حفظ اللسان في هدي النبي صلى الله عليه وسلم: كلمة قد ترفع وكلمة قد تهوي
أسهل ما يتحرك في جسد الإنسان لسانه، وأسرعه أثرًا. تخرج الكلمة في لحظة، ولا تكلّف جهدًا ولا مالًا ولا وقتًا، لكنها قد تبقى في قلب إنسان سنوات، وقد تُكتب لصاحبها حسنات لا يحصيها، أو تُثقل ميزانه بما لم يتوقع. ولهذا لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن بعض الألفاظ، بل بنى للمسلم منهجًا كاملًا في التعامل مع كلامه.
وقد جمعت الأحاديث التي تدور حول هذا الباب معاني متكاملة: أن اللسان طريق إلى الجنة أو إلى النار، وأن الصمت قد يكون خيرًا من الكلام، وأن الكلام إذا كان خيرًا صار عبادة.
قل خيرًا أو اصمت
أوضح قاعدة جاءت في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (رواه البخاري (رقم 6018) ومسلم (رقم 47)). والحديث يربط الكلام بالإيمان نفسه، فالذي يؤمن بأنه سيقف بين يدي الله لا يفتح فمه إلا إذا كان لما يقوله وجهٌ من الخير. وتبرز في الحديث ثنائية واضحة: إما كلام حسن، وإما صمت.
ومن هنا ربط أهل العلم بين استقامة اللسان وسلامة الدين. واللسان أخطر الأعضاء بعد القلب وأكثرها تأثيرًا فيه.
المسلم من سلم الناس من لسانه
وفي الحديث الآخر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (رواه البخاري (رقم 10)، وبنحوه مسلم (رقم 40)). وقد بدأ الحديث بتعريف المسلم بأثره في الناس لا بما يقوله عن نفسه: فمن سلم الناس من لسانه ويده كان مسلمًا حقًّا.
وفي المقابل يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة بابًا من أبواب الصدقة، فيقول: «كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة» (رواه البخاري (رقم 2989) ومسلم (رقم 1009)). فاللسان الذي يؤذي هو نفسه اللسان الذي يمكن أن يتصدق.
كلمة تُرفع بها الدرجات وكلمة تهوي بها في النار
ويصوّر النبي صلى الله عليه وسلم قيمة الكلمة الواحدة تصويرًا مؤثرًا: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم» (رواه البخاري (رقم 6478)). وفي رواية أخرى: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» (رواه مسلم (رقم 2988)).
وعبارة «لا يلقي لها بالًا» هي مفتاح الحديث. فأخطر الكلام ما يخرج بلا تفكير ولا قصد، لأن صاحبه لا يظن أن لكلمته وزنًا. والإنسان يهون عليه التحفظ من كثير من المحرمات ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى يُرى الرجل يُشار إليه بالدين والعبادة وهو يتكلم بكلمات من سخط الله لا يبالي بها.
ومن الأمثلة حديث جندب رضي الله عنه: أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان؟ فإني قد غفرت له وأحبطت عملك» (رواه مسلم (رقم 2621)). فهذا عابد أحبطت كلمة واحدة عمله.
حصائد الألسنة
وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» (رواه الترمذي (رقم 2616)). والحصائد جمع حصيدة، أي ما يُحصد من الكلام كما يحصد الزارع زرعه. وفي رواية أحمد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك لن تزال سالمًا ما سكتّ، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك».
ومن أجمل المواقف في هذا الباب موقف سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، حدّثني بأمر أعتصم به. فقال: «قل ربي الله ثم استقم». قال: فقلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «هذا» (رواه الترمذي (رقم 2410)، وفي صحيح مسلم (رقم 38) نظيره: «قل آمنت بالله فاستقم»).
آفتان: كلام يضر وسكوت يضر
ومع ذلك فليس المطلوب أن يصمت المسلم دائمًا. ففي اللسان آفتان: آفة الكلام وآفة السكوت؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، وأهل الوسط هم من كفّوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة.
وللسان وجه آخر، فهو كما يكون مفتاح كل شر يكون مفتاح كل خير: ذكر الله، والكلمة الطيبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل وإرشاد الضال. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة فصلت: 33).
كيف نعين أنفسنا على هذا الأمر؟
يقول ابن القيم في كتابه «الصواعق المرسلة» إن الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر، لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان «فاكهة الإنسان». وإذا صارت عادة للعبد عزّ عليه الصبر عنها، ولذلك تجد من يقوم الليل ويصوم النهار ويطلق لسانه في الغيبة والنميمة.
ومن أقرب ما يعين على ذلك أن يتذكر العبد أن الكلمة تُكتب له أو عليه، وأن يسأل نفسه قبل أن يتكلم: هل في ما أقوله خير؟ فإن لم يكن، فالصمت هو الجواب الذي علّمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم. وإن أراد أن يستعمل لسانه فليجعله مشغولًا بذكر ودعاء وكلمة طيبة وتعليم للجاهل ونصح لمن يحتاج إلى النصح، فلا يبقى فيه موضع للغو.







