سوريا
| |

النبي ﷺ في بيته وبين أصحابه: خُلُق يُرى ولا يُدَّعى

قد يتقن المرء هيئته أمام الغرباء، فيبتسم ويتودد ويزن كلامه، فإذا دخل بيته خلع ذلك كله. ولذلك كان أصدق اختبار للخلق أن تُسأل عنه بيوت الناس وأصحابهم. وحين نسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، نجد أن أكمل ما فيه ظهر لأقرب الناس إليه، وأن الله شهد له بما يغني عن كل وصف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾ (سورة القلم: 4)

ولم يمنع زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وشدة خوفه من الله، وكثرة عبادته، من دوام بشره وطلاقة وجهه وملاطفته لأهله وأصحابه، فكانت معاملته لهم أكمل معاملة وأحسنها.

في بيته: واحدٌ من أهل البيت

حين سأل الأسود بن يزيد عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ-، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ» (رواه البخاري، رقم 676).

لقد كان زوجًا حنونًا ودودًا، يكرم ولا يهين، يوجّه وينصح ولا يعنّف ولا يجرح. ولم يقف عند العمل بذلك في نفسه، بل جعل المعاملة مع الأهل ميزانًا لخيرية الرجال، فقال فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» (رواه أبو داود، رقم 4682، والترمذي، رقم 1162).

ومن هديه مع زوجته أن ينظر إلى الجانب الحسن فيها ويتغاضى عن العيب. روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» (رواه مسلم، رقم 1468).

وكان وفيًّا لمن غابت. تقول عائشة رضي الله عنها إنها ما غارت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وكان إذا ذبح الشاة يقول: «أَرْسِلُوا بِهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ». فلما أغضبته يومًا بذكرها قال: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا» (رواه مسلم، رقم 2435).

مع أصحابه: لين لا يفرّق

وخرج هذا الخلق من البيت إلى المجلس، فكان مع أصحابه كما وصفه ربه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (سورة آل عمران: 159) فكان يتواضع معهم، ويجيب دعوتهم، ويزور مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويدعو لهم ولأبنائهم، ويقضي حوائجهم، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويعطي كل من جالسه نصيبه من العناية حتى يظن جليسه أنه أكرم الناس عنده.

ويروي أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد خدمه عشر سنين: «فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلَّا صَنَعْتَ» (رواه البخاري، رقم 6038، ومسلم، رقم 2309). وقال أيضًا: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا» (رواه البخاري، رقم 6203).

ويروي أنس أيضًا أن له أخًا صغيرًا يقال له أبو عمير، وكان إذا جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» (رواه البخاري، رقم 6203). وكان النُّغَر طائرًا صغيرًا يلعب به الصبي. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمرّ بالصغير مرورًا عابرًا، بل يسأله عما يشغله ويشاركه اهتمامه.

وكان أجود الناس. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» (رواه البخاري، رقم 6، ومسلم، رقم 2308).

ومن لينه أنه كان يستشير أصحابه، وقد أمره الله بذلك في آية اللين نفسها: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ (سورة آل عمران: 159). وكان لا يواجه أحدًا منهم بما يكره، ولا يرضى أن يحتقر أحدٌ منهم أخاه أو يسبّه، ولو كان صحابيًّا مثله.

ويبرز هذا الخلق في موقفه من أخطائهم. فقد روى عمر رضي الله عنه أن رجلًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يلقّب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُتي به يومًا بعد ذنب أصابه، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (رواه البخاري، رقم 6780). والمراد في هذه القصة إصلاح المخطئ لا إقصاؤه وإبعاده، وفيها شفقة بالغة على الأمة وحرص على أصحابه.

وقد وصف الله شعوره بأمته فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ (سورة التوبة: 128) فمن كان عزيزًا عليه ما يُعنت أمته، لم يكن لينًا في المجلس فحسب، بل لينًا في الحكم على الناس.

مزاح صادق وبسمة حاضرة

ومن عجيب سيرته أن الجدّ لم يمنعه من الابتسام. فقد رُوي أن أصحابه سألوه: إنك تداعبنا يا رسول الله؟ فقال: «إِنِّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا» (رواه الترمذي، رقم 1990، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). فكانت مداعبته صدقًا لا يخالطه كذب.

وقال عبد الله بن الحارث بن جَزْء رضي الله عنه: «مَا كَانَ ضَحِكُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَبَسُّمًا» (رواه الترمذي، رقم 3642). وهكذا اجتمع فيه اللين والهيبة.

من أين نبدأ؟

ليست الغاية من هذه المشاهد أن نحفظها، بل أن نقتدي بها: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا﴾ (سورة الأحزاب: 21)

ويمكن أن تبدأ المسألة من أصغر الدوائر: كلمة طيبة في البيت، ومساعدة في أعمال الأسرة، وحسن ظن بالزوج أو الزوجة، وصبر على النقص، ووفاء لمن رحل، ثم تتسع الدائرة إلى الزملاء والأصدقاء، فنجعل مجلسنا لينًا، ومزاحنا صادقًا، وعطاءنا بلا منّة. ومن أراد أن يقيس قربه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فلينظر كيف يراه أهله وأصحابه.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *