| | |

الحكم العثماني للبلاد العربية هل كان فتحًا أم احتلالًا؟؟

من المسائل الوثيقة الصلة بمسار العلاقات بين الأتراك والعرب ذلك الجدل الدائر حول تقييم الحضور العثماني في البلاد العربية: هل كان فتحًا أم احتلالًا؟

فكلما كانت العلاقات بين الطرفين طبيعية وخالية من الخلافات السياسية، ابتعد وصف الاحتلال عن الأذهان، وبالكاد يتعدى طرحه حدود العمل البحثي، أما في أوقات الأزمات السياسية بينهما فيحضر هذا الوصف بقوة، وتتلقفه وسائل الإعلام العربية لتحوله إلى قضية رأي عام.

وتشهد الفترة التي تلت الربيع العربي تراجعا في العلاقات بين تركيا ودول عربية قامت فيها الثورات واحترم الأتراك خلالها إرادة شعوبها، وكذلك دول عربية أخرى تخشى المد الديموقراطي الذي يهدد حكم الأسر والعوائل الحاكمة بالوراثة، ومن ثم شرعت هذه الدول في تسخير الأقلام والمنابر لإعادة فتح القضية وإقرار ما تزعم أنه “حقيقة” الاحتلال العثماني للوطن العربي.وانخرطت الدراما في هذا التوجه، وكان آخر أعمالها في هذا الباب مسلسل “ممالك النار”، الذي قدم الوجود العثماني على أنه احتلال، فضلا عن عرضه حقائق مغلوطة لتشويه التاريخ العثماني، كما نشطت مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الشأن، وظهرت برامج على “يوتيوب” مكرسة لذلك.الحقيقة تقول:أولا: إن مصطلح الاحتلال العثماني لم يستعمله أي مؤرخ عربي طوال فترة حكم العثمانيين للبلاد العربية التي بلغت نحو أربعمائة عام، فالكتب التاريخية المعروفة التي تناولت الدولة العثمانية لم تنعتها بالاحتلال، مثل كتاب ابن أبي السرور “المنح الرحمانية في تأريخ الدولة العثمانية”، وكتاب “واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني” المعروف بـ”آخرة المماليك” لابن زمبل الرمّال، وكتاب ابن إياس “بدائع الزهور في وقائع الدهور”، وغيرها من مؤلفات المؤرخين العرب.

ثانيا: إن بعض المؤرخين القوميين العرب هم الذين استعملوا هذا المصطلح، متأثرين بالنعرة القومية التي أضرّت بالعرب والأتراك معًا في القرن الماضي، ومن حقنا إذن أن نسأل: هل كانت هذه هي نظرة العرب إلى الحكم العثماني؟ وهل كانوا يعدّون العثمانيين محتلين؟

ثالثا: “الحامية العثمانية” هي التسمية التي درج العرب قديما على إطلاقها على القوات العثمانية المرابطة في بلادهم، وفي هذه التسمية دلالة قوية على أنهم عدّوا العثمانيين حُماةً لهم، لا سيما أن المجتمعات الإسلامية لم تكن تقدّم رابطة على رابطة الدين، فالتفّت حول الدولة العثمانية بوصفها أقوى سلطة إسلامية تحتمي بها من العدوان الأوروبي في ذلك الزمان، وبهذه الصلة تمكنت من صون شعائرها الدينية وعاداتها وأعرافها.أما حركات التمرد فلم تكن، بحسب المؤرخ المصري عبد العزيز الشناوي، حركات استقلال أو انفصال عن الدولة العثمانية، بل قادها أصحاب عصبيات أو قادة عسكريون أو زعماء دينيون من أتباع مذاهب دينية، وكان هدفهم الاستقلال بشؤون الإدارة والمال، على أن تبقى الولاية في الغالب ضمن إطار الدولة العثمانية، ومن أمثلتها: حركة علي بك الكبير في مصر، والنزاع بين الزيدية والعثمانيين في اليمن.

رابعا: ثمة شواهد تاريخية تدل على أن العرب لم يروا في العثمانيين محتلين، مثل الاستغاثات والنداءات التي وجهها علماء وأعيان الشام ومصر طلبا للخلاص من الحكم المملوكي، فقد أورد الدكتور محمد حرب في كتابه “العثمانيون في التاريخ والحضارة” ترجمة لوثيقة تاريخية محفوظة في متحف طوب كابي بإسطنبول تحمل الرقم 11634 (26)، وهي رسالة من علماء ووجهاء وأعيان وأشراف حلب إلى السلطان سليم الأول، يطلبون منه إنقاذهم من الحكم الشركسي، ويشكون له الظلم وتعطيل الشريعة. وذكر الدكتور حرب في الكتاب ذاته أن علماء مصر كانوا يكاتبون السلطان ليأتي على رأس جيشه ويخلصهم من الحكم المملوكي، وهذا ما يتفق مع ما ورد في كتاب المؤرخ العثماني عبد الله رضوان، تاريخ مصر (مخطوط رقم 4971) في مكتبة بايزيد بإسطنبول، إذ ذكر أن علماء مصر كانوا يلتقون سرًا بكل سفير عثماني يصل إلى مصر، فيعرضون عليه شكواهم ويحثون السلطان على تخليصهم.

خامسا: ومن حقنا أيضا أن نسأل: لماذا لم يوصف الحكم الفاطمي والأيوبي والمملوكي في مصر بالاحتلال، مع أنها أنظمة لم تنشأ من الداخل؟ والسبب أن المسلمين كانوا يعدّون هذه الدول امتدادا للحكم الإسلامي، وأن تبدّلها لا يعدو كونه تغييرا في النظام السياسي الحاكم، فالموضوعية إذن توجب وصف هذه الأنظمة بالاحتلال أسوة بالحكم العثماني، وإلا فلا.

سادسا: من طبيعة المحتل، كما هو معلوم، أنه لا يعنى إلا باستنزاف ثروات البلاد التي يسيطر عليها، فلا يلتفت إلى أحوالها إلا بما يخدم مصالحه الاستعمارية، لكن من ينظر في آثار الحكم العثماني في الدول العربية يجد الباحث إرثا ضخما خلّفه العثمانيون من أوقاف ومساجد ومدارس وخانات ووكالات تجارية وتكايا، وأماكن خربة أعادوا إعمارها، فضلا عن النظم الإدارية الدقيقة التي طبقوها في الولايات التابعة لهم كما ورد في تاريخ الدولة العلية العثمانية لمحمد فريد بك، والخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك.

سابعا: ومما ينفي عن الدولة العثمانية صفة الاحتلال أنه طوال القرون الأربعة التي سبقت عزل السلطان عبد الحميد، لم يُعرف عن علماء الدين العرب المعتبرين دعوتهم إلى الخروج على الحكم العثماني، وهو أمر جدير بالانتباه، فمن عادة العلماء أن يحرّضوا الشعوب على المحتلين انطلاقا من واجبهم الديني نحو الأمة بوصفهم قادة للرأي.

ثامنا: من طبع المحتلين أنهم يفرضون لغتهم على البلاد التي يسيطرون عليها، وأقرب مثال على ذلك تأثر الشعب الجزائري باللغة الفرنسية التي فرضها عليهم الاحتلال الفرنسي فرضا، أما اللغة العثمانية فلم تفرض نفسها على الشعوب الناطقة بالعربية الخاضعة للحكم العثماني، بل حدث تفاعل طبيعي وتأثير متبادل بين اللغتين، بل يمكن القول إن العثمانيين تأثروا بالعربية أكثر مما تأثر العرب باللغة العثمانية، لأن العربية هي لغة القرآن الكريم.

وأخيرا.. تجدر الإشارة إلى أن الحكم العثماني للدول العربية لم يكن على وتيرة واحدة طوال الحقب التاريخية، فقد مرّ بفترات قوة وضعف، وفترات عدل وجور، شأنه شأن سائر الأنظمة الحاكمة.وعلى الرغم من أن تقييم الحكم العثماني أصبح اليوم مسألة نظرية، فإن القضية تُستغل سياسيا ضد التحركات التركية الراهنة في المنطقة الهادفة إلى حماية أمنها القومي، وتستهدف القوى الناعمة التركية التي تنقل الثقافة التركية إلى الشعوب العربية، ومن ثم وجب الرد بقوة على هذه القضية الحاضرة في الخصومة السياسية مع تركيا.

المصدر : وكالة الأناضول

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *