سورة الكهف: أربع قصص تعلّمنا كيف نثبت أمام الفتن
كثيرون يعرفون سورة الكهف لأنهم يسمعونها أو يتلونها في الجمعة، وقليلون يتوقفون عند بنائها العجيب: سورة تفتتح بحمد الله على إنزال الكتاب، وتمرّ بأربع قصص تبدو متباعدة، ثم تختم بدعوة صريحة إلى العمل الصالح وإخلاص العبادة لله. وإذا أمعن القارئ النظر وجد أن كل قصة تعالج بابًا من أبواب الفتنة التي يتعثر عندها الناس قديمًا وحديثًا.
وقد اجتمعت في هذه الصفحات خلاصة ما جاء في مقاصد السورة وفي معالجتها للفتن.
وقصص القرآن وأمثاله ليست كسائر القصص، فلا يُذكر فيها إلا ما يحتاجه المكلفون مما يصلح به حالهم ومآلهم، وهذا من أسباب أن المسلم يكرر قراءتها ولا يمل منها.
السورة وفضلها
والسورة مكية، وعدد آياتها مئة وعشر، وسُمّيت بالكهف لما فيها من حديث عن أصحاب الكهف الذين فرّوا بدينهم من ظلم ملكهم. ومن فضلها ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه فرس مربوط بحبلين، فتغشّته سحابة جعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: «تلك السكينة تنزلت بالقرآن» (رواه البخاري، رقم 5011).
وجاء في فضلها أيضًا ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال» (رواه أبو داود، رقم 4323).
أصحاب الكهف: فتنة الدين
تبدأ السورة بقصة فتية آمنوا بربهم وسط قوم مشركين، فلم يجاروهم ولم يسكتوا. أعلنوا توحيدهم بوضوح، كما حكى القرآن: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَا۟ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهًۭا ۖ لَّقَدْ قُلْنَآ إِذًۭا شَطَطًا﴾ (سورة الكهف: 14)
ثم تبرؤوا من قومهم وآووا إلى الكهف ليعبدوا الله وحده. وقد جعل الله كرامتهم آية تُتلى على مرّ العصور. وفي تعقيب القصة يأمر الله نبيه بالصبر على صحبة الصالحين، فيقول: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ﴾ (سورة الكهف: 28) ويُستفاد من ذلك أن صحبة الصالحين من أسباب الثبات على الدين، ولو كانوا أقلّ عددًا وأضعف حالًا، وأن اتباع الهوى وطاعة أهل الغفلة بابٌ للفتنة.
وقد جاءت قصة الفتية حقيقة من حقائق الوجود ودليلًا على قدرة الله على البعث، ففيها يقول سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ﴾ (سورة الكهف: 21) فكأن الله يجعل من نومهم الطويل ثم يقظتهم صورة مصغرة لما سيكون يوم القيامة.
صاحب الجنتين: فتنة المال
القصة الثانية تضرب مثلًا برجلين، لأحدهما جنتان من أعناب وحولهما نخل. لكن الرجل افتتن بما عنده فتكبّر على صاحبه، ﴿أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا﴾ (سورة الكهف: 34) ونسي الساعة. وكانت العاقبة، كما نقرأ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا﴾ (سورة الكهف: 42)
وتعقب السورة على القصة بمثل الحياة الدنيا: ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًۭا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقْتَدِرًا﴾ (سورة الكهف: 45) ومن افتتن بالمال فعطّل به الفرائض أو استعلى به على الناس، فليتأمل قصة صاحب الجنتين وليتدبر المثل الذي ضربه الله بعدها للدنيا.
موسى والخضر: فتنة العلم
وفي وسط السورة تأتي قصة موسى عليه السلام، وهو كليم الله ومن أولي العزم، لكنه لم يتكبر بما آتاه الله من علم وآيات، بل رحل يطلب العلم عند عبد صالح، وخاطبه خطاب التلميذ المطيع: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًۭا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًۭا﴾ (سورة الكهف: 69)
وفي القصة مفارقة لافتة: فموسى هو الرسول الأعلى منزلة، والخضر عبد صالح، لكن عند الخضر علمًا لا يعلمه موسى، فتعلّم منه وتواضع له. وفي ذلك علاج لفتنة العلم، التي قد تصيب الإنسان حين يغتر بعلمه ويستعلي به على غيره.
وفي المقابل، لم يغترّ الخضر بما علّمه الله، بل نسب الفضل إلى ربه فقال: ﴿رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى﴾ (سورة الكهف: 82) فالعلم الحقيقي يزيد صاحبه تواضعًا ويربطه بالله.
ذو القرنين: فتنة السلطان
القصة الرابعة قصة ذي القرنين، الذي ملك مشارق الأرض ومغاربها، وآتاه الله من كل شيء سببًا. ومع ذلك لم يتجبّر بقوته، بل سخّرها في إقامة العدل ونصرة المستضعفين. وحين وجد قومًا عند مغرب الشمس خيّره الله في أمرهم، فكان جوابه: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا ۗ قُلْنَا يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًۭا﴾ (سورة الكهف: 86-88) وقد حكم فيهم بحكم الشريعة، فجمع بين الشدة على الظالم واليسر لمن آمن وعمل صالحًا.
وحين شكا إليه قوم إفساد يأجوج ومأجوج وعرضوا عليه مالًا ليبني لهم سدًّا، قال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌۭ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (سورة الكهف: 95)
ولما أتمّ بناء السد لم يفاخر به ولم يمنّ على القوم، بل نسب الفضل إلى الله، ﴿قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى ۖ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّآءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا﴾ (سورة الكهف: 98) فلم يسجل ما فعله في «سجل إنجازاته»، فتكون القوة في يده وسيلة للخير لا للتعالي.
ما يجمع القصص الأربع
وخلاصة ذلك أن السورة عالجت في قصصها فتنة الدين في قصة الفتية، وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم في قصة موسى والخضر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين. ثم يشير إلى أن هذه الفتن الأربع اجتمعت في الدجال، وهو أكبر فتنة حذّر منها النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان لآيات من أول السورة أثر في العصمة منه.
وللسورة ثلاثة مقاصد: أن القرآن حق لا يأتيه الباطل، وأن الله واحد، وأن البعث والآخرة قادمان. وفي ذلك يتطابق أول السورة وآخرها، فأولها: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ (سورة الكهف: 1) وقد ختمت السورة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًۭا﴾ (سورة الكهف: 107-108) ثم جاءت الآية الأخيرة: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ (سورة الكهف: 110)
ويلاحظ أن الآيات الأولى تحدثت عن الذين قالوا اتخذ الله ولدًا وبيّنت كذبهم، وأن آية الختام قررت أن الإله واحد، فتطابق أول السورة وآخرها في إثبات وحدانية الله، وكذلك في أمر البعث والدار الآخرة.
وهكذا تصير السورة كلها طريقًا واحدًا: دين يُصان بالتوحيد، ومال وعلم وسلطان تُدار بالتواضع والشكر، وعمل صالح ينتظر لقاء الله. ومن أراد أن ينتفع بها فليقرأها متدبرًا قصصها، فإن كل قصة فيها مرآة لفتنة يواجهها الإنسان في عصره.







