الإيمان بالملائكة وأثره: عالم غيبي يزرع الحياء ويقوّي القلب
لا نرى الملائكة، ومع ذلك يقوم إيماننا على التصديق بوجودهم. وهذا بالضبط ما يجعل الإيمان بهم اختبارًا للقلب: أن يصدّق الإنسان بخبر الله ورسوله عن عالم غيبي لم تبصره عيناه. وفي ذلك ما يبيّن أن هذا الإيمان ليس معلومة تُحفظ، بل قوة تعمل في سلوك المؤمن وراحة قلبه.
نمرّ فيما يلي بمعنى الإيمان بالملائكة، ثم بأبرز ثماره كما ذكرها أهل العلم.
ركن من أركان الإيمان
الإيمان بالملائكة الركن الثاني من أركان الإيمان الستة، ولا يستقيم إيمان عبد حتى يؤمن بهم. وقد جاء ذلك في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (سورة البقرة: 285)
وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا﴾ (سورة النساء: 136)
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله: ما الإيمان؟ فقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث» (رواه البخاري، رقم 50).
من هم الملائكة؟
وهم خلق من خلق الله وعباد مكرمون، لا يعلم عددهم إلا الله، ومنهم الموكلون بالوحي، والموكلون بالموت، والموكلون بالأرحام، والموكلون بالجنة والنار، وكلهم منقادون لأمر الله. وقد وصفهم القرآن بالطاعة التامة، فقال في ملائكة النار: ﴿مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌۭ شِدَادٌۭ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (سورة التحريم: 6)
وهم دائمو العبادة، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 20)
وللملائكة وظائف، فجبريل عليه السلام موكل بالوحي إلى الأنبياء، وميكائيل بالمطر والنبات، وملك الموت بقبض الأرواح، وهناك ملائكة موكلون بكتابة أعمال العباد وحفظهم.
وفي كثرتهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو ذر رضي الله عنه: «أطّت السماء وحُقّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله» (رواه الترمذي، رقم 2312).
والملائكة معصومون مفطورون على الطاعة بلا شهوة تصرفهم، أما الإنسان فقد ركّب الله فيه العقل والشهوة، فإذا جاهد نفسه وصبر على الطاعة وعن المعصية ارتفع قدره عند الله، لأنه يعبد الله مع وجود الصوارف. فالإيمان بالملائكة إذن لا يدعو إلى التعالي ولا إلى الاغترار بقليل العمل، بل إلى المجاهدة والتواضع أمام عبادة لا تفتر.
أولى الثمرات: تعظيم الله
وأول ثمرات هذا الإيمان أن يعلم المسلم سعة علم الله وبديع حكمته، وأن يعرف عظمة الله وقدرته. فعندما ترى عِظَم خلق الملائكة وما هم عليه من القوة، يتردد في ذهنك سؤال: إذا كان هؤلاء بهذه القوة، فكيف بخالقهم سبحانه؟ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍۢ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ﴾ (سورة فاطر: 1)
وعظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق، فخلق الملائكة من نور وأولي أجنحة يوحي بأن الله على كل شيء قدير.
ومنها إظهار عظم النبوة والرسالة، فقد اختار الله من الملائكة وسطاء بينه وبين رسله، يبلّغونهم شرائعه وأوامره ونواهيه. ومنها حماية المؤمن من الخرافات والأوهام التي يقع فيها من لا يؤمنون بالغيب، إذ يتعلم أن للغيب أخبارًا صادقة مصدرها الوحي لا التخمين.
مراقبة وحياء واستقامة
من أوضح آثار هذا الإيمان أنه يزرع الشعور بالرقابة. فمن يؤمن بأن الملائكة تراقب أعماله وأقواله وتشهد على ما يصدر منه، يتجنب مخالفة الله ومعصيته في السر والعلن.
وتتصل بذلك ثمرة أخرى هي حسن معاملتهم، أي أن يبتعد المسلم عن المعاصي التي تؤذيهم ويحرص على الطاعات التي تسرّهم. والإيمان بهم يوجب محبتهم وإجلالهم، فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، فلا يجتمع سبّهم أو الاستهزاء بهم مع الإيمان.
طمأنينة في القلب وثبات في الطريق
من ثمار هذا الإيمان أيضًا بثّ الطمأنينة في قلب المؤمن، فقد جعل الله عليه حافظًا يحفظه من كل شر. وقد حثّ الإيمان بالملائكة على الصبر ومواصلة الجهاد وعدم اليأس، لأن المؤمن يعلم أن الملائكة جند الله معه وأنه ليس وحده.
وإذا كانت لحظة الموت من أصعب اللحظات، فقد وعد الله المستقيمين بالبشرى عندها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (سورة فصلت: 30)
اقتداء بهم ودعاؤهم للمؤمنين
ويدعو الإيمان بالملائكة إلى التشبه بهم في مداومة الطاعة دون ملل ولا كلل، وقد وصفهم الله بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون. ومن ثمرات الإيمان بهم كذلك الطمع في دعائهم واستغفارهم للمؤمن الطائع. ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» (رواه البخاري، رقم 445).
وهذا يعني أن للمؤمن من يدعو له في صمت وهو لا يشعر، فيدفعه ذلك إلى مزيد من المحافظة على الطاعة والذكر.
كيف نؤمن بهم؟
وطريق الإيمان بالملائكة يتلخص في أمور: الإيمان بوجودهم إيمانًا جازمًا، وبأنهم خلق نوراني من خلق الله لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبية، وبأنهم عباد لله يخضعون لأمره. ثم الإيمان بهم إجمالًا فيما لم يرد اسمه، وتفصيلًا فيمن ورد ذكرهم في القرآن والسنة كجبريل وميكائيل وإسرافيل، وبما ذُكر من صفاتهم وأعمالهم.
ويُلخَّص الإيمان بهم أيضًا في أربعة أمور: الإيمان بوجودهم حقيقةً كما أخبر الله ورسوله، وبمن علمنا اسمه منهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك، وبما علمنا من صفاتهم الخَلقية، وبما علمنا من أعمالهم ووظائفهم بأمر الله. ومن هنا كان تعلّم أخبارهم من القرآن والسنة بابًا لتقوية الإيمان.
وإيمان المسلم بهم يكبر بقدر معرفته بهم، فكلما ازدادت المعرفة عظم الإيمان. وهكذا يتحول هذا الركن من خبر غيبي إلى طاقة تعين على الاستقامة، وتملأ القلب حياءً وطمأنينة.






