المسجد الكبير في مدينة مراوي جنوب الفلبين
| |

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: كيف نخاطب القلوب؟

ليست كل كلمة حق تصل إلى قلب سامعها. قد يقول إنسان كلامًا صحيحًا من أوله إلى آخره، ثم ينصرف عنه المخاطَب لأن اللسان الذي حمل الحق كان خشنًا، أو لأن توقيته لم يُراعِ حال السامع. ومن هنا جاء القرآن بقاعدة تجمع الأمر كله في آية واحدة: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (سورة النحل: 125)

وقد عدّ أهل العلم هذه الآية آية مفتاحية في منهج الدعوة؛ فهي موجّهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولمن جاء بعده من الدعاة، وتبيّن أن الدعوة إلى الإسلام قائمة على أسس ثلاثة: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.

الحكمة والموعظة والجدال: ثلاث مراتب لثلاثة أحوال

يشرح العلماء أن الحكمة هي التعريف بالحق، وهي مرتبة المستجيبين الطالبين له. أما الموعظة الحسنة فهي الحكمة مقرونة بالترغيب والترهيب، وتناسب الغافلين المعرضين. وأما الجدال فهو للمعارضين المعاندين.

ونقل أهل العلم عن ابن القيم في كتابه «مفتاح دار السعادة» قوله إن الله جعل مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق: فالمستجيب القابل الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يُدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يُدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يُجادَل بالتي هي أحسن.

وللموعظة شرط في الآية نفسها، فقد وُصفت بالحسنة. ويرى من شرحوا الآية أن الموعظة يُقصد بها غالبًا ردع الناس عن أخطاء واقعة أو متوقعة، فهي عرضة لأن تصدر بغلظة من الواعظ وتكسر نفس الموعوظ؛ ولذلك قُيّدت بالحسنة، أي بالقول اللين والتلطف.

ويذكر ابن تيمية في «الرد على المنطقيين» أن عامة الناس يحتاجون إلى الحكمة وإلى الموعظة معًا، لأن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وإن عرفته، وأن الجدال ليس من الدعوة أصلًا، وإنما يُلجأ إليه عند وجود من يعارض الحق، فإن كان الإنسان قابلًا للحكمة أو للموعظة لم يُحتج إلى مجادلته.

اختيار الأنسب لكل مدعو

ومن فوائد الآية أن الداعي لا يلزمه أن يسلك الطرق الثلاث مع كل شخص. فالمطلوب أن يسلك الطريقة الأنسب والأجدى لكل مدعو؛ فمن الناس من يحسن أن يُخاطب بالحجة والبرهان، ومنهم من يليق به طريق الموعظة والاعتبار. وقد يُجمع في دعوة بعض الناس بين الطرق، فيُبدأ بالحجة ثم يُنتقل إلى الموعظة. ويراعى في ذلك ما هو أقرب إلى الأذهان وأسرع إلى القبول.

ومن مقتضيات الحكمة كذلك أن يبدأ الداعي بالأهم فالأهم، وأن يقدّم دعوة من يُرجى خيره على من لا يُرجى. فالحكمة إذن ليست حجة قوية فحسب، وإنما هي أيضًا مراعاة لحال المخاطَب وما يصلح له من الكلام.

الرفق: روح الدعوة

وإذا أردنا أن نرى هذا المنهج في صورة حية فلننظر إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وقد وصف أهل العلم منهجه في الدعوة بأنه منهج متكامل في الحكمة والرفق والقدوة الحسنة. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران: 159)

ومن أشهر مواقف الرفق ما رواه أنس رضي الله عنه من أن أعرابيًا دخل المسجد فبال في ناحية منه، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى الأعرابي بوله أمر بدلو من ماء فصُبّ عليه (متفق عليه). وجاء في رواية أخرى أنه قال لأصحابه: «دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ؛ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (رواه البخاري). ثم دعا الأعرابي بعد أن فرغ فقال له: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ إِنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَلَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ». فجاء التصحيح هادئًا، وبعد أن قضى الرجل حاجته.

وفي الأحاديث الصحيحة ما يرسّخ هذا الخلق: قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (رواه مسلم، رقم 2593). وقال أيضًا: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (رواه مسلم، رقم 2594، من حديث عائشة رضي الله عنها). وروى جرير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ» (رواه مسلم، رقم 2592). وقال صلى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (رواه البخاري، رقم 69، ومسلم، من حديث أنس رضي الله عنه).

درس موسى وهارون مع فرعون

ومن عجائب القرآن في هذا الباب أن الله أمر موسى وهارون عليهما السلام، وهما ذاهبان إلى أطغى الطغاة، بالقول اللين: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (سورة طه: 43-44) وذكر ابن كثير في تفسير الآية أن فيها عبرة عظيمة، إذ فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمر ألا يخاطبه إلا بالملاطفة واللين. فإذا كان هذا مع فرعون فكيف بمن هو دونه من عباد الله؟

أن نرى الناس بعين الشفقة

ومن وصايا الدعاة أن ينظروا إلى الناس نظرة الشفقة لا نظرة الحكم عليهم، وألا يبغضوا الناس لذواتهم وإنما يبغضوا المعصية. فالإنسان خُلق ضعيفًا جهولًا، وقبل أن تحكم عليه علّمه أولًا. والتحبب إلى الناس مفتاح القلوب، ومن أسبابه اللين في الخطاب، والرفق في المعاملة، والبشاشة على الوجه، والسماحة في القلب.

وفي هذه القصص ميزان نزن به كلامنا كلما همّ أحدنا بنصيحة: هل أخاطب هذا الإنسان بما يقرّبه من الحق، أم بما ينفّره؟ وقد قال الله تعالى في وصف نبيه: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ (سورة التوبة: 128) فمن أراد أن يقتدي بهذا النبي الرحيم في دعوته فليبدأ من هنا: عزّةٌ عليه ما يُتعب الناس، وحرصٌ على هدايتهم، ورحمةٌ تسبق كلامه.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *