صفحتان مزخرفتان من مصحف مخطوط
|

المرأة في القرآن الكريم: مكانة تشهد بها الآيات

قبل أن ينزل القرآن كان في بعض بيئات العرب من يستقبل خبر ولادة بنت بوجه متجهم، وقد يصل به الأمر إلى ما هو أبعد من التجهم. وفي مقابل هذه الصورة يفتح القرآن صفحات كثيرة يخاطب فيها المرأة بوصفها إنسانة مكلّفة مسؤولة، لها عند الله ما للرجل من الجزاء، وله فيها من القدوات ما يُضرب به المثل.

تجمع هذه الكلمات ما ورد عن مكانة المرأة في الكتاب العزيز، من غير خوض في أي خلاف، وإنما نظرة إلى ما يقوله الوحي بوضوح.

من الجاهلية إلى التكريم

صوّر القرآن موقف الجاهلية من البنت تصويرًا دقيقًا، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌۭ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (سورة النحل: 58-59)

وقال في موضع آخر مشيرًا إلى ما كان يُرتكب بحق البنات: ﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ﴾ (سورة التكوير: 8-9) وقد جاء الإسلام فنهى عن وأد البنات وأمر بالعدل في معاملة النساء، فرفع بذلك شأن المرأة في بلاد العرب وحسّن حالها. وذكر أن في القرآن سورة خاصة بالنساء هي سورة النساء.

ميزان واحد للرجال والنساء

إذا قرأ المرء القرآن وجد الخطاب موجّهًا إلى الناس كافة، رجالًا ونساءً. والفضل بين الجميع عند الله بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ﴾ (سورة الحجرات: 13)

ويتجلى هذا الميزان في الجزاء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ﴾ (سورة آل عمران: 195)

وفي سورة الأحزاب آية جمعت الرجال والنساء في صفات الإيمان، فعدّدت الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والصدقة والصيام وحفظ الفروج وذكر الله، ثم ختمت بوعد واحد لهم جميعًا: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۭا﴾ (سورة الأحزاب: 35) وأوضح الجواب نفسه أن المؤمنين والمؤمنات بينهم ولاية وتعاون في الخير، كما في قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ (سورة التوبة: 71)

نساء خلّدهن القرآن

من أبلغ ما يدل على مكانة المرأة في القرآن أنه أفرد لها قصصًا ومواقف، وذكر بعض النساء بأسمائهن أو صفاتهن لتبقى قدوات إلى يوم القيامة. ومنهن امرأة عمران ومريم وامرأة فرعون وخولة بنت ثعلبة وعائشة رضي الله عنهن.

فامرأة عمران نذرت ما في بطنها لله، وقالت داعية: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (سورة آل عمران: 35)

ومريم عليها السلام قالت لها الملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ (سورة آل عمران: 42) وقد سمّى القرآن سورة كاملة باسمها. وقد حملت بعيسى عليه السلام فواجهت اتهام قومها، لكنها لم تنكسر وسلّمت أمرها لله، فامتثلت ما أُمرت به: ﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًۭا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّۭا﴾ (سورة مريم: 26) فكان في كلام ابنها في المهد ما يثبت براءتها.

أما امرأة فرعون، فقد جعلها الله مثلًا لجميع المؤمنين، رجالًا ونساءً، إذ قال: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًۭا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (سورة التحريم: 11) ومن تعيش في بيئة ظالمة خانقة تجد في آسية قدوة في الصبر والثبات، فقد كان صبرها في بيئة يحيط بها الظلم والخطر ولم تستسلم.

وفي سورة المجادلة موقف يلفت النظر؛ إذ نزل القرآن في امرأة جاءت تتحدث إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها وتشتكي إلى الله، فقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (سورة المجادلة: 1)

ومن الأمثلة على عناية القرآن بكرامة المرأة براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مما أشاعه المنافقون في حادثة الإفك، فقد أنزل الله فيها آيات تُتلى. ففي سورة النور: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ﴾ (سورة النور: 11) ثم أدّب المؤمنين في حسن الظن بإخوانهم وأخواتهم، فقال: ﴿لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُوا۟ هَٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ﴾ (سورة النور: 12) وقد ثبتت على هذا الابتلاء حتى أنزل الله براءتها.

الأم في القرآن: وصية تتكرر

ومن مظاهر هذه المكانة عناية القرآن بالأم. فقد أوصى القرآن بالأم وكرر الوصية، ولفضلها موجباته: الحمل والرضاع والرعاية. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍۢ وَفِصَٰلُهُۥ فِى عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ (سورة لقمان: 14)

وقال في سورة الأحقاف: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًۭا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًۭا﴾ (سورة الأحقاف: 15)

ومن الأمثلة التي ضربها القرآن للأمهات أم موسى عليه السلام، وقد أوحى الله إليها فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ ۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (سورة القصص: 7) ثم امتنّ سبحانه على موسى بأنه ردّه إليها قرير العين، فقال: ﴿فَرَدَدْنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ (سورة القصص: 13) ويلاحظ أن الله رعى عاطفة الأمومة هنا حق رعاية، وجعل لقاء الأم بولدها مِنّة تُذكر.

قدوات للرجال والنساء معًا

ولم يقتصر الثناء على نساء القرآن، فقد جاء في السنة ما يؤكد مكانتهن. ومن ذلك حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (رواه البخاري، رقم 3411، ومسلم، رقم 2431).

ومعنى الكمال هنا بلوغ الغاية الممكنة من التقى والفضائل والأخلاق الحميدة، وهو كمال بشري نسبي لا الكمال المطلق الذي لا يليق إلا بالله. وليس في الحديث حصر الكمال في هؤلاء النساء، كما بيّن شرّاحه.

ويلاحظ تنوع هؤلاء النسوة: مريم نشأت في بني إسرائيل، وآسية عاشت في قصر طاغية، وعائشة في مجتمع إسلامي يتشكل. وفي ذلك رسالة بأن القدوة لا يقيّدها عصر ولا بيئة، وأن في سيرهن ما يستفيد منه الرجل والمرأة على السواء.

ويُفهم من هذا الحديث أن الكمال الحقيقي يقاس بالإيمان والعمل والصبر والعطاء، لا بالجنس. ويضرب مثلًا بعائشة رضي الله عنها التي لم تنجب أبناء، لكنها خرّجت أجيالًا من العلماء، فدلّ ذلك على أن فضل المرأة لا يُقاس بشيء واحد، بل بما تقدمه من علم وخلق وعطاء.

خاتمة

تكفي هذه الآيات لتبيّن أن مكانة المرأة في القرآن ليست شعارًا يُرفع، بل خطاب مباشر وجزاء عادل وأمثلة حيّة. فمن أراد أن يعرف قدر المرأة في الإسلام فليبدأ من كتاب الله، ثم ليتأمل كيف أن الله جعل من أمثال الإيمان امرأةً صبرت في قصر فرعون، وأنزل قرآنًا في امرأة جاءت تشتكي همّها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *