بر الوالدين: مكانته وصوره في الحياة اليومية
روى البخاري في الأدب المفرد أن رجلًا يمانيًّا كان يطوف بالبيت وقد حمل أمه على ظهره، فسأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أتراني جزيتها؟ فقال ابن عمر: «لا، ولا بزفرة واحدة» (الأدب المفرد، بترقيم صحيح الأدب المفرد: رقم 9). كان الرجل قد بذل ما يبذله قليلون، ومع ذلك لم يبلغ في ميزان الصحابي حدَّ ما قدّمته الأمّ يوم ولادته.
في هذا المشهد الصغير تُلخَّص قصة بر الوالدين كلها: عطاءٌ سبق كل استحقاق، ووفاءٌ يجتهد صاحبه ثم يدرك أنه لن يبلغ التمام. فهذه العبادة لا تُقاس بما نؤدي وحده، بل بما نستحضره من فضلٍ لا يُسدَّد.
وصية تلي التوحيد
حين نتأمل الآيات التي ذكرت الوالدين نلاحظ أنها لا تأتي في الهامش، بل تُذكر بعد الأمر بعبادة الله مباشرة. يقول سبحانه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ (سورة النساء: 36). وفي سورة الإسراء: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ (سورة الإسراء: 23). وقرن الشكر لهما بشكره: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ (سورة لقمان: 14). وهذا القرب في السياق يدل، كما نبّه من كتبوا في الموضوع، على علوّ منزلة هذا الحق عند الله.
وقال ابن كثير رحمه الله: أمر الله بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق (انظر: تفسير ابن كثير، سورة العنكبوت: 8). والبر في القرآن خُلُق الأنبياء: قال الله عن يحيى عليه السلام: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ (سورة مريم: 14)، وعلى لسان عيسى عليه السلام: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ (سورة مريم: 32).
من أحب الأعمال إلى الله
سأل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أيّ؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». (رواه البخاري ومسلم). فجاء بر الوالدين بعد الصلاة على وقتها وقبل الجهاد في سبيل الله.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يبايعه على الهجرة والجهاد ويبتغي الأجر من الله، فسأله: «فهل من والديك أحد حيّ؟» قال: نعم بل كلاهما، فقال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما». (رواه مسلم). وفي رواية أخرى في صحيح أبي داود عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا جاء يبايع وقد ترك أبويه يبكيان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما». وفي هذه الجملة الأخيرة معنى عملي: أن تعيد البسمة إلى وجهين أحزنتهما.
وفي حديث آخر رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد»، وهو حديث صحيح كما في صحيح الترمذي للألباني.
حقٌّ لا يُسدَّد
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجزي ولدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه». (رواه مسلم). ومعنى «لا يجزي»: لا يكافئ. فالحديث يعلّمنا ألا ننتظر لحظة نقول فيها: لقد أدّيت ما عليّ.
وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إن أمّه بلغت من الكبر أنها لا تقضي حاجتها إلا وظهره لها مطية، فهل أدى حقها؟ قال عمر: لا، لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تفعله وتتمنى فراقها. فالفرق بين العطاءين فرق القلب لا الجهد.
وإذا أردنا أن نرى سبب هذا الفضل، فقد قال ابن الجوزي رحمه الله (كتاب البر والصلة، ص 39): حملت الأم ولدها أثقالًا كثيرة، وسهرت في مداراته، وأعرضت عن شهواتها لإرادته، وقدّمته على نفسها في كل حال، وضمّ الوالد إلى ذلك الكسب له والإنفاق عليه. ثم قال: إن البار بوالديه مهما بالغ في برهما لم يفِ بشكرهما. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك». (رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة).
صور البر في الحياة اليومية
تبدأ صور البر بأبسطها: الكلمة. قال الله تعالى: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ (سورة الإسراء: 23-24). وعن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الإحسان إليهما أنه اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحدّ النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما (انظر: التفسير الوسيط للواحدي، سورة النساء: 36). وقال: لو كان هناك كلمة أقلّ من «أف» لنُهي عنها. فأول البر كفُّ الأذى وحفظ اللسان، ثم يرتقي إلى اختيار أجمل العبارات.
ثم تأتي الصحبة: أن تجيب دعوتهما، وتتحدث إليهما بلين، ولا تقلقهما في نومهما وراحتهما، وتتواضع لهما، وتستقبلهما ببشاشة. وقد كان السلف يلتفتون إلى تفاصيل صغيرة؛ فأبو هريرة رضي الله عنه رأى رجلين فسأل أحدهما عن الآخر، فقال: أبي، فقال له: لا تسمِّه باسمه، ولا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله (الأدب المفرد، بترقيم صحيح الأدب المفرد: رقم 32). وقال ابن عمر لرجل يحب أن يدخل الجنة وعنده أمه: لو ألنتَ لأمّك الكلام وأطعمتَها الطعام لدخلت الجنة ما اجتنبتَ الكبائر (الأدب المفرد، بترقيم صحيح الأدب المفرد: رقم 4).
بعد الرحيل: بر لا ينقطع
إذا رحل الوالدان لم يُغلق باب البر. ففي صحيح مسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له». وجاء في حديث: «تُرفع للميت بعد موته درجة، فيقول: أي ربّ أي شيء هذه؟ فيقال: ولدك استغفر لك» (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وقال البوصيري: إسناده صحيح، وحسّنه الألباني).
ومن البر كذلك إكرام من كانوا أحبّتهما. ففي صحيح مسلم أن ابن عمر رضي الله عنهما أعطى أعرابيًّا لقيه في طريق مكة حماره الذي كان يستريح عليه وعمامته التي يشدّ بها رأسه، فعجب أصحابه وقالوا: إنهم الأعراب يرضون باليسير! فقال: إن أبا هذا كان ودًّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من أبرّ البر صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولّي».
ولما ماتت أم إياس بن معاوية بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة، فغُلق أحدهما.
ثمرة تعود على صاحبها
في الأحاديث ما يربط الصلة بالبركة: «من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (رواه مسلم). وذكر النووي رحمه الله (شرح مسلم، ج 16، ص 114) أن من معاني الزيادة في العمر البركة فيه والتوفيق للطاعات وعمارة الوقت بما ينفع. وفي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار توسّل أحدهم إلى الله ببره بأبويه؛ فقد ظل والقدح على يده ينتظر استيقاظهما كراهةً أن يقدّم عليهما أهلًا أو مالًا، ثم خرجوا يمشون بعد أن زالت الصخرة (رواه البخاري ومسلم). وقد علّق أحد الكتّاب بأن بر الوالدين كان من أهم أسباب نجاتهم من ذلك المأزق.
ولاحظ بعض الكتّاب أدب إبراهيم عليه السلام مع أبيه حين تلطّف معه فقال: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ (سورة مريم: 47)، وقالوا إن الله رزقه بعد ذلك ولدًا صالحًا هو إسماعيل، تأدّب مع أبيه فقال: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ (سورة الصافات: 102).
ودعاء الوالد له شأن؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده». (رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة، وهو حديث صحيح كما في صحيح الأدب المفرد للألباني). وقال الحسن البصري إن دعاء الوالدين يثبّت المال والولد (البر والصلة لابن الجوزي، ص 120).
خاتمة
يكفي أن يتذكر كل منا متى كانت آخر مرة أضحك فيها أمه أو أباه، ومتى سمعا منه كلمة ليّنة. فإن كان الباب لا يزال مفتوحًا فلنقترب منه، وإن أُغلق فلنُبقِ الدعاء والاستغفار والصلة بمن كانوا يحبّون.
المراجع
- شبكة الألوكة — فضائل بر الوالدين
- إسلام ويب — بر الوالدين .. طريق إلى الجنة
- شبكة الألوكة — بر الوالدين طريق السعادة
