السيدة خديجة رضي الله عنها: وفاءٌ ثبت حين تخلّى الناس
ثمة أشخاص لا نعرف قدرهم إلا حين نتأمل ما تركوه في حياة غيرهم، وخديجة بنت خويلد رضي الله عنها واحدة منهم. لم تقف على منبر ولم تحمل سيفًا، ومع ذلك كانت أول من آمن بالرسالة، وأول من ثبّت النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه الوحي. وإذا أردنا أن نفهم معنى الوفاء والثبات، فلنبدأ من هنا.
سيدة عُرفت بالطهر والعقل
وُلدت خديجة رضي الله عنها بمكة قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة، ونشأت في بيت عريق، فجمعت بين الحكمة والعفاف، واشتهرت بالتجارة والكرم، فكانت تُدعى في الجاهلية بالطاهرة. وكانت سيدة نساء قريش مكانةً وشرفًا.
ولما سمعت بخُلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأمانته في عمله، رغبت في أن يخرج في تجارتها، فقبل، ورأت من صدقه وأمانته ما زادها إعجابًا. ثم كان الزواج المبارك الذي جمع بين الطهر والمودة والإخلاص، ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عليها حتى توفيت.
في غار حراء: الثبات حين يهتز كل شيء
من أصعب اللحظات التي مرت بالنبي صلى الله عليه وسلم لحظة جاءه الوحي أول مرة في غار حراء، فعاد إلى بيته يرجف فؤاده. وهنا ظهر معدن خديجة؛ ففي رواية البخاري (رقم 3) أنها قالت له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
ولنلاحظ كيف لم تُجِبه بالتهويل ولا بالاستفهام المضطرب، وإنما جاء ردّها هادئًا مبنيًّا على ما تعرفه من أخلاقه. فثبّتت جأشه، ثم مضت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وقصّت عليه الخبر، وكانت أول من آمن به وصدّقه قبل كل أحد، فلم تتردد لحظة في تصديقه وقبول دعوته.
آمنت إذ كفر الناس
ومن أجمل ما قيل في موقفها قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين ذكرها عنده: «قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس» (رواه أحمد). وهذه ثلاث عبارات تلخص ما قدمته: إيمان حين كان الإيمان قليلًا، وتصديق حين كان التكذيب هو الغالب، ومواساة بالمال والنفس حين كانت الأبواب تُغلق.
وكانت أول من مدّ يده بالتثبيت والتشجيع، فاستحقت أن تكون أم المؤمنين الأولى. وهذا الوصف يلخص دورها: لم تكن مجرد زوجة بجانب نبي، بل كانت سندًا نفسيًّا وماليًّا لرسالة كاملة في بدايتها.
بشارة من الله وسلام من الرب
ولم يكن الله ليترك هذا الثبات بلا جزاء. ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (رواه البخاري (رقم 3820)).
وقد قال ابن القيم في كتابه «زاد المعاد»: «وأرسل الله إليها السلام مع جبريل، وهذه خاصة لا تعرف لامرأة سواها». والبيت الذي بُشّرت به وُصف بأنه لا صخب فيه ولا نصب، أي لا ضجيج فيه ولا تعب.
وفاء النبي صلى الله عليه وسلم لها
الوفاء الحق لا يكون في اتجاه واحد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا فيه. قالت عائشة رضي الله عنها: «لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت» (رواه مسلم (رقم 2436)). وقال ابن حجر في «فتح الباري» إن هذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار، وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها.
وبعد وفاتها ظل يذكرها. تقول عائشة رضي الله عنها: «ما غِرتُ للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غِرتُ على خديجة، لكثرة ذكره إياها» (رواه مسلم (رقم 2435))، وتروي أنه «كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن» (رواه البخاري (رقم 3816))، أي في صديقاتها. وفي ذلك دلالة على حسن العهد وحفظ الود ورعاية حرمة الصاحب حيًّا وميتًا، وإكرام معارفه.
وتروي عائشة رضي الله عنها أن هالة بنت خويلد، أخت خديجة، استأذنت يومًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف في استئذانها استئذان خديجة وارتاح لذلك، فقال: «اللهم هالة بنت خويلد» (رواه مسلم (رقم 2437)، وبنحوه البخاري (رقم 3821)). فصوت أختها وحده كان كافيًا ليذكّره بها بعد سنوات طويلة من وفاتها.
وحين أغضبته عائشة يومًا بقولها: «خديجة»، لم يردّ عليها بغضب، بل قال: «إني قد رُزقتُ حبها» (رواه مسلم (رقم 2435)). وفي رواية للبخاري أنه كان يقول عنها: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد» (رواه البخاري (رقم 3818)).
ومن أرقّ المواقف التي رُويت في هذا الباب موقف القلادة. فبعد غزوة بدر بعثت زينب رضي الله عنها، ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، في فداء زوجها أبي العاص مالًا وقلادة كانت أمها خديجة قد أدخلتها بها عليه. تقول عائشة: «فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ لها رقّة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها»، فقالوا: نعم (رواه أبو داود (رقم 2692)). ومن اللافت أنه، رغم مشاغله وكثرة السنين، عرف القلادة وتذكّر بها عهد خديجة وصحبتها.
ما الذي تتركه لنا خديجة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة» (رواه البخاري (رقم 3815)، ومسلم (رقم 2430)). وهي شهادة تغني عن كل تعليق.
لكن القصة تقول لنا شيئًا أبعد من المنقبة: أن الثبات يُصنع في الأوقات الصعبة، وأن من يقف مع الحق حين لا يقف معه أحد يترك أثرًا لا يمحوه الزمن. وأن الوفاء ليس عاطفة تنتهي بالرحيل، بل عهد يمتد في ذكرٍ بالخير ودعاء ومعروف يصل إلى من كانوا يحبون صاحبه.







