بفضل كورونا..انتشار فيروس الكراهية والريبة تجاه المسلمين في الهند
في حي نظام الدين وسط العاصمة الهندية نيودلهي، الذي يشتهر بمزار “دارغاه نظام الدين أولياء” ويزدحم عادة بالزوار والمتسولين والمرضى والسياح، لا شيء يدل على الحياة؛ فالأزقة خالية، ولا أثر للزهور ولا للبخور، ولا متجر مفتوحا ولا طفل شارع يلتمس بعض النقود، ولا حتى صوت يصدر من الحي الذي طوقته الشرطة والجنود المسلحون وأغلقوه بالكامل.
بهذا المشهد استهلت صوفي لاندرين مقالا لها في صحيفة لوموند الفرنسية، قالت فيه إن السلطات القومية الهندوسية تعتبر أن المسلمين أدوا دورا حاسما في نشر وباء كوفيد-19 في العاصمة، واتهمت بذلك تجمعا أقيم في حي نظام الدين داخل المدينة. وأضافت الكاتبة أن هذا الجيب الإسلامي في قلب نيودلهي صار من أبرز مصادر انتشار فيروس كورونا في الهند، ولذلك أطلقت الحكومة حملة تعقب واسعة للعثور على كل من مرّ قرب مسجد مركز بانغلوالي، المقر العالمي لجماعة الدعوة والتبليغ الكائن في الحي.
زوار في الحجر الصحي
وتقول الكاتبة إن جماعة الدعوة والتبليغ نظمت فعلا في مركزها بنظام الدين تجمعا دينيا ضخما من 13 إلى 15 مارس/آذار الماضي، شارك فيه أكثر من ثمانية آلاف شخص جاؤوا من أنحاء الهند ومن ماليزيا وإندونيسيا وتايلند والسعودية، في وقت كانت حكومة دلهي قد منعت فيه أي تجمع يزيد على 200 شخص سعيا لوقف انتشار كورونا. وتذكر لاندرين أن أعضاء الجماعة عاشوا ثلاثة أيام في المركز في ظروف شديدة الازدحام، ثم عادوا إلى ديارهم وتفرقوا في بلدانهم وفي أرجاء شبه القارة الهندية، دون أن يعرفوا إن كان بين المشاركين من يحمل الفيروس. وبعد أن حذرت بعض الولايات الهندية من ظهور إصابات مفاجئة إثر عودة الزوار، وتسجيل عدد غير مسبوق من الوفيات، أرسلت الحكومة الشرطة إلى حي نظام الدين يوم 30 مارس/آذار الماضي، فوجدت أن 1800 شخص، بينهم 300 أجنبي، ما زالوا في المركز، رغم الحجر العام الذي أمر به رئيس الوزراء ناريندرا مودي قبل خمسة أيام. وأمام عدسات الكاميرات نُقل الزوار من المبنى في حافلات وأُدخلوا الحجر الصحي، فتبين أن 500 منهم مصابون بالفيروس، وجُمع خلال أيام قليلة 25 ألف شخص لهم صلة بالتجمع الديني.
تجمع في عناوين الأخبار
وسرعان ما ظهرت أولى الاتهامات على لسان الوزير المختص بشؤون الأقليات مختار عباس نقفي، الذي وصف اجتماع جماعة التبليغ بأنه “عمل إجرامي لا يغتفر”، وبعد أيام قليلة قالت وزارة الصحة إن ثلث حالات كوفيد-19 في الهند مرتبطة بتجمع نظام الدين. وقال الوزير “نعلم الآن أن الإداريين انتهكوا القواعد، وسيتم اتخاذ إجراءات صارمة ضد مسؤولي هذه المؤسسة. نتيجة لهذا الإهمال الجسيم، تعرض العديد من الأرواح للخطر”. وتقول الكاتبة إن جماعة التبليغ تصدرت بعد ذلك الصفحات الأولى للصحف الهندية وشاشات التلفزيون، وصارت موضع تعليقات يومية من السلطات، وشرع حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في بث مئات الرسائل والشائعات على شبكات التواصل الاجتماعي تحت وسم (هاشتاغ) “كوروناجهاد”، لربط المسلمين بنقل الفيروس. ومع هذه الحملة المغرضة، تسرب سم الكراهية ضد المسلمين تدريجيا في شبه القارة الهندية -بحسب الكاتبة- فتعرض أشخاص في أنحاء البلاد للاعتداء ونُهبت ممتلكاتهم، إن لم يضربوا ضربا مبرحا، حتى إن رجلا عائدا من التجمع أنهى حياته بعد ما لقيه من مضايقات ومقاطعة من أهل قريته، مع أنه دخل الحجر وأثبت الفحص خلوّه من الفيروس.
الشائعات تنتشر
وفي هذا الجو بدأت الشائعات والأخبار الكاذبة، وانتشر فيروس الريبة سريعا في قلب العاصمة الهندية -بحسب الكاتبة- بعد أن أعلنت الشرطة يوم 9 أبريل/نيسان الجاري إصابة ثلاثة أفراد من عائلة ثرية بالفيروس، وفتحت تحقيقا أوليا بتهمة “الإهمال والأفعال الخبيثة” ضد حارس بيتهم المسلم بدعوى أنه نقل إليهم العدوى. واهتمت الصحافة الهندية، حتى الجادة منها، بالقضية التي توفي فيها مسنّان من العائلة، وذكرت أن الحارس أخفى عن أصحاب المنزل حضوره اجتماع جماعة التبليغ، وقد قبض المحققون على الحارس في منزله ووضعوه في الحجر الصحي، غير أنه تبين أنه غير مصاب بالفيروس، وربما لا صلة له بإصابة مؤجّريه الذين يُفترض أن أحدهم التقط الفيروس خارج المنزل.
تحيز تقليدي
وتساءلت الكاتبة: هل تحاول الهند إلصاق كل المشاكل، كالهجرة والإرهاب والبطالة والمرض، بالمسلمين؟ وأشارت إلى أن الوباء غطى فجأة على الهجمات التي تعرض لها المسلمون في فبراير/شباط الماضي في المناطق الشمالية من دلهي، بعد احتجاجهم على قانون إصلاح الجنسية. وتنقل الكاتبة عن جيل فيرنيرز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة أشوكا قرب نيودلهي، قوله إن “القصة مستمرة، حتى في ظروف استثنائية مثل هذا الوباء، لا يتخلى القوميون الهندوس عن تحيزهم التقليدي. وبمجرد ظهور الفيروس، كانت النغمة معادية للمسلمين بشدة”. وبعد انكشاف قصة مركز نظام الدين، أبدى الرئيس السابق لحكومة جامو وكشمير عمر عبد الله قلقه من تبعات ذلك على المجتمع المسلم، وحذر على تويتر من أن “جماعة التبليغ ستصبح ذريعة جيدة لأولئك الذين يريدون وصم المسلمين، كما لو كنا قد أنشأنا ونشرنا كوفيد-19 حول العالم”. وفي 25 مارس/آذار الماضي، أول أيام الحجر الصحي، شارك الراهب يوغي أديتياناث -المقرب جدا من رئيس الوزراء ناريندرا مودي- في موكب بمدينة أيودهيا بولاية أوتار براديش، استعدادًا لبدء أعمال البناء في معبد هندوسي، كما أقيمت احتفالات دينية هندوسية في أرجاء الهند دون أن يوجه إليها أي انتقاد. وفي المقابل سيُحاسب منظمو تجمع نظام الدين أمام المحاكم، إذ وجهت اتهامات جنائية إلى زعيم جماعة التبليغ بتهمة “القتل العمد” و”تعريض حياة الآخرين للخطر”.
المصدر : لوموند
