الصين والهند..تتقاربان في عدد السكان وتتفاوتان في الاقتصاد والقدرات العسكرية



ألقى التوتر الأخير بين الهند والصين بظلاله على ملفات دبلوماسية وعسكرية لا حصر لها على المستويين الإقليمي والدولي، وأبرز بجلاء مكانة العملاقين الآسيويين في النظام العالمي، لا سيما أنه جاء وسط استقطاب غير مسبوق بين بكين وواشنطن.
فالولايات المتحدة تأمل أن تكون الهند رأس حربة لها في مواجهة الصين؛ إذ إن إدارة الرئيس دونالد ترامب، الحريصة على عزل الصين والحد من توسعها التجاري والاقتصادي، لن تجد حليفا أنسب من الهند لتحقيق هذا الهدف.
وفي المقابل، تأمل نيودلهي أن تجذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأميركية وأن تحل محل الصين كبديل أفضل، خصوصا مع تقارير تفيد بأن ثلثي الشركات الأميركية لا ترغب في التعامل مع الصين، وتبحث عن بديل يقلص اعتمادها على السوق الصينية في التصنيع.
وفي ظل هذا الشد والجذب، يبدو أن شعار “الهنود والصينيون إخوة”؛ الذي رُفع في خمسينيات القرن الماضي، يتجه نحو الاندثار.
ويعقد هذا التقرير مقارنة موجزة بين الهند والصين، اللتين تجمعهما حدود مشتركة يزيد طولها على 3400 كيلو متر، ونحاول فيه رصد بعض ملامح قوتهما الشاملة وموقعهما بين القوى الدولية اقتصاديا وعسكريا، فضلا عن القوى البشرية وعدد السكان.
الكتلة الحيوية
في البداية، ينبغي التنويه إلى أن الكتلة الحيوية الحرجة، أي الأرض والسكان، من أهم مقاييس القوة بين الدول.
وهي متشابهة إلى حد ما في الصين والهند، فكلا البلدين يقع في نطاق جغرافي متقارب ويضم كتلة سكانية ضخمة، وهذا ينعكس على قوتيهما العسكرية والاقتصادية، ومن ثم على حضورهما السياسي في الخريطة الدولية.
ومع التقارب الكبير بين البلدين في عدد السكان، تمكنت السلطات الصينية في العقود الأخيرة من تحقيق طفرة اقتصادية نوعية، انعكست على رفاهية الشعب.
وتبين البيانات المعتمدة دوليا هبوطا كبيرا وملحوظا في معدلات الأمية والبطالة والفقر، إذ تبلغ نسبة كل منها نحو 3% من السكان، كما بلغ متوسط دخل الفرد نحو 10 آلاف دولار في السنة.
اعلان
أما الهند، فقد دخلت في سباق تسلح منذ استقلالها، وقد أثر ذلك سلبا في الشعب، ويتجلى هذا في ارتفاع معدلات الفقر لتطال أكثر من 20% من السكان، بينما لا يزيد دخل نحو ثلثيهم على دولارين في اليوم، ويبلغ متوسط دخل الفرد عموما نحو 1800 دولار سنويا.
كما تكشف البيانات عن تفاوت كبير بين البلدين في مستوى الرعاية الصحية والتعليم، فبينما تنخفض نسبة الأمية في الصين إلى نحو 3% من السكان، ترتفع في الهند إلى 25%، وفي الرعاية الصحية تظهر البيانات المتاحة تفوقا واضحا للصين.
التنين يلتهم الفيل
اقتصاديا، تربط البلدين علاقات قوية، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما نحو 100 مليار دولار في العام، غير أن الميزان التجاري يميل لصالح الصين بأكثر من الثلثين، كما تقترب الاستثمارات الصينية في الهند من 30 مليار دولار.
ومع ذلك، صنف صندوق النقد الدولي الهند خامس أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي.
لكن ذلك لم ينعكس كثيرا على رفاهية الشعب؛ فبحسب التقرير نفسه ما زالت الهند تواجه عددا من التحديات، فالوصول إلى الفرص والتنمية بالغ الصعوبة، ويعاني أكثر من ثلثي السكان من الفقر. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن ينمو السوق الاستهلاكي في الهند إلى 6 تريليونات دولار عام 2030، وهو ما يثير شهية الشركات الدولية، وفي مقدمتها الأميركية والصينية.
وفي المقابل، تسهم الصين بنحو 35% من النمو الاقتصادي العالمي، وقد ارتفعت قيمة صادراتها إلى 4.3 تريليونات دولار؛ فأصبحت بذلك أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم.
ويقوم نفوذ الصين الدولي على قوتها الاقتصادية، ولا تزال تفتقر إلى “الرغبة في الهيمنة”، وتقدر استثماراتها الخارجية -في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين- بنحو تريليوني دولار، بحسب إحصاءات عام 2018.
وتطرح بكين على العالم أيضا “مبادرة الحزام والطريق” التي تسعى إلى ربط العالم بالصين عبر طرق ومسارات للتبادل التجاري والسياسي، لتغدو بمثابة هجوم اقتصادي ناعم يحمل في طياته مخاوف سياسية وأمنية لدى قوى إقليمية ودولية كثيرة.
القدرات العسكرية
وبينما كانت الهند من الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، انتهجت الصين من جانبها منذ عام 1954 سياسة خارجية تقوم على مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى”.
غير أن ذلك لم يمنع البلدين من الدخول في سباق تسلح ضخم لتطوير ترسانتيهما العسكرية، حتى أُعلن عن كل منهما دولة نووية.
فقد انطلق البرنامج النووي الصيني عام 1955، وأجرت بكين منذ ذلك الحين 45 تجربة نووية، وتتكتم الصين على المعلومات المتعلقة بترسانتها النووية، لكن وزارة الدفاع الأميركية تقول إن لدى الصين ما بين 130 و195 صاروخا باليستيا قادرا على حمل رؤوس نووية.
أما الهند فبدأت برنامجها النووي منذ خمسينيات القرن الماضي، وأجرت أول تفجير نووي عام 1974، ونفذت تجارب نووية عام 1998، ويعتقد أنها تمتلك 130 رأسا نوويا.
ويملك البلدان من أكبر جيوش العالم عددا وأكثرها تسليحا، وقدّر موقع “غلوبال فاير باور” الميزانية الدفاعية للهند بنحو 61 مليار دولار في السنة، بينما تقفز في الصين إلى 237 مليارا.
ومع أن بيانات الموقع المتخصص تظهر تفوقا عسكريا واضحا للصين في القوة الجوية والبحرية والتكنولوجيا العسكرية، فإن الهند تحتفظ بتفوق عددي في عتادها البري من دبابات ومدفعية.
وفي صناعة الطائرات المُسيّرة، نجحت الصين في تصنيع 25 نوعا من الطائرات من دون طيار، وأعلنت عام 2018 البدء في تصنيع الطائرة المسيرة “سي إتش-7” (CH-7) بمواصفات تتيح لها التحليق على ارتفاع 13 ألف متر، بينما تجري الهند اختبارات على عدد من أنواع هذه الطائرات المصنعة محليا، وتعتمد بدرجة أكبر على استيرادها.
وفي الختام، يتركز الاهتمام العالمي على النزاع بين الصين والهند لأنهما جارتان نوويتان، وتضمان أكبر خزانين بشريين على وجه الأرض، وتُعدان من أكبر اقتصادات العالم، غير أن التقديرات الدولية ترى أن التطورات الحدودية الأخيرة ليست “قرعا لطبول الحرب”، بل استعراض للقوة.
المصدر : الجزيرة + وكالات
