شاطئ جزيرة سانت مارتن في بنغلاديش
| |

التوبة والإنابة: باب لا يُغلق في وجه أحد

ما من إنسان يمرّ بالدنيا دون أن يتعثر. يزلّ أحدنا في لحظة غضب أو غفلة أو ضعف، ثم يجلس بعدها مثقلًا يسأل نفسه: هل بقي لي طريق إلى الله؟ والجواب الذي يتردد في نصوص الوحي من أولها إلى آخرها أن الطريق مفتوح، وأن الباب لا يُغلق ما دام في العمر بقية.

وفي نصوص التوبة معنى واحد تدور عليه: أن الله يدعو عباده إلى العودة، ويفرح بها، ويعطي عليها أكثر مما يتوقعون.

التوبة رجوع إلى الله وإنابة إليه

التوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وهي إنابة بمعنى عودة القلب إلى ربه بعد إعراض. وليست التوبة كلمة تُقال باللسان، بل ندم على ما مضى، وإقلاع عن الذنب، وعزم صادق ألّا يعود إليه صاحبه. وأهم هذه الأركان الثلاثة الندم، فمن يتحدث عن معصيته متباهيًا بها لا يكون نادمًا في الحقيقة.

وهذا الرجوع لا يحتاج إلى وسيط ولا إلى موعد؛ فالعبد يقف بين يدي ربه في أي ساعة، كما جاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» (رواه مسلم، رقم 2759).

سعة الرحمة التي لا تضيق بكثرة الذنوب

أكثر ما يمنع الناس من التوبة هو اليأس، أن يظن الواحد أن ذنوبه أكبر من أن تُغفر. وقد خاطب القرآن هذا الشعور مباشرة، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (سورة الزمر: 53)

وتأمّل أن الخطاب موجّه إلى «الَّذِينَ أَسْرَفُوا»، أي إلى من بالغوا في التقصير. وحتى أولئك الذين قالوا على الله ما لا يليق به دعاهم الله إلى التوبة في قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ (سورة المائدة: 74) وفي هذا الأسلوب عجب من كرم الله: يدعو من أجرم أعظم الجرم ثم يعرض عليه المغفرة.

ولا يقتصر الأمر على المحو، فالقرآن يذكر عطاءً أكبر: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍۢ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾ (سورة الفرقان: 70) فتغدو الصفحة التي كانت مثقلة بالذنوب صفحة مليئة بالحسنات، وذلك من فضل الله وحده.

وإن عاد العبد فلا يغلق الباب

قد يتوب الإنسان ثم تضعف نفسه فيعود، فيقول لنفسه: لقد استنفدتُ فرصتي. غير أن السنة تعلّمنا غير ذلك. ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه أن عبدًا أذنب فقال: ربّ أذنبتُ فاغفر لي، فقال الله: «أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي». ثم تكرر الأمر ثلاث مرات، وفي آخره: «فليعمل ما شاء» (رواه البخاري، رقم 7507). وفي شرح الحديث أن الله يحب العبد التوّاب الذي كلما زلّ وأخطأ عاد إليه.

وفي حديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم» (رواه مسلم، رقم 2749). والعصمة للأنبياء فيما يبلغونه عن الله، وكل إنسان معرّض للزلل، فالمهم أن يبادر إلى ربه كلما أخطأ.

قصة الذي قتل مئة نفس

من أشهر ما يُروى في هذا الباب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، في رجل من بني إسرائيل قتل تسعًا وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على راهب فسأله: هل لي من توبة؟ فقال الراهب: لا، فقتله وأتمّ به المئة. ثم سأل مرة أخرى فدُلّ على عالم، فقال له: «نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء».

فخرج الرجل قاصدًا تلك الأرض، حتى إذا بلغ نصف الطريق أدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. قالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط. فأُمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فوُجد أقرب إلى الأرض التي قصدها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية أن الله أوحى إلى هذه أن تقرّبي وإلى هذه أن تباعدي (رواه البخاري، رقم 3470، ومسلم، رقم 2766).

وفي القصة، كما يقرؤها شرّاح الحديث، درسان: الأول أن الإقبال بالقلب قد يُقبل وإن لم يكتمل الطريق، والثاني أن التوبة تقتضي في كثير من الأحيان مفارقة البيئة التي أعانت على الذنب، وطلب صحبة أهل الخير والعبادة.

ثمرات تُرى في القلب والحياة

للتوبة ثمار يجدها صاحبها في نفسه قبل الآخرة. فالقرآن يربطها بحياة طيبة، قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ﴾ (سورة هود: 3) وفي الآية دلالة على أن التوبة سبب لانشراح الصدر وطيب العيش.

ومن أجمل ما جاء في هذا الباب أن الله يحب التائبين، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (سورة البقرة: 222) ومحبة الله للعبد أعظم ما يطلبه إنسان.

وجاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَوّيّة مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت…» إلى أن وجدها بعد يأس، فكان فرحه بها عظيمًا (رواه البخاري، رقم 6308، ومسلم، رقم 2744). وهذا الفرح يعطي التوبة معنى آخر: لسنا نطلب من ربٍّ متبرّم أن يقبل عودتنا، بل نعود إلى ربٍّ يفرح بنا.

وللذنوب أثر آخر في القلب نبّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه» (رواه الترمذي، رقم 3334). وهذا هو الران الذي ذكره الله في قوله: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (سورة المطففين: 14) فالتوبة جلاء للقلب، تعيد إليه صفاءه.

خطوات عملية للعودة

من يريد أن يتوب فلا ينتظر لحظة مثالية. ومما يعين على ذلك أمور عدة. فمنه البدء فورًا دون تسويف، لأن الشيطان يزيّن للعاصي أن يتوب لاحقًا ثم قد لا يُوفّق، وأن يستر الإنسان على نفسه ولا يفاخر بذنبه، وأن يبتعد عن الأسباب والصحبة التي جرّته إلى المعصية.

ويدخل في ذلك أيضًا إتباع السيئة بالحسنة. قال أبو ذر رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» (رواه الترمذي، رقم 1987). وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ (سورة هود: 114)

وفي الجملة، لا تقاس التوبة بعدد الدموع ولا بطول الكلام، بل بصدق التوجه. يكفي أن يقول العبد في سكون الليل: يا ربّ، أنا راجع.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *