مصحف مخطوط مزخرف بالذهب والألوان
| |

قصص الأنبياء في القرآن: لماذا رُويت، وماذا تريد أن تقول لنا؟

لو أراد القرآن أن يؤرّخ لحياة الأمم لسمّى القرى وحدّد السنين ورسم الخرائط. لكنه يمرّ على قصة أهل الكهف دون أن يذكر مكانهم، ويحكي عن «رجل» و«قرية» دون أسماء. وهذا الاختيار في الذكر والحذف ليس عبثًا؛ فالقرآن لا يذكر المكان إلا إذا كان له أثر في الحدث أو في العبرة، وإذا ذكر الأشخاص فإنما يذكر شخصيات تاريخية معروفة كالأنبياء وفرعون وقارون.

ومعنى هذا أن من يقرأ قصص الأنبياء قراءة المؤرخ وحده يفوته لبّها. فالقصص القرآني لا يُقصد به بيان التاريخ لذاته، وإنما له مقاصد متنوعة تُلتمس فيها العبرة والعظة. وفيما يأتي أبرز هذه المقاصد.

قصص أصدق وأحسن وأنفع

ويمكن تقسيم القصص في القرآن إلى أنواع: قصص الأنبياء بما فيها من دعوتهم ومعجزاتهم وموقف المعاندين وعاقبة المؤمنين والمكذبين، وقصص عن حوادث قديمة كأهل الكهف وذي القرنين وطالوت وجالوت، وقصص عن وقائع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كبدر وأحد والهجرة. ويمتاز هذا القصص بأنه الأصدق والأحسن والأنفع، وهي صفات استُخرجت من نصوص القرآن نفسه.

فأما الأحسن ففي قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلْغَٰفِلِينَ﴾ (سورة يوسف: 3). وأما الأنفع ففي ختام سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًۭا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يوسف: 111). ويرجع نفع هذه القصص إلى قوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق، فهي تصل إلى الإنسان من باب الحكاية فتستقر فيه موعظة.

توحيد واحد على ألسنة كثيرة

من أبرز ما يلاحظه قارئ هذه القصص أن الأنبياء على اختلاف أزمانهم وأقوامهم يفتتحون دعوتهم بكلمة واحدة تقريبًا. فنوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام قال كل منهم لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وهذا من أهم مقاصد القصص القرآني، لأنه يُبرز حقيقة التوحيد ويُبطل الشرك، ويُظهر أن الدين الذي جاء به كل رسول أصلُه واحد وإن اختلفت أساليبهم: فهذا خوّف قومه من العذاب، وذاك ذكّرهم بتقوى الله، وثالث أقام لهم آية بيّنة هي الناقة.

وحين يتأمل المسلم ذلك يدرك أن دعوته ليست حدثًا طارئًا، بل حلقة في سلسلة طويلة، وأن الطريق الذي يسير عليه سلكه قبله أنبياء كرام.

تثبيت للقلب وتسلية له

يصرّح القرآن بإحدى حكم هذه القصص صراحة: ﴿وَكُلًّۭا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۚ وَجَآءَكَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌۭ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة هود: 120). فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يلقى من قومه الإعراض والأذى، فتأتيه قصص من سبقه لتخبره أن الطريق مسلوك، وأن غيره صبر فنصر. وتبيّن الآية أن النفوس تأنس بالاقتداء وتنشط على الأعمال، ويتأيد الحق بذكر شواهده.

وليس هذا التثبيت مقصورًا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكل من يحمل رسالة ويحتمل في سبيلها مشقة يجد في هذه القصص ما يقوّي به صبره. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى لنبيه بعد قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَٱصْبِرْ ۖ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (سورة هود: 49). فقد ختمت القصة بمعنيين: أن الخبر غيب ما كان يعلمه النبي ولا قومه، وأن العاقبة للمتقين.

دليل على صدق الوحي

هذه الإشارة إلى الغيب تقودنا إلى مقصد آخر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أميًّا، لم يجالس أحبار اليهود ولا رهبان النصارى، ومع ذلك جاءت قصص الأمم السابقة في القرآن مفصّلة وصادقة. وفي ذلك دليل على أن ما جاء به وحي من الله لا من عنده.

عبرة وسنن لا تتبدل

أكثر ما يتكرر في كلام أهل العلم عن هذه القصص كلمة «العبرة». فهي اتعاظ بأحوال الرسل وأممهم للاقتداء بهم في الصبر على الأذى وتبليغ الدعوة، وابتعاد عن تصرفات المكذبين. وفي هذه العبرة تنبيه على سنن الله في حياة الناس؛ فعاقبة المنكرين كانت الخسران، وعاقبة المؤمنين النصر والسعادة، وذلك يقوّي قلوب أهل الإيمان. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلْأَشْهَٰدُ﴾ (سورة غافر: 51).

وتجد في القصص كذلك تحذيرًا من الشيطان، فقصة امتناعه عن السجود لآدم تُبرز العداوة الخالدة بينه وبين بني آدم؛ وبيانًا لنعم الله على أنبيائه كما في قصة يونس عليه السلام وما فيها من نجاته من الغم.

تربية تتجاوز الحكاية

تتضافر مقاصد القصص في تربية المسلم تربية شاملة: على العقيدة الصحيحة، وعلى الصبر على أذى المعرضين. ومثّلت لذلك بالسحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام فثبتوا رغم تهديد فرعون، وبأصحاب الكهف في الثبات على التوحيد، وبقصة إبراهيم وإسماعيل في الصبر وامتثال أمر الله. ومن تربية الأنبياء أنفسهم قوله تعالى لإبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ (سورة البقرة: 131).

وهكذا تتحول القصة من خبر عن الماضي إلى مرآة يرى فيها كل قارئ موقعه؛ أهو أقرب إلى الصابرين أم إلى المستكبرين.

لماذا تتكرر القصص؟

قد يتساءل قارئ عن سبب عودة القصة نفسها في سور مختلفة. ومن ذلك أن النفوس جُبلت على حب التنويع والسآمة من المعاد على هيئة واحدة، فنوّع القرآن في عرض القصة طولًا وقصرًا وترتيبًا ليبقى أثرها حيًّا.

أن نقرأ كما أُريد لنا

كما أن القرآن يضع القصة في إطار ديني، تنفذ معه أشعة روحية إلى النفوس ببيان العبرة الأخلاقية والتربوية التي أُنزلت من أجلها. وقراءتنا قصص الأنبياء تكون على قدر ما نستخرج منها: ثباتًا حين يشتد البلاء، وإخلاصًا حين تتعدد الدروب، وحذرًا من أن نكون ممن قال الله فيهم: ﴿فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 176).

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *