| |

تاريخ التراويح..أزمات عطلت إقامتها والفاطميون أعدموا مصليها والصبيان إمامتها بالحرم المكي والشافعي يؤديها ببيته

ومن أغرب قصص مشاهير “أئمتها” ما أورده المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) من ‏أن الحبر اليهودي الكبير ‏موسى بن ميمون القرطبي “أسلم بالمغرب [مُكْرَهاً أيامَ الموحدين] وحفظ ‏القرآن واشتغل بالفقه؛ ولما قدم [بحراً إلى مصر] من ‏الغرب صلى بمن في المركب التراويح ‏في شهر رمضان”، وحين اطمأنّ مقامه في مصر عاد إلى ديانته الأصلية وصار “رئيساً على اليهود” ‏فيها وقاضيا لقضاتهم أيام ‏سلطنة صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ).‏

ومن مشاهير أئمتها الذين مكثوا عشرات السنين وهم يؤمون الناس فيها أبو علي الحسن بن ‏داود القرشي الأموي الكوفي (ت 352هـ)؛ فقد كان “صاحب ألحان، صلى بالناس التراويح في ‏جامع الكوفة ثلاثا وأربعين سنة”؛ وأبو عبد الله النيسابوري المُزكِّي (ت 392هـ) “صلى ‏بالناس التراويح ثلاثا وستين سنة بالختمة”. وكريم الدين أبو جعفر العباسي الخطيب (ت ‏‏574هـ) “خطب بجامع القصر [في بغداد] وصلى التراويح نحوا من خمسين سنة”.‏

ولم يكن حسن الصوت وحده عامل مفاضلة بين أئمة التراويح؛ بل ربما كان تخفيف أحدهم في ‏تراويحه ‏محببا لدى طوائف من المصلين، ومن ذلك أن أحمد بن عبد الله الدوري المكي (ت ‏‏819هـ) “كان يصلي بالناس [في الحرم المكي] صلاة التراويح في رمضان، ويصلي خلفه ‏الجمع الكثير لكثرة تخفيفه، ويلقبون صلاته بالمسلوقة”!! وأبو بكر ابن حُبيش البغدادي الضرير ‏‏(ت 314هـ) كان “يقرأ بصوت شجيّ يقع في القلوب، ويصلي بالناس التراويح في الجامع” ‏ببغداد.‏

وفي رمضان سنة 926هـ أمر حاكم دمشق العثماني “إمامَ الحنفية بالجامع الأموي… بأن ‏يتروّح (= يصلي التراويح) بالمقصورة ليلة… و[يصليها الإمام] الشافعي ليلة، وفُعل ذلك وتركت ‏التراويح بمحراب الحنفية، ولم يسهل ذلك على متعصبي الشافعية”.

كما أن الإمام ابن حجر نفسه أمَّ الناس في التراويح بالحرم المكي وعمره اثنتا عشرة سنة عام 785هـ ‏‏”على جاري العادة” في مَن يُكمل حفظ القرآن من الأطفال. بل إن قاضي مكة ومفتيها محب الدين ‏بن ظهيرة (ت 827هـ) “حفظ القرآن الكريم… وصلى التراويح في سنة تسع وتسعين ‏وسبعمئة”، وعمره حينها عشر سنوات فقط لكونه وُلد عام 789.‏

يستقبل المسلمون رمضان هذا العام في ظروف استثنائية تشمل العالم كله ولم تمرّ بالبشرية من قبل؛ ففرحتهم بقدوم الشهر الذي هو ربيع أرواحهم يمازجها حزن شديد، إذ حيل بينهم وبين اللقاء في لياليه المباركة -على اختلاف أعمارهم ومنازلهم- في رحاب صلاة التراويح بمساجدهم العامرة بالإيمان، بعد أن أوقفت إجراءات مواجهة فيروس كورونا العالمي إقامتها في معظم بلاد المسلمين.

وفي هذا المقال نقدّم لمحة تاريخية عن هذه الشعيرة العزيزة على القلوب المؤمنة في شهر القرآن؛ فنحكي بإيجاز كيف بدأت منذ فجر الإسلام، ونتتبع ما لحق بها عبر التاريخ من مظاهر اجتماعية كادت تنقلها من دائرة العبادات (الدين) إلى دائرة العادات (التدين)، ونبيّن بعض ما تأثرت به من مجريات تاريخ المسلمين في الجوانب العقدية والفقهية والسياسية والاجتماعية، وكيف تعطلت في أحيان بفعل عوامل متباينة، ثم نذكر أشهر الأعلام الذين أمّوا الناس فيها أو صلّوا خلفهم. وسيتضح لنا في أثناء ذلك أن كثيرا من عاداتنا المرتبطة بهذه الشعيرة العظيمة ليست حديثة العهد، بل ورثناها من أزمنة بعيدة.

مبادرة عُمَرية

يلخّص العلامة ابن المِبْرد الحنبلي (ت 909هـ) أصل صلاة التراويح في الإسلام بقوله: “لا يتوهم متوهم أن التراويح من وضع عمر (ض) ولا أنه أول من وضعها، بل كانت موضوعة من زمن النبي (ص)، ولكن عمر (ض) أول من جمع الناس على قارئ واحد فيها، فإنهم كانوا يصلون لأنفسهم فجمعهم على قارئ واحد…، وسميت ‘التراويح‘ [بهذا الاسم] لأنهم يستريحون فيها بعد كلّ أربع”.

وسبق ابن المبرد بنحو ستة قرون “شيخ المؤرخين” الطبري، فأرّخ لأمر عمر بجمع الناس على التراويح وذكر أنه صدر سنة 14هـ، وأن عمر “كتب بذلك إلى البلدان وأمرهم به”. وعيّن عمر قارئا يصلي بالرجال وآخر يصلي بالنساء؛ ويبدو أن أمهات المؤمنين -لمكانتهن الخاصة- لم يكنّ يحضرن تراويح النساء العامة، وهو ما يُستفاد من الأثر القائل إن “ذكوان مولى عائشة (ض) كان يؤمُّها في… صلاة التراويح [وهو يقرأ] في المصحف”.

وقد دوّنت كتب التاريخ والتراجم أسماء القراء الذين كلّفهم عمر بهذه المهمة في أوقات متفاوتة؛ فمن قراء الرجال: أبيّ بن كعب الأنصاري (ت 22هـ) الذي “كان يصلي بهم عشرين ركعة”، ومعاذ بن الحارث الأنصاري (ت 63هـ). أما قراء النساء فهم: تميم بن أوس الداري (ت 40هـ) الذي روي كذلك أنه صلّاها بالرجال، وسليمان ابن أبي حثمة القرشي، وعمرو بن حُرَيث المخزومي (ت 85هـ).

ومن الأوليات في تاريخ التراويح ما رواه أبو عُبيد البكري الأندلسي (ت 487هـ) في ‘المسالك والممالك‘ عن سفيان بن عيينة (ت 198هـ)، وهو أن “أول من أدار الصفوف حول الكعبة عند قيام رمضان [والي مكة الأموي] خالد بن عبد الله القَسْري (ت 120هـ)، وكان الناس يقومون في أعلى المسجد؛ [فـ]ـأمر.. الأئمةَ أن يتقدموا ويصلّوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة”.

أما من حيث الحكم الفقهي، فقد استقر رأي علماء أهل السنة على أن التراويح “سنة” وليست “فرضا”، وجعلوها مثالا نموذجيا على “البدعة الحسنة” لدى القائلين بهذا المفهوم؛ غير أن بعضهم رأى أنه “لا يجوز تركها في المساجد… لكونها [صارت] شعارا [للمسلمين]، فتلحق بفرائض الكفايات أو السُّنن التي صارت شعارا… كصلاة العيد”.

واستحبّ الفقهاء أيضا أن “يُزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد” بتعليق المصابيح، وقالوا إن “أول من فعله عمر بن الخطاب لما جمع الناس في التراويح”؛ وروَوْا أن علي بن أبي طالب (ض) “مرّ على المساجد في رمضان وفيها القناديل تـُزهِر، فقال: نوّر الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا”.

ورغم أن جمهور المسلمين مضوا على طريقة الصحابة في إقامة التراويح في رمضان، فقد ظهرت آراء رفضت مشروعيتها بوصفها “بدعة عُمَرية”، وهو موقف طوائف الشيعة عدا بعض أئمة الزيدية. ونسب المقريزي (ت 845هـ) إلى فرقة النَّظّامية من المعتزلة القول إنه “لا تجوز صلاة التراويح”.

أئمة مشاهير

جاء أئمة التراويح عبر العصور الإسلامية من طبقات اجتماعية وفئات شتى؛ فمنهم كبار العلماء والقراء، ومنهم الرحالة المشاهير والتجار، حتى الفرّاشون العاملون في المساجد. فقد أمّ الناس فيها “شيخ المفسرين” الإمام الطبري (ت 310هـ)، و”شيخ المقرئين” في زمانه أبو بكر ابن مجاهد البغدادي (ت 324هـ)، و”شيخ الواعظين” الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ). وقد سمع ابن مجاهد صوت الطبري -معاصره وابن بلده- وهو يؤم الناس في التراويح بمسجده في بغداد، فقال: “ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يُحسن [أن] يقرأ هذه القراءة”!!

ويذكر الإمام ابن عساكر (ت 571هـ) أن شيخه المقرئ أبا الفتح الأنصاري المقدسي (ت 539هـ) كان “يصلي التراويح في مسجد علي بن الحسن” بدمشق. وعن أبي جعفر ابن الفَنَكي الشافعي القرطبي (ت 596هـ) أنه “كان الناس يتزاحمون على الصلاة خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته، وحين مجاورته بمكة.. كان أحدَ المتناوبين في قراءة التراويح برمضان…، وقراءتُه تُرِقُّ الجماداتِ خشوعًا”.

ومن أئمتها الذين كان لهم شأن في تاريخ العلم الإسلامي شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني (ت 728هـ)؛ إذ قال تلميذه المؤرخ ابن الوردي المعري الكِندي (ت 749هـ) في ترجمته: “وصليتُ خلفه التراويح في رمضان فرأيت على قراءته خشوعا، ورأيت على صلاته رقة حاشية تأخذ بمجامع القلوب”.

وأمّ الناس كذلك الفقيه الرحالة الشهير المقدسي البشاري (ت 380هـ)، الذي روى عن زيارته اليمن أن أهل عدن “يختمون في رمضان في الصلاة ثم يدعون ويركعون، وصليتُ بهم التراويح بعدن فدعوت بعد السلام فتعجبوا من ذلك”.

وممن أمّ الناس في التراويح من التجار أبو علي الهلالي الحوراني المقرئ التاجر (ت 546هـ)، والتاجر المكي الكبير الخواجا جمال الدين ابن الشيخ علي الجيلاني (ت 824هـ) الذي “حفظ القرآن الكريم وصلى به التراويح فى مقام الحنفية [بالحرم المكي] سنة ست عشرة وثمانمئة”. ومن الفرّاشين الذين أمّوا الناس أحمد بن عبد الله الدوري المكي (ت 819هـ) “الفراش بالحرم الشريف [بمكة]، وكان يصلي بالناس صلاة التراويح في رمضان”.

ومن أعجب ما نُقل عن أئمتها المشهورين ما أورده المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) عن الحبر اليهودي الكبير موسى بن ميمون القرطبي، الذي “أسلم بالمغرب [مُكْرَهاً أيامَ الموحدين] وحفظ القرآن واشتغل بالفقه؛ ولما قدم [بحراً إلى مصر] من الغرب صلى بمن في المركب التراويح في شهر رمضان”. وبعد أن استقر به المقام في مصر رجع إلى دينه الأصلي وصار “رئيساً على اليهود” فيها وقاضيا لقضاتهم في عهد سلطنة صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ).

مهارة وإتقان

ومن أمثلة الأئمة المهرة الذين اعتادوا ختم القرآن في التراويح في ليلة واحدة أو ما يقاربها قاضي القضاة بدمشق أبو الحسن عماد الدين الطرسوسي الحنفي (ت 748هـ)، الذي “كان يحفظ القرآن في أقل مدة، حتى إنه صلى به التراويح في ثلاث ساعات وثلثيْ ساعة بحضور جماعة من الأعيان”. ومع أن معنى “الساعة” عند القدماء يختلف عما نعرفه اليوم، فإن احتمال مبالغة المؤرخين في تقدير قصر مدة الختمات يبقى قائما.

وكان المقرئ أبو الحسن كمال الدين الحميري الإسكندري المالكي (ت 694هـ) “يصلي التراويح في كل ليلة بختمة كامل الشهر كله”، وكذلك المقرئ أبو محمد الحربي (ت 587هـ) الذي “يصلي بالناس التراويح في رمضان كل ليلة بنصف ختمة”.

ومن الأئمة من جعل لكل عشر ليال من رمضان ختمة؛ فقد روى المؤرخ الأندلسي ابن بَشْكُوَالَ (ت 578هـ) في كتابه ‘الصِّلَة‘ أن أبا القاسم خَلَف بن يحيى الفهري الطليطلي (ت 405هـ) “كان سكناه بالنَّشارين (= حيّ النجّارين)، وهو إمام ‘مسجد اليتيم‘ بقرطبة…، [و]كان يقوم في مسجده في رمضان بتسعة أشفاع (= 18 ركعة) على مذهب مالك، ويختم فيه ثلاث ختمات: الأولى ليلة عشر، والثانية ليلة عشرين، والثالثة ليلة تسع وعشرين”.

وجرت عادة كثير من أئمة التراويح على الصلاة بالقراءات السبع، وأحيانا العشر؛ ومنهم أبو علي الهلالي الحوراني المذكور آنفا، الذي “كان يصلي بجامع دمشق… صلاة التراويح ويقرأ فيها بعدة روايات يخلطها، ويردد الحرف المختلف فيه”. أما أبو العباس البَرَداني البغدادي الضرير (ت 621هـ) فقد “كان يقرأ في التراويح بالشواذّ رغبة في الشُّهرة”، وكذلك المقرئ محمد بن أحمد المقدسي الشافعي (ت 885هـ) الذي “صلى للناس التراويح في رمضان بالقرآن بتمامه، كل عُشر منه [بقراءة] إِمام من [القراء] العَشرة”.

ومن مشاهير الأئمة الذين أمّوا الناس في التراويح عشرات السنين أبو علي الحسن بن داود القرشي الأموي الكوفي (ت 352هـ)، إذ كان “صاحب ألحان، صلى بالناس التراويح في جامع الكوفة ثلاثا وأربعين سنة”؛ وأبو عبد الله النيسابوري المُزكِّي (ت 392هـ) الذي “صلى بالناس التراويح ثلاثا وستين سنة بالختمة”. أما كريم الدين أبو جعفر العباسي الخطيب (ت 574هـ) فقد “خطب بجامع القصر [في بغداد] وصلى التراويح نحوا من خمسين سنة”.

تراويح الخاصة

ومن العادات الاجتماعية المقترنة برمضان أن يُنتقى أئمة متميزون -في قوة الحفظ وإتقان الأداء وجمال الصوت- ليصلّوا التراويح بالسلاطين وأصحاب المكانة؛ ومن ذلك ما أورده الإمام الذهبي (ت 749هـ) من أن الخليفة العباسي “المستظهر بالله (ت 512هـ) طلب مَن يصلي به…؛ فوقع اختياره على القاضي.. ابن الدواس…؛ [و] من كثرة إعجابه به كان أول رمضان قد شرع في التراويح فقرأ في الركعتين الأولييْن آية آية، فلما سلم قال له المستظهر: زدنا من التلاوة! فتلا آيتين آيتين، فقال له: زدنا! فلم يزل [يستزيده] حتى كان يقوم كل ليلة بجزء” من القرآن.

وكان المقرئ أبو الخطاب الكاتب الشافعي البغدادي (ت 497هـ) “يصلي بأمير المؤمنين المستظهر باللَّه التراويح”. وذكر الذهبي أيضا أن زين القضاة سلطان بن يحيى القرشي الدمشقي (ت 530هـ) “صلّى التراويح بـ[المدرسة] النِّظامية [ببغداد]… وخلع عليه الخليفة” العباسي. أما المقرئ أبو القاسم الأشقر البغدادي فقد كان “يؤم بالخليفة الظاهر (العباسي ت 623هـ)، ورتبه إماما.. في صلاة التراويح، وأذن للناس في الدخول للصلاة” معهم بمسجد قصر الخليفة.

وفي الأندلس كان ابن مقاتل القيسي الغرناطي (ت 574هـ) “حافظا لكتاب الله تعالى، ضابطا لوجوه قراءاته، طيّب النغمة به…، مختارا للإمامة في التراويح بمسجد غرناطة الأعظم”. وحين استمع سلطان الموحدين المنصور إلى تلاوة المقرئ أبي الحسن الفهمي القرطبي (ت 617هـ) “فأخذ بقلبه طِـيبُ نغمته وحُسن إيراده، فقربه واستخلصه، وأمره بتعليم أولاده وقراءة حزب من التراويح في رمضان”.

وكان أبو بكر الأنصاري القرطبي (ت 614هـ) “حسن الصوت، يستدعيه الأمير لصلاة التراويح”. وأبو الحسن ابن واجِب القيسي البلنسي (ت 637) كان “من أحسن الناس صوتا بالقرآن، ولذلك كان يُعيَّن لصلاة التراويح بالوُلاة”. وجاء في ترجمة ابن الوزير البلنسي أنه “صلى التراويح بالوُلاة”. أما محمد بن قاسم الأنصاري الجياني فكان “طيّب النغمة…، وصلّى التراويح بمسجد قصر الحمراء”.

ونقل قاضي القضاة المؤرخ ابن خلكان (ت 681هـ) أن الوزير الأيوبي صفي الدين بن شكر الدميري (ت 630هـ) “أراد قارئا للمدرسة التي أنشأها بالقاهرة المعزية يصلي بها التراويح، فاختير له شخصان اسم أحدهما زيادة والآخر مرتضى”.

بل إن كبار العلماء كانوا يختارون في بعض الأحيان غيرهم ليؤمهم في التراويح؛ فقد قال أبو حفص المؤدب: “صليتُ مع أحمد بن حنبل (ت 241هـ) في شهر رمضان التراويح وكان يصلي به ابن عُمير”. وفي ترجمة السخاوي للمقرئ بدر الدين بن تَقِيّ القباني (ت 844هـ) قال: “كان يؤم شيخَنا [ابنَ حجر (ت 852هـ)] في التراويح بالمدرسة المنكوتمرية إلى أن مات”.

وأفاد الخطيب البغدادي (ت 463هـ) بأن الإمام القعنبي (ت 221هـ) -أحد كبار رواة ‘الموطأ‘ عن الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ)- كان من تلامذته ابن عباد النسائي المعروف بالجلاجلي (ت 287هـ)، فـ”قدمه [إماما] في صلاة التراويح فأعجبه صوته”. وفي المقابل، فضّل بعض كبار الأئمة أن يصلوها بأنفسهم في بيوتهم، فقد “كان الشافعي (ت 204هـ) لا يصلي مع الناس التراويح [في المسجد]، ولكنه كان يصلي في بيته ويختم في رمضان ستين ختمة”!!

أصوات مرغوبة

لطالما كان حسن الصوت من معايير المفاضلة بين أئمة التراويح إذا تعددوا في البلد أو الحي الواحد؛ حتى إن شرف الدين كبريت المولوي (ت 1070هـ) يقول إن “من محاسن الشام إحياء ليالي رمضان المعظم، وإقامة التراويح بأحسن أداء يورث النشاط، فإن المكبرين يلوّنون في التكبير بالأصوات الحسنة، فيبتدئون بمقام العراق ويختمون بمقام العشاق”!!

ومن أئمة التراويح الذين كان الناس يقصدونهم قديما لحسن أصواتهم أو جمال أدائهم للقراءات المقرئ أبو البركات بن العسال الحنبلي (ت 509هـ) الذي “كان من القراء المجوّدين، الموصوفين بحُسن الأداء، وطيب النغمة، يُقصد في رمضان -لسماع قراءته في صلاة التراويح- من الأماكن البعيدة”. ومثله أحمد بن حمدي أبو المظفر المقرئ (ت 576هـ) الذي “كان من القراء المجودين… بالقراءات الكثيرة…، وكان الناس يقصدونه ويسمعون قراءته في التراويح”.

أما شمس الدّين الزرعي ابن البصال المقرئ (ت 738هـ) فقد “كان حسن الصوت جدا، وكان الناس يقصدونه للصلاة خلفه في التراويح ويزدحمون” في مسجده. وكان المقرئ محمد بن علي الشيرجي المكي (ت 827هـ) “حسن الصوت بالقراءة، وحين كان يصلي التراويح بالمسجد الحرام كان الجمعُ يَكْثُر لسماع قراءته”.

وروى لنا المقريزي أن إمام “المدرسة البقرية” بالقاهرة زين الدين أبا بكر النحوي “كان الناس يرحلون إليه في شهر رمضان لسماع قراءته في صلاة التراويح لشجا صوته، وطيب نغمته، وحسن أدائه، ومعرفته بالقراءات السبع والعشر والشواذ”.

ويقول المؤرخ السخاوي (ت 902هـ) إن ناصر الدين أبا الخير الأنصاري الخزرجي الأخميمي الحنفي “أمَّ في التراويح بجامع الحاكم [بالقاهرة] وغيره.. وتزاحم الناس لسماعه والصلاة خلفه”. ويخبرنا كذلك أن أحمد بن محمد البلقيني الشافعي القاهري (ت 838هـ) “كان حسن الصوت بالقرآن جدا، فكان الناس يهرعون إلى سماعه -سيما في قيام رمضان- من الأماكن النائية، بحيث يضيق الشارع بهم”.

ويظهر أن أئمة التراويح أصحاب الأصوات الطروبة سحروا بتغنّيهم بالقرآن حتى غير المسلمين، كما في قصة الإمام علي بن عبد الله البَرَداني (ت القرن 4-5) الذي “كان يلقب مصطبانس”؛ فلما سأله أحدهم عن أصل هذا اللقب الغريب أجابه: “كنت أصلي بقوم التراويح في شهر رمضان فسمع قراءتي قوم من النصارى، فاستحسنوها وقالوا: كأن قراءة هذا الرجل قراءة مصطبانس! يشيرون إِلَى قسّ لهم، فلقبني الناس بذلك”!!

ولم يكن جمال الصوت وحده سبب التفضيل بين أئمة التراويح؛ فقد يكون التخفيف في الصلاة مما تحبه طوائف من المصلين، ومن ذلك أن أحمد بن عبد الله الدوري المكي (ت 819هـ) “كان يصلي بالناس [في الحرم المكي] صلاة التراويح في رمضان، ويصلي خلفه الجمع الكثير لكثرة تخفيفه، ويلقبون صلاته بالمسلوقة”!! وكان أبو بكر ابن حُبيش البغدادي الضرير (ت 314هـ) “يقرأ بصوت شجيّ يقع في القلوب، ويصلي بالناس التراويح في الجامع” ببغداد.

حظر سياسي

سبقت الإشارة إلى الخلاف الطائفي حول مشروعية التراويح؛ إلا أن المنع السياسي لإقامتها، المدعوم بقوة السلطان، كان أشد أثرا من تلك الآراء الفِرَقية التي بقي انتشارها محدودا زمانا ومكانا. فقد اشتهر الفاطميون -مؤسسو دولة الشيعة الإسماعيلية- بمنع صلاة التراويح في فترات من حكمهم الذي امتد إلى الغرب الإسلامي ومصر والشام والحجاز. وكانوا قد خاطبوا أتباعهم -وهم لا يزالون في مرحلة الدعوة قبل قيام الدولة- بقولهم: “مذهبنا ألا تُصلَّى التراويح لأنها ليست من سنة النبي (ص) وإنما سنها عمر”.

ويخبرنا سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) أن الخليفة الفاطمي المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله (ت 334هـ) خالف نهج أبيه وجدّه في الحكم فـ”أقام التراويح والسُّنن” في تونس قبل خروجهم منها إلى مصر. وذكر المؤرخ ابن سعيد الأنطاكي (ت 458هـ) أنه في سنة 370هـ منع الخليفة الفاطمي العزيز بالله (ت 386هـ) صلاة التراويح بمصر، فـ”عظُم ذلك على كافة أهل السُّنة من المسلمين”.

ثم جاء بعده الحاكم بأمر الله (ت 411هـ) فأجاز إقامتها مدة وجيزة، ثم منعها عشر سنوات حتى صارت عقوبة من يصليها الإعدام؛ فقد قال المقريزي إنه في سنة 399هـ أمر الحاكم بـ”قتل رجاء بن أبي الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح في شهر رمضان”. وفي المسجد الأقصى بالقدس ضُرب الشيخ الصالح أبو القاسم الواسطي (ت القرن 4-5هـ) حتى أشرف على الهلاك لأنه اعترض على “أمر السلطان ]الفاطمي[ بقطع صلاة التراويح”.

ثم أذن الحاكم بإقامتها من جديد سنة 408هـ، وأصدر بذلك قرارا رسميا تُلي في مساجد مصر وغيرها، فظلت تقام إلى أن مات؛ وكان تقلّب التراويح بين المنع والإذن مثالا على قرارات الحاكم المزاجية التي اشتهر بها عهده المضطرب المواقف والقرارات.

وفي الجناح الشرقي من الخلافة العباسية منع “الحشاشون” -وهم فصيل إسماعيلي انشق عن الدولة الفاطمية الأم في مصر- صلاة التراويح في المناطق التي خضعت لهم في فارس وخراسان، ثم أباحوها في أواخر عمر كيانهم. فقد ذكر المؤرخ ابن تغري بردي (ت 874هـ) أنه في سنة 608هـ “قدم بغدادَ رسولُ جلال الدين حسن (ت 618هـ) صاحب [قلعة] ألَمُوتْ يخبر الخليفة [الناصر العباسي (ت 622هـ)] بأنهم تبرؤوا من الباطنية، وبنوا الجوامع والمساجد…، وصلّوا التراويح في شهر رمضان؛ فسُرَّ الخليفة والناس بذلك”.

ولم تكن القرارات السياسية الناجمة عن التحيزات المذهبية السبب الوحيد في تعطل التراويح؛ فكتب التاريخ تسجل أزمات عامة وحروبا وافق حدوثها في بعض البلدان الإسلامية حلول رمضان، فتوقفت بسببها صلوات الجماعة -ومنها التراويح- كليا أو جزئيا. فقد أورد ابن الجوزي في أحداث سنة 439هـ أنه “في رمضان غلا السعر ببغداد، وورد كتاب من الموصل أن الغلاء اشتد بها حتى أكلوا الميتة، وكثر الموت حتى إنه أحصِي جميع من صلى الجمعة فكانوا أربعمئة”. وإذا كانت الجمعة -وهي واجبة- قد تعطلت في رمضان، فمن باب أولى أن يكف الناس عن التراويح وهي نافلة.

وفي الغرب الإسلامي يقدّم لنا المؤرخ المغربي أبو العباس الناصري (ت 1315هـ) في كتابه ‘الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى‘ نصا صريحا في تعطل التراويح بسبب اضطراب الأمن؛ إذ يقول إنه “لما قُـتل السلطان عبد الملك بن زيدان (السّعدي سلطان المغرب المتوفى 1040هـ)… بويع أخوه الوليد بن زيدان (ت 1045هـ)…، وعظمت الفتن بفاس حتى عُطلت الجمعة والتراويح من جامع القرويين مدة، ولم يصلِّ به ليلة القدر إلا رجل واحد من شدة الهول والحروب”!!

محاريب متعددة

من أغرب ما ميّز إقامة التراويح في الحرم المكي تعدد محاريبها وجماعاتها بحسب المذهب الفقهي، وهو مشهد آخر من مشاهد تفرق المسلمين تاريخيا حتى وهم مجتمعون في حرم كعبتهم الموحِّدة، يؤدون شعيرة واحدة المناسك، وفي إطار طائفة واحدة (المذاهب السنية الأربعة)!! فكان “يصلي إمام الشافعية في مقام إبراهيم تجاه باب الكعبة، ثم إمام الحنفية مقابل حِجْر إسماعيل تجاه الميزاب، ثم إمام المالكية بين الركنين اليماني والشامي، ثم إمام الحنابلة مقابل الحَجَر الأسْود”؛ وفق وصف مجير الدين العليمي الحنبلي (ت 928هـ).

وهذه عادة بدأ العمل بها منذ سنة 497هـ على الأقل، ولم تنقطع إلا بعد أن أحكم آل سعود سيطرتهم على الحجاز سنة 1344هـ؛ ففي سنة 497هـ حج الإمام أبو طاهر السِّلَفي (ت 576هـ) ووصف تعدد محاريب المذاهب في الحرم المكي وترتيبها في أداء الصلوات. وبعده بقرون تحدث المؤرخ السمهودي (ت 911هـ) عن تقليد تعدد المحاريب المذهبية وانتشاره في الأقطار، فقال إن “هذا الأمر دبّ إلى المدينة الشريفة من مكة المشرفة…، وكذا جرى مثله في بيت المقدس وجامع مصر قديما”، كما انتقل إلى مسجد الخليل بفلسطين.

ويصف لنا ابن جبير الكناني الأندلسي (ت 614هـ) في رحلته مظاهر الاحتفال برمضان في مكة كما رآها؛ فيقول إنه لما دخل رمضان سنة 579هـ “وقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك.. حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا (حسب المذهب الفقهي).. كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد… وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلي بجماعة خلفه، فيرتج المسجد لأصوات القراءة من كل ناحية”. وقد يتعدد أئمة التراويح في المذهب الواحد، فالمالكية مثلا “اجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة”.

ويحدثنا كذلك الرحالة الأندلسي القاضي أبو البقاء البلوي (ت بعد 767هـ) عما شاهده في رمضان بـ”المسجد الأقصى… أعظم مساجد الدنيا” حين زاره في رحلته إلى المشرق، ويصف كثرة جماعات التراويح فيه قائلا: “ولقد عددت مواضع الإشفاع وصلاة التراويح بها في شهر رمضان المعظم فألفينا نحو الأربعين موضعا”.

وتتدخل السلطات أحيانا لضبط فوضى تعدد جماعات التراويح في المسجد الواحد، وما ينتج عنه من تداخل أصوات الأئمة المقرئين وتشويش على المصلين المستمعين؛ إذ يذكر الإمام ابن كثير (ت 774هـ) أنه كانت في الجامع الأموي بدمشق محاريب متعددة للمذاهب الأربعة، لكن السلطة تدخلت في زمنه لتوحيدهم “في صلاة التراويح، [فـ]ـاجتمع الناس على قارئ واحد وهو الإمام الكبير في المحراب المقدَّم عند المنبر”.

وفي رمضان سنة 926هـ أمر حاكم دمشق العثماني “إمامَ الحنفية بالجامع الأموي… بأن يتروّح (= يصلي التراويح) بالمقصورة ليلة… و[يصليها الإمام] الشافعي ليلة، وفُعل ذلك وتركت التراويح بمحراب الحنفية، ولم يسهل ذلك على متعصبي الشافعية”.

إمامة الصبيان

ومن الأمور الطريفة التي رافقت رمضان قرونا طويلة “إمامة الصبيان” للتراويح في بعض جوامع المدن الكبرى، وفي الحرم المكي بوجه خاص؛ مع أن العلماء اختلفوا في صحة الصلاة خلفهم، إذ وقع “في صلاة التراوِيح خَلْفَ الصبيان اختلافٌ”.

ومن أقدم الأمثلة التاريخية على ذلك ما ذكره الرحالة المقدسي من أن أهل شيراز “يصلون التراويح… ويقدّمون فيها الصبيان”، وما قاله ابن الجوزي (ت 595هـ) من أن سلطان البويهيين ببغداد اختار سنة 395هـ كلا من أبي الحسين بن الرفاء وأبي عبد الله بن الزجاجي وأبي عبد الله بن البهلول -وكانوا “من أحسن الناس قراءة”- أئمة رسميين “لصلاة التراويح.. وهم أحداث (= غير بالغين)، وكانوا يتناوبون الصلاة.. ورغب [الناسُ] لأجلهم في صلاة التراويح”.

وصار معتادا في الحجاز ومصر أن يؤم الطفل الناس في التراويح متى أتم حفظ القرآن وبلغ اثنتي عشرة سنة من عمره، ولهذا نجد في ‘رحلة ابن جبير‘ معلومات وافرة عن إمامة الصبيان في التراويح بالحرم المكي وما يصحبها من احتفالات، حملت بعضهم على القول بأن من “محاسن الإسلام: يوم الجمعة ببغداد وصلاة التراويح بمكة”.

فقد ذكر ابن جبير أن “ليلة إحدى وعشرين خَتم فيها أحد أبناء أهل مكة…؛ فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا، ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور إلى [وليمة في] منزله.. ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين، وكان المختتِم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة…، وحضر الإمامُ الطفلُ فصلى التراويح وختم، وقد انحشد أهل المسجد الحرام إليه رجالا ونساء، وهو في محرابه”.

واستمرت عادة إمامة الأطفال في تراويح الحرم إلى زمن الرحالة ابن بطوطة (ت 779هـ) وما تلاه؛ إذ يخبرنا في رحلته أن لكل مذهب فقهي محرابا خاصا بأتباعه، وأنهم “في كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن، ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة؛ فإذا ختم نُصب له منبر مزين بالحرير وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات”.

وورد في ترجمة القاضي الشافعي جلال الدين البلقيني (ت 824هـ) أنه “حفظ القرآن وصلى به التراويح وهو صغير”. وكذلك الحافظ ابن حجر الذي “حضر ليلةً من ليالي رمضان بجامع الحاكم للصلاة خلف ابن الكُويز، إذ صلّى للناس التراويح عقب ختمه القرآن على جاري عادة الأولاد”.

والإمام ابن حجر نفسه أمّ الناس في التراويح بالحرم المكي وهو في الثانية عشرة من عمره سنة 785هـ “على جاري العادة” فيمن يُتمّ حفظ القرآن من الأطفال. بل إن قاضي مكة ومفتيها محب الدين بن ظهيرة (ت 827هـ) “حفظ القرآن الكريم… وصلى التراويح في سنة تسع وتسعين وسبعمئة”، وكان عمره حينئذ عشر سنوات فقط لأنه وُلد عام 789.

مقادير ومؤلفات

أما عدد ركعات التراويح تاريخيا فقد تباين بحسب اختيارات المذاهب الفقهية؛ وإذا نظرنا إلى ما استقر عليه الحال في الحرمين الشريفين وجدنا أن عدد ركعاتها ظل مختلفا بينهما أكثر من ألف سنة، ولم يتوحد فيهما حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري في ظل الحكم السعودي.

فقد كان المكيون -بحسب ابن بطوطة- يصلون “التراويح المعتادة وهي عشرون ركعة” ثم يتبعونها بركعات الوتر الثلاث، أما المدنيون فقد نسب النووي (ت 676هـ) إلى الإمام الشافعي قوله: “رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة، منها ثلاث للوتر”.

ويفيدنا السخاوي بأنه في أواخر القرن الثامن كان المحدّث الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي الكردي (ت 806هـ) من مدرسي الحرم النبوي في المدينة، وعلى يديه تغير عرف المدنيين في عدد ركعات التراويح؛ إذ كان “يصلي التراويح بالناس عقب صلاة العشاء عشرين ركعة ويوتر بثلاث، فإذا كان آخر الليل صلى بالناس ست عشرة ركعة. واقتدى به في ذلك الأئمة بالحرم النبوي”.

وقد بيّنت كتب الفقه العامة وشروح الحديث النبوي أحكام التراويح ومقاديرها، وأفرد لها بعض العلماء مؤلفات خاصة يبدو أن أغلبها لم يبلغنا منه سوى العنوان. ومن هذه المصنفات: كتاب “فضل التراويح” للحافظ أبي بكر محمد بن الحسن النقاش (ت 351هـ)؛ و”كتاب التراويح” للإمام حسام الدين الشهيد (ت 536هـ)؛ و”كتاب التراويح” لمفتي خوارزم أبي العباس أَحْمد بن إِسْمَعِيل التُّمُرْتَاشِيّ الحنفي (ت قرابة 600هـ).

ومنها أيضا: كتاب “صلاة التراويح” للمحدّث ابن عبد الهادي الجمّاعيلي الحنبلي (ت 744هـ)؛ و”ضوء المصابيح في صلاة التراويح” و”إشراق المصابيح في صلاة التراويح” وكلاهما لقاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي (ت 756هـ)؛ و”إقامة البرهان على كميّة التراويح في رمضان” لأبي الضياء الغيثي الشافعي (ت 975هـ).

وهكذا ظل المسلمون على مدى تاريخهم يحتفون بصلاة التراويح احتفاء عظيما شاملا، إذ استظلت بظلال إيمانياتها جميع الفئات والشرائح في المجتمعات المسلمة من رجال ونساء وأطفال، حتى إن الرحالة ابن بطوطة يحدثنا عن “سوق المغنين” في الهند ويقول إن فيه مساجد، وإن “النساء المغنيات الساكنات هناك يصلين التراويح في شهر رمضان بتلك المساجد مجتمعات، ويَؤُمُّ بهن الأئمة وعددُهن كثير، وكذلك الرجال المغنّون”.

وعندما وصف المقريزي “سوق الشمّاعين” في القاهرة المملوكية ذكر أنه “كان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يُشترى ويُكترى من الشموع الموكبية…. برسم ركوب الصبيان لصلاة التراويح”. ويروي أبو البركات السويدي البغدادي (ت 1174هـ) ذكرياته الرمضانية في دمشق عند زيارته لها، فيصف التراويح في الجامع الأموي وما يصحبها من حفاوة اجتماعية بلغت حد الضجيج، قائلا: “ومن عجيب أمرهم أن النساء يختلطن بالرجال… وقت التراويح، ومرة صليتُ التراويح في [الجامع] الأموي فرأيت الناس جلوسا بين الصفوف يتحدثون، والأولاد لهم صياح وعياط ولعب بحيث يشوشون على المصلين”!!

المصدر : الجزيرة

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *