أخلاق الداعية إلى الله: الكلمة تؤثر حين يسبقها الخلق
يتشابه الدعاة في الكلام، ويتفاوتون في الأثر. فقد يسمع الناس خطيبًا فصيحًا ثم ينصرفون كما جاؤوا، ويلتقون برجل قليل الكلام فيتغير في حياتهم شيء. والفرق في الغالب ليس في المحفوظ ولا في اتساع الأسلوب، بل في الخلق الذي يقف وراء الكلمة.
وفي صفات الدعاة وأخلاقهم صورة واضحة لهذا الخلق، نعرض أبرز ملامحها فيما يلي.
صلة بالله تسبق الصلة بالناس
أول صفات الداعية قوة صلته بالله، فهو دائم المراقبة له، متقٍ له في الصغيرة والكبيرة، لا يزعزع صلته بالله ما يراه من تهاون الناس أو غربة الطريق. ومن ثمرات هذه الصلة الثقة بنصر الله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾ (سورة الحج: 38) وقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (سورة الحج: 40)
ومثال ذلك ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم في عودته من الطائف بعد أن آذاه قومه، إذ لم يشكُ إلى أحد، بل لجأ إلى الله فدعاه بدعاء المستضعفين. فعلى الداعية، كما يقول، أن يعلّق القلب بالله ويخلص له التوجه، فلا يملأ نفسه اعتمادًا على غيره.
الإخلاص: روح الدعوة
الإخلاص أساس نجاح الداعية، فالعمل بلا إخلاص كالجسم بلا روح، أما ما خرج من القلب فإنه يصل إلى القلوب. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلْقَيِّمَةِ﴾ (سورة البينة: 5)
وحقيقة الإخلاص أن يعمل الإنسان لوجه الله دون انتظار جزاء من الناس ولا شكر، وألّا يرى لنفسه منّة على من يرشدهم. ومن ذلك أن يكون الداعي خاليًا من الأغراض الدنيوية، فلا أثر لقول يُراد به غير وجه الله. وفي القرآن: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْءَاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (سورة الشورى: 20)
الحلم والرفق: مفتاح القلوب
الناس لا يتشابهون في طباعهم، ولذلك احتاج الداعية إلى صدر واسع. فقد يلقى الخلوق المهذب والشرس العنيد، وبالحلم والعفو يعامل كلًّا بما ينفعه. وقد خاطب الله نبيه بقوله: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل عمران: 159) وأمره بقوله: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ﴾ (سورة الأعراف: 199)
ومن مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الحلم، كما يروي أنس رضي الله عنه، أن أعرابيًّا أدركه فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى رأى أنس أثر حاشية البرد على عاتقه، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء (رواه البخاري، رقم 5809).
وكيف سيكون حال الدعوة لو استحضر كل معلم وداعية ومربٍّ هذا الموقف في معاملة الناس؟ كما يشير إلى أن النفس تكره الهجوم والشدة في القول، فمن أغلظ للعاصي لم تقبل نفسه الكلام، وقد يأخذه الكبر حتى لو اقتنع. أما الكلمة الطيبة فلها في النفوس تأثير عظيم.
تواضع لا ذل فيه
والتواضع هو خفض الجناح والتودد للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الشعراء: 215) ويجب أن يكون مع الناس جميعًا، الغني منهم والفقير والقوي والضعيف.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» (رواه أبو داود، رقم 4895). ومن لوازم هذا التواضع ألّا يفرّق الداعية بين غنيّ وفقير في دعوته، وهو الدرس الذي ورد في سورة عبس حين جاء الأعمى يسأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشغول بدعوة كبراء قريش، فنزل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ﴾ (سورة عبس: 1-4) وفي ذلك دلالة على أن الإسلام يحرص على كرامة الإنسان مهما كان وضعه الاجتماعي.
معرفة بالناس وعلم يُحسن العرض
ومن أسباب نجاح الداعية معرفته بحال من يدعوهم: نفسياتهم وعاداتهم ولغتهم وثقافتهم، فيخاطبهم بما يبلغ المقصود من أيسر الطرق. فحديثه مع إنسان ملتزم يختلف عن حديثه مع من لا يعرف شيئًا عن الدين، وحديثه مع الصغير غير حديثه مع الكبير. وفي ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم السريانية، قال زيد: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية» (رواه الترمذي، رقم 2715).
وهذا يستلزم علمًا يتجدد، فالداعية الذي لا يقرأ ولا يتعلم لا يجد ما يقدمه للناس. ولذلك ينبغي أن يحفظ الداعية من القرآن ما استطاع، وأن يرجع إلى السنة الصحيحة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ففيها تطبيق عملي واضح لأحكام القرآن في أحوال الحياة كلها.
موافقة القول للعمل
من أشد ما يقوّي أثر الداعية أن يرى الناس فيه ما يسمعونه منه. والقدوة العملية تصيب من قلوب الناس أكثر مما تصيبها الكلمة مهما كان تأثيرها، ومن أمثلة ذلك ما كان في صلح الحديبية. فبعد فراغ النبي صلى الله عليه وسلم من كتابة الصلح قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» فلم يقم منهم أحد حتى كرر ذلك ثلاثًا، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وذكر لها ما لقي من الناس، فأشارت عليه أن يخرج فلا يكلم أحدًا حتى ينحر بدنه ويدعو حالقه فيحلقه. ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا (رواه البخاري، رقم 2731 و2732).
ومن الثبات على المبادئ ألا يأمر الداعية بالصدق ثم يكذب ولو مازحًا، وألا يأمر بالأمانة ثم يخون، لأن التناقض يقدح في شخصه وفي دعوته.
الاستقامة والصبر
والاستقامة منهج متكامل يجمع العقيدة والعبادة والسلوك. وقد وعد الله أهلها بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأحقاف: 13-14)
أما الصبر فهو زاد الداعية في طريقه، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 153) ومثال ذلك ما لقيه الأنبياء من أقوامهم: صبر نوح عليه السلام على سخرية قومه واتهامهم له بالجنون، وإبراهيم عليه السلام الذي أُلقي في النار فقال الله: ﴿قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًۭا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (سورة الأنبياء: 69) ثم وصية لقمان لابنه التي تجمع الدعوة والصبر: ﴿يَٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ (سورة لقمان: 17) وقد وعد الله الصابرين بقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴾ (سورة الزمر: 10)
وقريب من هذا أن الداعية قدوة لمجتمعه، فعليه أن يهتم بنظافته ومظهره اللائق، وأن يتكلم بلغة قريبة من الناس، وأن يعرف حال من يخاطبهم، وأن يتحدث بإيجاز دون إطالة تُملّ السامع.
خاتمة
أخلاق الداعية ليست زينة تُضاف إلى دعوته، بل هي الطريق الذي تسلكه الكلمة إلى القلوب. وكلما اقترب الداعي من هذه الصفات، إخلاصًا لله وحلمًا مع الناس وتواضعًا ومطابقة بين القول والعمل، اقتربت دعوته من النفوس التي ينتظرها الخير.







