – الأهلية والحكومية – وقد ألف كتابا قيما حول هذا الموضوع باسم «سلسلة تطور المنهج التعليمي لمدارس بنغلاديش» في اللغة البنغالية، ويكتب فيه: إن الوضع الحالي للتعليم العربي وآدابه غير مرضي، ولا ملائم؛ لذلك يحتاج إلى تعديل وإصلاح وتجديد في المناهج الدراسية حسب الظروف الراهنة، واقترح بتوصيات مهمة، ومن أهمها:

- دراسة التفسير والحديث والفقه الإسلامي في المراحل العالية بأهمية بالغة ودراسة متأنية عميقة، ويحس بضرورة شديدة لتكون لغة التدريس اللغة العربية في المراحل العالية.

- وكذلك يؤكد أن يدرس قصص الأنبياء وسيرتهم، وحكايات الصحابة، ودراسة تاريخ تطور التفسير والحديث والفقه الإسلامي، ودراسة حياة أئمة الكبار، وما مارسوا من النواحي المتنوعة في حياتهم، وعلينا أن نعرف تاريخ نشر الإسلام في البلاد المختلفة، وطريقة حكمهم وسياستهم.

- يحس بضرورة تشجيع الشعب، وتربية أفكارهم على القيم الدينية بواسطة دراسة اللغة البنغالية وآدابها التي كتبها الأدباء والمتأثرون بالأفكار الإسلامية.

- ويرى الاهتمام بالأدب العربي، والفقه، والتفسير، الحديث، وعلم الكلام، في المرحلة المتوسطة.

ولابد من الاعتناء بتعليم الأطفال، وتعليمهم القرآن الكريم قراءة وتلاوة على الطريقة الصحيحة بمراعاة علم التجويد في المراحل الابتدائية، وتوسيع دائرة تعليم القرآن في المكاتب وسائر المساجد الموجودة في جميع أنحاء بنغلاديش. ويدرس اللغة العربية ومبادئ علم الرياضة في الجو الإسلامي.

وإذا قام أصحاب المدارس الإسلامية بتطبيق وتنفيذ هذه التوصيات في مدارسهم إلى جانب الاعتناء باللغة العربية فلا تكون تعاليمهم كاملة فحسب بل يبرز الإسلام بصورة قوية، ويخرج علماء عباقرة من المدارس، وتكون لهم القوة في نشر الإسلام، ويزيل عنهم العصبية، والهوان، وضيق النظر. وأن الدين منسجم مع الدنيا؛ لأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يجمع بين مطالب الروح والجسد، وأنه هو دستور الحياة الخالد، ولا يوجد نظيره في الأديان الأخرى.

مؤلفاته العلمية:

لم يكن الشيخ عالما عبقريا وخطيبا بارعا وسياسيا محنكا فحسب بل كان كاتبا قديرا ومؤلفا شهيرا أيضا، قد ألف كتبا كثيرة على الرغم من أنه كان مشغولا بخدمات تدريسية وأعمال سياسية وجولات دعوية في جميع أنحاء البلاد، ومن أهم مؤلفاته:

1- سلسلة تطوير تعليم المدرسة.

2- مسؤوليات العلماء وواجباتهم.

3- ختم النبوة.

4- شأن النبوة في ثمانية أجزاء.

5- معراج النبي – صلى الله عليه وسلم -.

6- مواعظ الخطيب الأعظم.

7- جواب أسئلة المستشار التعليمي.

8- مقابلة مع الصحافيين.

9- أهداف حياة الطلبة (في اللغة الأردية)

10- ختم المرسلين – صلى الله عليه وسلم -.

11- الدعوة إلى الحق(8).

مآثره في مجال الدعوة:

كان الشيخ – رحمه الله – متمسكا بعقيدة السلف الصالح من أهل السنة والجماعة، وهي عقيدة خالصة نقية مستمدة من القرآن والسنة مباشرة دون إفراط وتفريط، وله حظ وافر من حب الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم -. وكان غني القلب بالفيض الرباني، عامر الفؤاد بالتجليات الإيمانية، ويحس في قلبه ذوقا وحلاوة من الإيمان الثابت والحب الصادق، وكان يدعو الناس إلى التمسك بالقرآن والسنة، والرجوع إليهما بالإيمان والعمل، وحب الصحابة وأهل البيت؛ لأنهم أبر الناس قلوبا، وأعمقهم علما، أقلهم تكلفا، اختارهم الله لصحبة نبيه ونصرة دينه من بين سائر الناس.

ويعتقد أن الدعوة الإسلامية هي دعوة عالمية، صالحة لكل بيئة ومجتمع، وكل مصر وعصر إلى يوم القيامة، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين – عليهم السلام – جميعا، ومهمة الصحابة ومن تبعهم من العلماء والدعاة، ويعتقد أن جهود الإصلاح والتجديد مستمرة ومتصلة متسلسلة في تاريخ الإسلام، وأن الدعوة هي مسؤولية كل داع وعالم ولذا قضى حياته في نشر الدعوة الإسلامية واعظا وخطيبا بارعا، وكاتبا ماهرا، وزعيما سياسيا.

اعتدال فكرته:

كان الشيخ – رحمه الله – متصفا بالاعتدال والوسطية في كل شيء، وهي شعار أمة محمد – صلى الله عليه وسلم - حيث قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:١٤٣). ولذا كان يدعو الناس والعلماء إلى الأخذ بالاعتدال والوسطية وعدم الغلو في الدين، وبرفض كافة أشكال الغلو والتشدد والتطرف والعصبية الجاهلية باسم الدين أو باسم الحق؛ لأن الغلو والتطرف والعصبية مرفوض في نظر الإسلام، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»(9).

حرصه على إعداد جيل مسلم غيور على الإسلام:

من الحقائق الناصعة بأن شباب الأمة هم درعها الواقي، وحصنها المنيع، وسندها في الأزمات والنكسات، وسواعدها في الإصلاح والبناء، فإذا أحسنت الدولة والأسرة والعلماء بناء الشباب، وتأصيل الرجولة بالصدق والإخلاص والأمانة وغير ذلك من مكارم الأخلاق، عزَّ جانب الأمة بهم، وأصبحوا أداة فعالة لها أثرها في بناء المجتمع وتأصيل الكيان الإسلامي.

وكان يخاف على الشباب الإسلامي تقليدهم للحضارة الغربية المادية وثقافتها تقليدا أعمى، ويحذرهم إتباعَهم وتقليدهم دون وعي ونظر، كما خاف عليهم الشاعر الكبير السيد أكبر حسين الإله آبادي، وكان يتمثل كثيرا بشعره المشهور ما مغزاه: يا لبلادة فرعون! لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريق إلى قتل الشباب والأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة. وذلك لولوع شباب الكليات والجامعات بتقليد ما يدرس ويلقى عليهم من المحاضرات باسم المعرفة، والتطور، والانفتاح.

دوره في رد البدع والخرافات:

كان الشيخ – رحمه الله – يقوم برد البدع والخرافات السائدة في أنحاء بنغلاديش عن طريق الخطب والوعظ والإرشاد والتلقين، وعن طريق تأليف الكتب وكتابة المقالات، ويعمل لمحو آثار الكفر والشرك والبدع والخرافات، وإبطال عقائد القاديانية، ودحض الأباطيل وآراء القبوريين، ونقد الحضارة المادية الجوفاء عن الروح والإيمان بالله، ويركز العناية على المسلم كي يقضي حياته في ظلال القرآن والسنة بروحه وفكره وشعوره، وعلى بذل قصارى جهوده في سبيل إصلاح العقائد والأعمال في نطاق الفرد، والأسرة، وفي نطاق المجتمع والدولة.

الأمة الإسلامية أمة واحدة ترتبط فيما بينها برابطة الإيمان والدين، لا الجنسية، ولا القومية، ولا الشعوبية، ولا العصبية، قال الله تعالى: ﴿إنَّمَا المُؤمِنُوْنَ إخْوَةٌ...﴾ (الحجرات:10) وقال تعالى ﴿إن هٰذه أمَّتُكُم أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المؤمنون: 52) وقال تعالى: ﴿واعتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيْعًا وَلاَ تَفَرَّقُوْا...﴾ (آل عمران:103) انطلاقا من هذه النصوص القرآنية، والإيمان الجازم بها كان يحرص كل الحرص على جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، ودرء الخلاف والتشاجر فيما بينهم ونبذ الاختلافات الفرعية والسطحية. كل يحبه ويجله لأجل آرائه لجميع المدارس حكومية وأهلية دون تفريق أو ميول مذهبية وطائفية ونزعات عرقية.

وناضل طوال حياته للوحدة والاتفاق بين المسلمين، وبين علمائهم، وكذلك بين الأحزاب السياسية الإسلامية، وبجهوده المضنية تم تكوين كتلة مشتركة بين الأحزاب الإسلامية من حزب نظام الإسلام، وجمعية علماء الإسلام، والجماعة الإسلامية وغيرها من الأحزاب الستة الموجودة في ذلك الوقت، وسميت باسم «الكتلة الديمقراطية الإسلامية»(IDL) بعد استقلال بنغلاديش في عهد الرئيس الراحل ضياء الرحمن.

وكذلك بجهوده الفردية ومشاركة العلماء والمشايخ تكونت جمعية باسم اتحاد الأمة بنغلاديش، لجمع كلمة علماء الإسلام الذين ينتمون إلى مذاهب متعددة ومدارس متنوعة.

شخصية الشيخ – رحمه الله – مليئة بكثير من الفضائل والمزايا التي يصعب حصرها بوريقات، فهو دائما يتطلع إلى مجتمع إنساني ودولة إسلامية قوية يحكم فيها كتاب الله وسنة رسوله، ويقودها العلماء، وهذا التصور الإيماني جعله يتدفق بنشاطات حيوية فعالة نحو تحقيق الهدف المنشور.

وكان مائلا إلى السياسة منذ طفولته، وحينما كان تلميذا في الصف السابع في المدرسة العالية المثالية(High Model School) بشبه مديرية ساتكانيا اشترك في الحركات السياسية، وكان عضوا متطوعا لحركات الخلافة، وحركة عدم التعاون، ثم صار عضوا لجمعية علماء الهند متأثرا بأفكار الشيخ السيد حسين أحمد المدني – رحمه الله – السياسية. وبذلك جهودًا كثيرة لاستقلال شبه القارة الهندية من قوى الاستعمار البريطاني ولإقامة الديمقراطية، والخلافة الإسلامية في باكستان – الشرقية والغربية – بعد انقسام الهند. وبعد إقامة دولة باكستان شارك في «جمعية علماء الإسلام» التي كانت تحت زعامة العلامة شبير أحمد العثماني – رح – بدعوة من العلامة أطهر علي، انتخب رئيسا لحزب نظام الإسلام وجمعية علماء الإسلام في مجلس الولاية، وشارك في انتخاب البرلمان في باكستان الشرقية من حزب نظام الإسلام (أحد الأحزاب المتحدة) في مقعد مهيش خالي وقطبد يا بمنطقة كوكس بازار، وفاز في هذا الانتخاب، وانتخب عضو البرلمان، وقام بنشاطات طيبة وحركات شديدة داخل البرلمان وخارجه لإقامة الديمقراطية والخلافة الإسلامية(10).

يرى الشيخ – رحمه الله – أن الإنسان خلق للعبادة، وتعمير الأرض عبادة، وهذا التعمير لا يتصور من دون الخلافة والنظم والقوانين، إذا كانت هذه من الحقائق المقررة فهناك خطوة تالية نحو الأمام، وهي أن لا خلافة من دون عقل، ولا عقل بلا وحي، فهذه كلها تترابط جوهريا بعضها مع الآخر، ولم يختلف فيه إلا بتصور قاصر وعقلية مبتورة، وكذلك يعتقد بأن المحاولة لإقامة حكم الله في الأرض هي من العبادة، وأن المناضلة والمكافحة لإقامة العدل والمساواة والتمييز بين الحق والباطل هذه من مسؤوليات حياته، وكان يتمني أن يترقى المسلمون البنغاليون المتخلفون في ميدان السياسة والاقتصاد. ولم يطمع قط في الرئاسة والثروة. وكان من معاصري كبار السياسيين في البلاد أمثال حسين الشهيد السهراوردي، وفيلد مارشل أيوب خان، والشيخ مجيب الرحمن، والرئيس السابق جنرال ضياء الرحمن وغيرهم، وقد ساهم معهم في السياسة، والرئيس ضياء الرحمن دعاه للانضمام إلى مجلس وزرائه، ولكنه رفضه رفضا قاطعا(11).

كان الشيخ – رحمه الله – عضوا هاما في مجلس النواب عام 1956-1957م، وقد اقترح على الناطق باسم البرلمان بعدة مطالبات، منها: منح الأوقات للصلاة، فقال: «صاحب السعادة! أؤكد مع الأسف الشديد أن أعضاء البرلمان كلهم قد فاتتهم صلاة المغرب لعدم منح فسحة لأداء الصلاة أثناء دورة البرلمان، وعساك تعلم أن المسلم المتلزم يؤثر صلاة واحدة على سائر نعم الدنيا، من فضلك أصدر قرارات إلى سكرتير البرلمان بشأن إعلان مواقيت الصلاة، فلعلك لا تجد فرصة النظر إلى الساعة حيث إنك مشغول. وكذلك دعا البرلمان إلى الموافقة على الإكثار من المشاريع لتطوير المدرسة العالية بدكا، والموافقة على إقامة السد في نواحي جزيرتي مهيش خالي وقطبديا.

الخاتمة:

من خلال دراسة حياة هذا الإمام الجليل وصلنا إلى النتائج الآتية:

·كانت شخصية الشيخ شخصية فذة نادرة متعددة الجوانب، جامعة بين العلوم الإسلامية الأصيلة والمعارف العصرية الحديثة.

·كان عالما متبحرا، وعبقريا في مختلف العلوم والفنون، وذا ذكاء حاد وفطنة بالغة.

·كان أستاذا ماهرا ومحدثا جليلا شهيرا قضى أكثر من 30 سنة في درس الحديث، وأكثر من 43 سنة في الدرس والتدريس في مختلف المدارس والجامعات الإسلامية.

·كان خطيبا مصقعا بارعا ومناظرا فائقا مقنعا، وواعظا بليغا ساحرا يعجب به الجميع بخطاباته ومحاضراته، حتى لقب بالخطيب الأعظم.

·كان داعيا مثاليا عظيما، ومفكرا عالميا، متصفا بالحيدة والاعتدال والمرونة، والسهولة والوسطية في كل شيء، متحليا برحابة الصدر وسعة النظر، ومبتعدا عن الغلو والتطرف والتشدد والعصبية المذهبية والطائفية وعدم الاعتناء بالخلافات الفرعية السطحية.

·كان صاحب قلم سيال، كاتبا قديرا، ألف كتبا كثيرة في مختلف العلوم والمواضيع، وحل القضايا الإسلامية والاجتماعية والسياسية المعاصرة.

·كان معلما دينيا، وقائدا عظيما للحركات الإصلاحية والتجديدية والدعوية، وهاديا للأمة الإسلامية، وقامعا للبدع والخرافات، ومقاوما للحركات الباطلة والأفكار الهدامة من القاديانية والشيوعية والماركسية.

·كان مصلحا تعليميا، وعبقريا، قام بدعوة الإصلاح والتجديد والتطوير في مناهج التعليم للمدارس الدينية حسب متطلبات العصر الراهن، وقدم خطة تعليمية كاملة إلى المستشار التعليمي آنذاك، وألف كتابا بهذا الصدد باسم «سلسلة تطور تعليم المدارس» ولا نبالغ شيئًا إذا قلنا: إن الجامعات الإسلامية الموجودة الآن في ربوع بنغلاديش هي من نتاج جهوده وأفكاره وأحلامه.

·كان زعيما سياسيا، وقائدا إصلاحيا عظيما قام بحركة قوية لإقامة الخلافة الإسلامية في أرض الله، ولإقامة حكم الله، وتنفيذ الشريعة الإسلامية في المجتمع، وضحى بمُعظم حياته في ميدان السياسة.

·كان الشيخ عضوا مجربا ومحنكا في البرلمان، وأدى دورا كبيرا داخل البرلمان وخارجه، واقترح في البرلمان بتوقيف فعاليات البرلمان في أوقات الصلوات، ليتمكن الأعضاء من أداء الصلاة في وقتها، ومنع تحديد النسل، وتنفيذ الشريعة الإسلامية، ومنع الأوامر التي تخالف الإسلام وغيرها.

·وختاما نقول: إنه كان شعارا لوحدة العلماء في بنغلاديش، حيث ناضل طوال حياته لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوف العلماء وإصلاح ذات بينهم، وبجهوده تكونت كتلة مشتركة للأحزاب السياسية الإسلامية المتعددة باسم «الكتلة الديمقراطية الإسلامية» كما تكونت تحت إشرافه جمعية متحدة باسم «اتحاد الأمة».

هذا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وبارك وسلم.

بقلم: د. محمد رشيد زاهد، الأستاذ المشارك ورئيس قسم علوم القرآن والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية العالمية شيتاغونغ.

المصدر : مجلة الداعي

اترك تعليقاً