الهجرة النبوية: تخطيط محكم وقلب لا يخاف إلا الله
تُعدّ هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة من أهم الأحداث في تاريخ الإسلام؛ فهي الحدث الذي غيّر مجرى التاريخ، وكانت اللبنة الأولى لقيام المجتمع المسلم المستقر. وفي كل تفصيل منها درس: في الموعد، وفي المخبأ، وفي الدليل، وفي الكلمات التي قيلت في أحرج اللحظات. ومن يقرؤها بعين المتأمل يجد أن أعظم ما فيها ليس الانتقال من بلد إلى بلد، وإنما الطريقة التي انتقل بها قلب الرسول ﷺ وأصحابه من ضيق الاضطهاد إلى سعة الثقة بالله.
تخطيط يسبق التوكل
ترويها عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري: كانوا جلوسًا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، فقيل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتيهم فيها. فقال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. فاستأذن النبي ﷺ ودخل، وأمر أبا بكر أن يُخرج من عنده، ثم أخبره بأنه قد أُذن له في الخروج. وعرض أبو بكر إحدى راحلتيه، فقبلها النبي ﷺ بالثمن (رواه البخاري برقم 3905).
وتتابع الرواية ما أُعدّ للرحلة: جهّزوا لهما الجهاز، وصنعوا لهما سفرة، ثم لجأ النبي ﷺ وأبو بكر إلى غار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال. كان عبد الله بن أبي بكر، وهو شاب فطن، يبيت عندهما ثم يخرج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش كأنه بات فيها، فلا يسمع أمرًا يُدبَّر لهما إلا وعاه ثم أتاهما بخبره عند اختلاط الظلام. وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى غنمًا ويريحها عليهما في آخر النهار. واستأجرا رجلًا من بني الديل دليلًا ماهرًا بالطرق، على أنه كان على دين قريش، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.
في هذا التفصيل كله حكمة: صاحب ومعلومات وطعام ودليل وموعد وتمويه. ومع ذلك لم يعتمد النبي ﷺ على هذه الأسباب، فكان قلبه مع الله. وهنا يتعلم المسلم أن التوكل لا يُناقض التخطيط، وأن من أتقن العمل ثم فوّض النتيجة لله جمع الأمرين معًا.
«ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»
ويبلغ الموقف ذروته في الغار. يحدّث أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كنت مع النبي ﷺ في الغار فرأيت آثار المشركين، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا. فقال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» (رواه البخاري برقم 4663، ومسلم برقم 2381). والقرآن يخلّد هذه اللحظة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ (سورة التوبة: 40).
ليس في الكلمة نفي للخطر؛ فالخطر قائم والآثار قريبة. ولكنها تنقل المسألة من حساب القوى إلى حساب المعية: إذا كان الله ثالثهما فما قيمة من يطلبهما؟ والدرس لكل من يشعر أن الأبواب مُغلقة عليه: العدد لا يصنع الأمان، وإنما يصنعه من نكون معه.
سراقة: حين انقلب الطالب إلى حارس
ومن مشاهد الطريق ما رواه سراقة بن جعشم رضي الله عنه: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره. فخرج في طلبهما، فعثرت به فرسه، ثم ساخت يدا فرسه في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فاستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره، ثم نادى بالأمان فوقفوا. وقال: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ. ثم عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا، وقال له النبي ﷺ: «أخفِ عنا» (رواه البخاري برقم 3906).
في هذا المشهد درس يتكرر في التاريخ: من جاء ليقتل صار حاميًا، لأن الله إذا أراد أن يحفظ عبده قلب عليه قلوب خصومه. والنبي ﷺ يعطي مثالًا في الأمانة والتحفظ معًا؛ فهو يقبل الأمان ويطلب كتمان ما رأى.
المدينة: أخوّة تبدأ من البيت
وما إن بلغ النبي ﷺ المدينة حتى آخى بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة، وكانوا تسعين رجلًا، خمسة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار. وهو أول عمل مؤسسي بعد الوصول: قبل أن تُبنى الجدران بُني الإنسان.
وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالًا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك. فلم يرجع يومئذ حتى أفضل شيئًا من سمن وأقط (رواه البخاري برقم 3781). وفي رواية أخرى أنه قال: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ (رواه البخاري برقم 2048). كريم يعطي، وعفيف يأخذ بسعيه، وهذه هي الأخوّة كما ينبغي أن تكون: بذل من جهة، وكرامة من جهة.
ماذا نأخذ من الهجرة؟
نأخذ أن الإيمان يطلب التضحية: ترك النبي ﷺ وأصحابه بلدهم وأموالهم وأقاربهم طلبًا لدينهم. ونأخذ أن الأخذ بالأسباب جزء من الإيمان لا ضده. ونأخذ أن الصحبة الصادقة سند في اللحظات الصعبة، كما كان أبو بكر رضي الله عنه. ونأخذ أن الأخوّة بين المؤمنين تبني المجتمعات قبل أن تبنيها المؤسسات.
والهجرة في حياة كل واحد منا ليست رحلة واحدة؛ إنها قرار متجدد بأن نترك ما يُبعدنا عن الله إلى ما يقرّبنا منه، وأن نصبر على ما يقتضيه ذلك من تعب وغربة، ثم نثق بأن الله الذي حفظ نبيه في الغار قادر على أن يحفظ من صدق في الطلب.
ويبقى في الهجرة معنى لا تضيّعه الأيام: أن نصر الله قد يأتي من حيث لا يُنتظر، وأنه يمرّ أحيانًا عبر باب ضيق من الغار والصبر والكتمان، قبل أن يتسع إلى مدينة تستقبل المهاجر وتفتح له بيوتها وقلوبها. فمن ضاقت به الدنيا فلينظر إلى هذه القصة؛ ففيها أن الضيق ليس نهاية الطريق، وإنما قد يكون بدايته.







