باكستان
| |

الدعاء: عبادة تفتح أبواب الرحمة وآدابه التي تعين على الإخلاص

في لحظات الضيق لا يحتاج الإنسان إلى من يشرح له معنى العجز؛ فهو يحسّه في صدره. غير أن ما يميّز المؤمن أن عجزه لا ينتهي إلى اليأس، بل يوجّهه إلى باب لا يُغلق، هو باب الدعاء. فالدعاء ليس طلبًا لحاجة فحسب، بل صلة بين عبد ضعيف وربّ كريم، ومن هنا جاءت مكانته بين العبادات.

وفي فضل الدعاء وآدابه وجوه متعددة، نعرض هنا أبرزها بلغة قريبة، مكتفين بما هو ثابت في الكتاب والسنة.

الدعاء عبادة وامتثال لأمر الله

الدعاء من أجلّ العبادات، وسمة من سمات العبودية، فيه شعور بالافتقار إلى الله والانكسار بين يديه. وقد جاء في الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم تلا الآية الكريمة (رواه أبو داود، رقم 1479).

والآية التي استشهد بها الحديث هي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (سورة غافر: 60) فالله يأمر عباده بالدعاء ويعدهم بالإجابة، وفي الوقت نفسه يحذّر الذين يتكبرون عن عبادته. وفي الدعاء إذن معنى التواضع قبل أن يكون فيه معنى الطلب.

مكانة عند الله وفضل في الحياة

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء أكرم شيء على الله، فقال فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» (رواه الترمذي، رقم 3370). وروى الترمذي أيضًا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (رقم 3373). وهذا يعني أن ترك السؤال علامة بعد، وأن كثرة السؤال علامة قرب.

والدعاء يورث السلامة من العجز، وهو سبب لدفع البلاء ورفعه، والداعي في معية الله إذا دعاه.

ومن بدائع هذا الباب حديث سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا» (رواه أبو داود، رقم 1488). وفي الصورة التي يرسمها الحديث ما يطمئن القلب: كريم لا يرد من مدّ إليه يديه.

دعوة ذي النون: درس في أركان الدعاء

وللدعاء المستجاب أركان تظهر في دعاء يونس عليه السلام، فقد روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له» (رواه الترمذي، رقم 3505). وقد جاء دعاؤه في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 87)

وفي هذا الدعاء ثلاثة أركان: التوحيد في قوله «لا إله إلا أنت»، وتنزيه الله في «سبحانك»، والاعتراف بالتقصير في «إني كنت من الظالمين». ثم ينصح من أراد الدعاء أن يبدأ بتوحيد الله والثناء عليه والاعتراف بالذنب قبل أن يشرع في سؤاله.

آداب تقرّب الدعاء من القلب

وللدعاء جملة من الآداب، أولها الإخلاص لله تعالى، فلا يُدعى إلا هو. ثم يبدأ الداعي بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يختم بذلك أيضًا.

ومن الآداب الجزم واليقين بالإجابة، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ» (رواه الترمذي، رقم 3479). ومنها حضور القلب كما يفهم من الحديث نفسه، فالكلمات التي لا يشهدها القلب أقرب إلى الترديد منها إلى المناجاة.

ومنها كذلك الإلحاح وعدم الاستعجال. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي» (رواه البخاري، رقم 6340). فلا ييأس الداعي إذا تأخر ما يطلب؛ فالله أعلم بما ينفعه ومتى.

ومنها خفض الصوت بين المخافتة والجهر. روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن الناس رفعوا أصواتهم بالتكبير في سفر، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب» (رواه البخاري، رقم 2992). وقد أثنى الله على زكريا عليه السلام فقال: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّۭا﴾ (سورة مريم: 3)

ومنها التضرع والخشوع والرغبة والرهبة، كما وصف الله أنبياءه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًۭا وَرَهَبًۭا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 90) ومنها ألا يعتدي الداعي في دعائه، فقد قال تعالى: ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة الأعراف: 55)

من جوامع الدعاء في القرآن

ومما يعين الداعي أن يتخير الكلمات الجامعة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار في دعائه جوامع الدعاء، وهي التي تحوي المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة. ومن أجمل ما ورد في القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ (سورة آل عمران: 8)

وقوله سبحانه على لسان الفتية الذين لجؤوا إلى الكهف: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا﴾ (سورة الكهف: 10)

وقوله جل شأنه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا﴾ (سورة طه: 114)

وإذا كان الإنسان لا يحضره دعاء بعينه، فهذه الأدعية القرآنية مدخل مأمون إلى المناجاة، تجمع الثبات على الهدى والرحمة والرشد والعلم.

موانع تُضعف أثر الدعاء

وهناك أمور قد تُضعف أثر الدعاء، منها اليأس وقلة اليقين، والاستعجال، وعدم حضور القلب، والدعاء بإثم أو قطيعة رحم، والاعتداء في الدعاء كأن يطلب الإنسان شيئًا مستحيلًا. وهذه كلها تعود إلى أصل واحد: حسن الصلة بالله وحسن الظن به.

وللدعاء أوقات يُرجى فيها القبول، كوقت السحر والثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وعند نزول الغيث، وعند إفطار الصائم، وفي السفر والمرض. وليس المقصود حصر الدعاء في هذه الأوقات، بل أن يحرص المسلم عليها ويبقى الدعاء على لسانه في كل حين.

وختامًا، فإن الدعاء لا يكلّف شيئًا من المال ولا من الجهد، ومع ذلك يرفع صاحبه درجات. فمن كان له حاجة فليسأل، ومن لم تكن له حاجة فليدعُ ليكون ممن يعرفون الطريق إلى الله حين تضيق بهم الأرض.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *