قرية جبلية بمدرجات زراعية في اليمن
| |

الإخلاص: الروح التي تجعل العمل حيًّا

تستطيع أن تقيم عملين متشابهين تمام التشابه: رجلان يتصدقان بالمبلغ نفسه، وآخران يصليان في الصف نفسه، وثالثان يقومان بالعمل التطوعي ذاته. فإذا نظرت إلى ما يرى الناس لم تجد فرقًا، لكن الفرق قد يكون كبيرًا عند الله؛ لأن الأعمال لا تُقاس بصورتها، وإنما بما في القلب حين تُؤدى. وهذا الذي في القلب هو الإخلاص.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (رواه البخاري برقم 1). وهذا الحديث ميزان للأعمال كلها، ومنه ينطلق الحديث عن الإخلاص بوصفه روح العمل التي إذا فارقته بقيت له صورة بلا حياة.

حقيقة الدين

الإخلاص هو أن يقصد المسلم الله وحده بقوله وعمله، وأن يخلّص نيته وإرادته من كل غرض دنيوي. وقد جعله القرآن أصل ما أُمر به الناس: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (سورة البينة: 5). وأمر به النبي ﷺ نفسه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (سورة الزمر: 11). وقال سبحانه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (سورة الزمر: 3).

فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وقد جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» (رواه مسلم برقم 2985). فمن عمل ليراه الناس أو ليسمعوا به أو ليرتفع عندهم لم يبقَ له من عمله شيء عند الله.

ولا يقف الأمر عند القبول؛ فالإخلاص يحمي العمل من أن يتحول إلى عادة فارغة. من أخلص في عمله وجد فيه طعمًا لا يجده من يعمل ليُرى؛ لأن الأول يعمل مع الله ولو انصرف الناس، والثاني يعمل مع الناس ولو انصرف عنه كل شيء. وبهذا يصير الإخلاص أول ما يُسأل عنه الإنسان في كل عمل: لمن كان؟

لماذا هو روح العبادة؟

إذا فُقد الإخلاص فقدت العبادة فائدتها وصارت بلا أثر في حياة المسلم، بل قد تنقلب عليه إثمًا. فالمصلي الذي لا إخلاص في صلاته تصبح عنده حركات وسكنات وهمهمات، فلا يتذوق حلاوتها ولا يرى لها أثرًا في حياته. والمتصدق إذا أخرج صدقته رياءً أو ليستميل بها القلوب لم ينل إلا ما كسبه من جزاء الدنيا.

ولذلك مدح الله الذين يعطون لا يريدون من الناس شيئًا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (سورة الإنسان: 9). وقال في الذي يؤتي ماله يتزكى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ (سورة الليل: 19-21). كأن الآية تقول إن من لم يطلب شيئًا من الناس كفاه الله بالرضا.

والصوم مثال آخر؛ فمن لم يقصد بصيامه التقرب إلى الله كان صومه جوعًا وعطشًا لا غير. وكذلك الحج، فإن قصد به صاحبه غير وجه الله لم يكسب منه إلا التعب، أما إن أخلص فيه فالجزاء مضاعف. وهكذا تتشابه الصور وتختلف النيات، وتختلف معها الأجور اختلافًا لا يقدّره إلا الله.

ثمرات الإخلاص

من أول ثمراته أنه يحوّل المباحات إلى طاعات. قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك» (رواه البخاري برقم 56). فاللقمة التي يضعها الرجل في فم أهله تصير عبادة إذا قصد بها وجه الله، وهذا معنى يوسّع باب الأجر حتى يشمل تفاصيل الحياة اليومية.

وقد بيّن النووي في شرحه لهذا الحديث أن المباح إذا قُصد به وجه الله صار طاعة يُثاب عليها صاحبه؛ كمن يأكل بنية التقوّي على طاعة الله، وينام ليستريح فيقوم إلى العبادة نشيطًا. وهكذا لا يبقى في حياة المخلص شيء ضائع؛ فطعامه ونومه وعمله وبيته كلها قابلة لأن تُرفع إلى الله إذا صحت النية.

ومن ثمراته تفريج الكروب. في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة في الغار، قال بعضهم لبعض: لا ينجيكم منها إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم؛ فقال كل واحد منهم: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه»، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون (رواه البخاري برقم 2272، ومسلم برقم 2743). فالعمل الخالص يبقى مدخرًا لصاحبه، ثم يخرجه الله في ساعة الشدة.

ومنها أن الإخلاص يصرف السوء والفحشاء عن صاحبه، كما قال تعالى في يوسف عليه السلام: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (سورة يوسف: 24). فالمخلص يحفظه الله لأنه اختاره لنفسه. ومنها زوال أحقاد القلوب، لأن من انصرفت دواعي قلبه إلى مرضاة ربه لم يبقَ فيه موضع للغل.

أشقّ الأمور على النفس

والإخلاص من أشق الأمور على النفس، لأنه يحول بينها وبين متطلعاتها وشهواتها؛ فهي تحب أن تُرى وأن تُمدح وأن يعرف الناس فضلها، وهو يقف بينها وبين هذه الرغبات. ولذلك يحتاج المسلم إلى مجاهدة مستمرة، تبدأ بسؤال بسيط يطرحه على نفسه قبل العمل: لمن أفعل هذا؟ وأن تكون نيته فيما يقوم به من قول أو فعل أو ترك لله، لا يريد سمعة ولا رياءً ولا رفعة عند أحد ولا خشية من أحد.

وللنية الخالصة منزلة تبلغ بصاحبها ما لم تبلغه يداه؛ فقد قال النبي ﷺ: «من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه» (رواه مسلم برقم 1909، من رواية سهل بن حنيف رضي الله عنه). فصدق القلب يرفع صاحبه إلى منزلة لم يبلغها بجسده.

وفي هذا كله بشرى لكل من يعمل في صمت: لا يحتاج إلى جمهور، ولا إلى كلمة شكر، ولا إلى أن يعرف الناس ما يفعل. يكفيه أن الله يعلم، وأنه سبحانه لا يضيع عمل من أحسن عملًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *